بارت من

رواية بين الامس واليوم -63

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -63

لم يعلم حتى أنه كان يتكلم بصوت مسموع.. كان يحادث نفسه من خلالها
كانت أم صالح تنتفض بعنف..أطرافها ترتعش.. وعيناها تتقلبان..
حاول أن يسندها..وهو يصرخ بجزع: صافية وش فيش؟؟ وش فيش؟؟ لا حول ولا قوة إلا بالله أنا وش سويت؟؟
فإذا بها تسقط بين ذراعيه وارتعاشها يتزايد.. ويتزايد.. وصوتها يتحشرج بشدة..


*****************************************


" يا الله يأبيك تجهز.. الليلة متأخر طيارتنا.. وبكرة الصبح حن في الدوحة إن شاء الله"
تميم يهز رأسه موافقا ثم يشير بهدوء: خلنا نروح نسلم على عبدالجبار أنا شريت له شال صوف كشميري.. مالقيت عندهم شيء ينفع له غيره
المرة الجاية بأجيب له بشت صوف زين من الدوحة..
أبو عبدالرحمن لم يفهم جيدا ما أشار له به تميم فأعاد تميم الإشارة بطريقة أكثر تبسيطا.. حينها ابتسم أبو عبدالرحمن:
تدري إني قد جبت له فوق ست بشوت..
يبتسم تميم ويشير: ماعليه بشت زيادة مايضر.. مشتهي أجيب له شيء غالي
قلبي موجعني عليه الله يجبر كسره


****************************************


" عبدالرحمن ليش ماوديت حسون.. أنا وعدته أنك بتوديه
وقد حن الحين عقب صلاة العشا وأنت ما وديته
لو علي ودي إنه مايروح.. بس جنني.. وأنت كل ماقلت لك تهربت مني"
عبدالرحمن يجيبها بتأثر: وش أقول لش يا جوزا...ما أقدر أوديه.. أم صالح جاتها جلطة اليوم العصر.. وفي المستشفى.. والعرب حالتهم حالة..
جوزاء تفجر جزعها صاخبا وحقيقيا: وتوك تعلمني.. ولو ما سألتك كان ما قلت لي بعد..
عبدالرحمن بسكون متأثر: يعني تبين أبشرش بالخبر..
جوزاء بغضب: إلا المفروض أول مادريت بالخبر أنك جيت وقلت لي
أم صالح أعتبرها عدت أمي.. وكان لازم أطل عليها على الأقل.. وأشوف لو عالية تبي شيء
عبدالرحمن بحنان: خلاص يالغالية.. بكرة أوديش...
جوزاء بتصميم: وش بكرته؟؟ ودني الحين.. لازم أتطمن عليها بنفسي.. والحين


*****************************************


" عبدالله ما أقدر أخليك تطلع فوق"
عبدالله بغضب كاسح: وليش أنا ما أقدر أشوفها.. كلكم شوفتوها.. وانا لا..
مهوب كفاية إن اللي جاها جاها من سبتي.. وحتى شوفتها بتحرموني منها
خافوا ربكم فيني..
قلتو لي انتظر شوي.. انتظرت.. أكثر من كذا ما أقدر.. حس فيني يا صالح
حاس أني بأموت.. مخنوق ياناس...
صالح بحزم: ابي موجود عندها فوق.. وهو يقول ما يبي يشوفك.. ومحذرني أخليك تجي وهو موجود
انتظر شوي بعد.. لين يروح من عندها..
عبدالله يفتح باب السيارة ويستعد للنزول ويهتف بحزم بالغ: ما يبي يشوفني؟؟ خله يسكر عيونه..
مهوب رادني من شوفة أمي إلا الموت...


#أنفاس_قطر#
.
.
.

بين الأمس واليوم/ الجزء السادس والثلاثون



" عبدالله.. عبدالله.. عبدالله "
منذ بدأت تستعيد وعيها وهي لا تهمس بشيء عدا اسمه.. أنين..زفرات.. حسرات.. نزيف..
لم يكن مجرد اسم يُنادى.. كان شيئا فوق النداء وكل تصوارته..
لم تكن مجرد "أحرف" كونت "اسما" .. كانت أحرف "ألم" كونت "فجيعة"..
كانت روحها تذوب مع همسات الاسم الذي تنزفه روحها اشتياقا وفقدا.. الاسم الذي لا يرد عليها صاحبه..
" أين هو؟؟
ألم يقولوا أنه عاد من بعد الموت؟؟
ما باله لا يجبيني؟؟.. هل أصابكِ الجنون يا صافية؟؟
هل أصابكِ الخرف؟؟
هل تخيلتِ كل هذه الحكاية؟؟
الأموات لا يعودون.. لا يعودون"
ومع ذلك.. حتى وهي تظن أنها تخيلت ذلك.. لم تتوقف عن مناداته.. فالأمل أُطلق في قلبها.. اُطلق في قلب أم
" أنا رايح البيت.. خلوه يجيها"
هتف أبو صالح بحزم بذلك وهو يقف موجها الحديث للأربعة المتواجدين قريبا منه.. فهد وهزاع وعالية ونايف...
بينما كانت نجلاء تجلس في الزاوية ملتفة بعباءتها.. وغارقة في حزن شفاف لحال أم صالح.. وصدمة غامرة لعودة عبدالله..
عالية أمسكت بذراع والدها وهي تمسح وجهها الذي احمر لكثرة ماذرفت من دموع اليوم:
يبه وش ذا القسوة اللي عندك؟؟
ما تبي تشوف عبدالله؟؟ لو مهما كان اللي سواه مزعلك.. المسامح كريم
تكفى يبه.. عبدالله جاه ما كفاه.. تكفى تسامحه..
أبو صالح نفض يدها من يده بحدة.. بينما عالية تراجعت مذهولة من تصرف والدها الذي تعرفه مولعا بها لأبعد حد..
وهتف بحزم بالغ: ماحد منكم يتدخل في اللي ماله فيه شغل.. أخيكم بصركم فيه.. مارديتكم منه..
بس أنا ما حد منكم يهقى أنه بيمشي شوره علي
كان أبو صالح على وشك الخروج حينما تفاجئوا جميعا بالإعصار الذي اقتحم عليهم الغرفة وصالح يحاول اللحاق به..
عبدالله حينما اقتحم الغرفة لم يكن يبصر أي شيء فيها سوى المرأة المسجاة بالدثار الأبيض.. وقف للحظة وأنفاسه تعلو وتهبط بصوت مسموع..
وقف للحظة يملأ عينيه من محياها.. وكأنه يريد أن يعوض آلاف اللحظات التي مرت وهو يحلم بلثم هذا المحيا فلا يجد إلا سرابا
آلاف اللحظات التي مد يديه ليحتضنها فاحتضن خيالا شاردا مرا
آلاف اللحظات التي حلم فيها بعبق رائحتها ودفء أحضانها واختلاف حنانها.. فلم يجدا إلا صقيعا ومرارة وقسوة..
انتفض من أفكار الخيال ليغترف من الحقيقة.. لينكب على قدميها يقبلهما..
فتسقط غترته عند قدميها وهو يغمرها بقبلاته المشتاقة الموجوعة
وهي حينما شعرت بحرارة أنفاسه المختلفة على قدميها مدت يدها اليمين وهي تهمس بصوت مبحوح متقطع: عبدالله جيت؟؟
التقط يدها مقبلا مختنقا.. لينتقل لجبينها ووجهها وكتفيها وهو يهمس في أذنها باختناق:
جيت يالغالية.. جيت جعل يومي قبل يومش..
كذا تروعيني عليش.. توني ما كحلت عيني بشوفتش..
مدت يدها لتمسح خده وهي تهمس بصوت أثقلته العبرات.. صوت أرواه الحزن: صدق أنك عبدالله؟؟
عاود تناول كفها من خده لينثر في باطنها وظاهرها مزيدا من قبلاته المغرقة في الاشتياق والوجع
ثم نقل أنامله ليمسح قطرات انهمرت من عينيها: طالبش ما تبكين.. والله أني عبدالله.. جعل عبدالله فدا لخطاوي أرجيلش..
لم تستطع منع نفسها من البكاء: البكا يأمك قد بكيته وبكيته لين مل مني..
مدت يدها السليمة لتحتضن رأسه بارتعاش .. وتقربه هي منها لتطبع على خده قبلة واحدة مبللة بدموعها مثقلة بالنشيج والأنين..
تشعر أن كل هذا كثير عليها.. ابن يعود من خلف الموت بعد أن تجرعت طيلة سنوات ألم فقده
يعود بعد أن أشبعت الأيام بصدى بكائها الذي تردد في روحها ونخر عظامها كسوس لا يرحم..
يعود بعد أن ذوت الروح لفقده وهو عريس جديد ترك خلفه يتيما كلما رأته تجدد جرح قلبها الذي لا يندمل..
فترة مضت والاثنان على هذا الحال بين نشيج وأنين واحتضانات لم يشعرا فيهما بأحد..
رغم العيون العديدة التي احتضنت المشهد.. ورغم تعالي نشيج عالية بوضوح
وهناك شخص كان يقف.. كان سيغادر.. وأراد أن يغادر..
ولكنه رغما عنه.. وبقوة تفوق صلابته التي لطالما عُرف بأنها لا حد لها.. لم يستطع أن يغادر!!
قدماه مغروستان في الأرض.. وعيناه تنهشان بجوع مرير كل تفصيل صغير من تفاصيل العائد من خلف الغياب..
تفاصيل ربما لم يلحظها سواه.. جرح صغير غائر بقرب صدغه اليمين..
سمات مهابة متزايدة جللت وجهه الذي أُشبع من تفاصيل الحزن..
وما لاحظه سواه -وآلمه هو رغم الإنكار- شعيرات شيب تزايدت في عارضين كانا كسواد ليل بهيم..
" أكانت روحه تشيب كروحي؟!!
أ كان يشاركني حزنا لم نستطع إظهاره سوى ببياض شعيرات عكست سواد أيامنا؟!!
أ كان هذا البياض هو بياض أعين ذرفت الدموع حتى شاخت؟!!
أم هو وجع شق الروح وما استطاع الظهور سوى بشق طريقه بشعيرات بيضاء؟؟
لا.. لا.. هو ارتحل.. وهان عليه كل شيء..
ألقى بكل شيء خلفه.. وطنه وأهله.. وحتى سمعته
لم يهمه أي شيء..
وأنا كذلك لن يهمني أي شيء"
هكذا كان يفكر وهو ينظر لعبدالله وأمه ويذهب به التفكير فلا ينتبه أن عبدالله وقف واتجه ناحيته..
وقبل أن يتصرف كان عبدالله ينكب على يده مقبلا وهو يهتف برجاء عميق موجوع مستميت..
رجاء الهالك عطشا لقطرة الماء الأخيرة.. رجاء المختنق لنسمات الهواء المتبقية:
طالبك تسامحني.. أنا حاضر للي تبيه يبه.. بس سامحني جعلني فداك..طالبك
ارتعشت أعماقه حتى آخر خلية وهو يشعر بأنفاسه على يده.. ولكن هذه الرعشة لم تتجاوز الروح لبنية الطود العظيم وهو ينتزع يده بحدة..
ويترك الغرفة مغادرا دون أن يتفوه بكلمة..
عبدالله وقف يغتاله حزن عميق أفسد فرحة كانت بذاتها مبتورة من كل ناحية..
" أنت شغال أفلام هندية أول شيء مع أختي ثم مع نسيبي..
والخال المسكين ماله من الحب جانب.. وإلا عشاني صبي يتيم نسيتوني؟!!"
عبدالله يلتفت لنايف وابتسامة شفافة تتسلسل لروحه وهو يحتضنه بعمق دافئ شاسع: المنسي غيرك ياخال.. ماكثروا جداني الخوال عشان ننساك..
نايف بتأثر عميق: يوم قالوا لي أنك حي.. ماصدقت لين شفت بعيني.. الحمدلله على سلامتك..
وترا عشاك أول ما تشالى أم صالح عندي.. بأعزم هل الدوحة كلهم..
صالح مقاطعا: مالك لوا ياخال... حن نبي نسوي لعبدالله عشا كبير أول.. بس خل نضبط الأوضاع... وانت عقب بصرك أنت وإياه..
أم صالح قاطعت سيل الحلف الذي بدأ بين الأنهمار.. وهي تشير بيدها وتهمس بضعف: عبدالله تعال اقعد جنبي يأمك..
عبدالله سحب مقعدا وجلس جوارها وهو يحتضن يدها بين كفيه..
حينها همست نجلاء التي كانت تجلس في الزاوية البعيدة بصوت مبحوح بدا أثر البكاء فيه واضحا: الحمدلله على سلامتك يأبو حسن..
عبدالله دون يلتفت رد عليها بنبرة احترام أخوية عميقة: الله يسلمش يأم خالد.. بشريني منش..
بعد انتهاء السلامات المتأثرة فعلا بين الطرفين.. عاود عبدالله الانتباه بكل مشاعره مع أمه يحادثها حينا ويقبلها حينا.. وهي تستمع ودموعها تأبى التوقف..
بينما صالح أشار لنجلاء أن تخرج حتى يوصلها للبيت....
بعد حوالي ساعة..
فهد الذي أنهى اتصالا التفت للمتواجدين جميعا: يا الله يا شباب... خلونا نطلع عبدالرحمن جايب أم حسن تشوف أمي..
الشباب الثلاثة فهد وهزاع ونايف نهضوا بتلقائية ليغادروا وهم يسألون عالية إن كانت تحتاج أي شيء لها أو لوالدتها بما أنها هي من ستنام مع والدتها..
ولكن الشاب الرابع كانت مشاعره أبعد ما تكون عن التلقائية والعفوية..
كانت غاية في التعقيد والالتباس وهو يريد أن يخرج قبلهم.. لا يريد حتى أن يكون معها في نفس الطابق.. لن يحتمل إحساسه بقربها أبدا..
وأكثر ما يؤذيه في الصميم ويجرحه أنها أصبحت لرجل آخر وحتى تفكيره بها لا يحل له ولا يجوز..
ولكن والدته لم تسمح له بالمغادرة وهي تتشبث به بقوة.. عبدالله همس لها بحنان: يمه فكيني بأروح شوي وبأرجع عليش.. بتجيكم مرة..
أم صالح همست له برجاء عميق بصوتها المبحوح: يأمك مابه حد غريب.هذي أم ولدك..أحذفها بالسلام.. واكيد مهيب مبطية.. بتسلم وتروح..
طالبتك ماتروح...
عبدالله أشار لعالية بعينيه (أنقذيني).. عالية همست لأمها بحنان: يمه خلي عبدالله يروح لين تروح جوزا.. مهوب رايح مكان.. قريب منا.. وبيرجع علينا
عاجزين عن فهمها وهي عاجزة عن إطلاق إساره.. لم تطمئن روحها بعد أنه عاد إليها..فكيف يريدونها أن تتركه؟؟..
حتى يختفي مرة أخرى.. حتى لا يعود لها؟؟
همست حينها أم صالح بتصميم رغم إرهاق صوتها المنهك:
خلاص ما يبي يواجه جوزا.. كلميها تعذري منها وقولي لها ترجع يوم ثاني دامه يبي يفشلني..
عبدالله الليلة مهوب مفارقني شبر..
عالية بجزع: يمه وش أكلم جوزا وأقول لها لا تجي.. المرة صارت تحت.. وجايه متعنية ذا الحزة
عبدالله حينها هتف بحزم وهو يقبل يد أمه: ما يصير إلا اللي يرضيش.. أنا الليلة عندش ما أنا مفارقش مكان..
أم صالح شدت على يد عبدالله وهمست بألم عميق: تكفيني السنين اللي أنت فارقتني فيها.. مستكثر علي ذا الليلة؟؟
بعد دقائق كان باب الغرفة يُطرق بخفة..
جوزاء كانت متأكدة أن من مع أم صالح عالية وربما بعض شقيقاتها أو نجلاء.. لذا فتحت الباب ودخلت بهدوء لا يحركها سوى رغبتها الصادقة بالاطمئنان على أم صالح..
جوزاء رفعت طرف الشيلة عن عينيها حتى تنظر.. لتفجع بكل وحشية بالجالس جوار أمه..
تأخرت خطوة وكانت تتمنى لو تهرب ملايين الخطوات!!
تأخرت خطوة وهي تتمنى لو كان بينهما كل قارات العالم ومساحاته الشاسعة!!
تأخرت خطوة وهي تشعر أن جدران الغرفة تتقارب لتطبق على صدرها.. وتسحقه..
هو لم يرفع بصره مطلقا إليها.. رغم أنه روحه كانت تذوي وهي تطالبه بمجرد نظرة.. نظرة واحدة..
ولكنه لم يستجب وعيناه مثبتتان على يد والدته التي تمسك بيده..
وهي شعرت باختناق محرق وكأنها القيت وسط نار مستعرة عاجزة عن التنفس وأطرافها تذوب من حرارة النار والكراهية التي لا حدود لها..
إن كان هو لم ينظر.. فهي نظرت ونظرت ونظرت وهي تشعر بكراهيتها له تتجسد وتتجسد وتتجسد لتتحول إلى غول ضخم يوشك على الانقضاض والتدمير..
"مازال كما هو.. وسيما متفاخرا.. شعيرات بيضاء زادته وسامة وتفاخرا
بينما أنا ازددت بشاعة وقبحا
هو لم يتغير .. بينما أنا تحولت بفضله إلى مخلوق بشع شكلا ومضمونا"
ضمت قبضتها بقوة.. وأظافرها تنغرس في باطن كفها..كانت تود أن تصفعه وتصفعه وتصفعه حتى تطفئ بعضا من نيرانها المتأججة..
أو على الأقل أضعف الإيمان تمنت لو تهرب من هذا المكان الضيق الذي جمعهما..
ولكن بما أنها لا تستطيع فعل أحد الأمرين
فأقل ما تستطيعه أن تشعره أنه غير ذا أهمية بالنسبة لها.. وانه لم يحرك في داخلها أي ذرة إحساس.. لأنه مخلوق لا وجود له بالنسبة لها
مجرد هباء... هو لا شيء.. لا شيء أبدا..
كل هذا التفكير كان في مجرد ثوان.. وهي تشد لها نفسا عميقا بعده.. وتهمس بثقة غامرة وإن كانت مصطنعة : السلام عليكم..
عالية تقف لتسلم عليها وهي ترحب بها.. بينما جوزاء دارت من ناحية السرير الأخرى.. وقبلت كتف أم صالح..
لم تقترب من رأسها حتى تبتعد عنه قدر الإمكان..
وهمست لها من قرب: الحمد لله على سلامتش يمه.. خطاش الشر..جعلها سلامة طويلة يارب.. وأجر وعافية..
همست لها بصوت خافت.. همسات مزقت هذا الصامت المنحني بنظراته على يد والدته..
همساتها كانت قريبة.. دافئة.. حانية..
رغما عنه.. صبت في النقطة الأعمق في روحه لترتعش هذه الروح المرهقة..
سيجن شوقا لها ولهمساتها.. سيجن!!
"يا الله أي عاشق متيم مجنون أنا؟!
أ هكذا هو العشق بكل حالاته.. أم هذه حالة خاصة بي تلبستني شياطينها؟؟
حالة خاصة بي هي عقوبة رب العالمين لي على كل مافعلته!!"
همست لها أم صالح بضعف: الشر ما يجيش.. ما كان تعنيتي يامش ذا الحزة وخليتي حسن.. أنا مافيني إلا العافية
جوزاء همست بحياد وهي تبتعد لتقف بجوار عالية: حسن عند جدته وخالته.. وما أقدر أدري أنش تعبانة وما أجيش.. أنتي مع كل شيء صار أمي..
شددت النبر على عبارة (كل شيء صار) تشديدا لم يفهم مقصدها منه سواه..
همست أم صالح لعبدالله: سلّم على أم حسن يأبو حسن..
عبدالله هتف بهدوء يختلف عن أعاصير جوفه ودون أن يرفع بصره: أبيها تخلص سلام عليش أول..
مساش الله بالخير يأم حسن..
جوزاء تمنت ألا ترد عليه.. أن تخرج خارج المستشفى بكامله في هذه اللحظة.. ولكنها لم ترد أن تشعره بتأثيره المرعب عليها.. وإحساس مر بالكراهية والبعض والحقد يتصاعد في روحها حتى خنقها
(يسلم كنه ما سوى فيني شيء
يمسيني بالخير.. والخير ودعته مع شوفة وجهه)
ورغم كل مرارة مشاعرها المعقدة النارية..همست بهدوء يشابه هدوءه الملغوم: الله يمسيك بالنور.. والحمدلله على السلامة..
ما هقيت أن أمريكا تقوم حتى الميتين من قبورهم يأبو خالد ..
رغما أنها فلتت العبارة الأخيرة.. لم تستطع منعها..خصوصا وهي تشدد النبر على ختام العبارة.. وعلى (أبو خالد) وكأنه توصل له رسالة ما وهي تناديه بكنيته القديمة باسم والده.. وكأنها تريد إبعاده عن ابنها.. فهو لا يستحق أن يكنى بأبي حسن.. لأن حسن ابنها هي!!
وماهمها في الموضوع هما أم صالح وعالية فقط.. وخصوصا أن الاستياء ظهر في وجيهما واضحا
عبدالله أجابها ببرود: الله سبحانه إذا بغى رد الميتين.. ورد حقوقهم عليهم بعد..يأم حسن
هذه المرة هو من قصد أن يوصل لها رسالة واضحة.. وصلت لها بكامل الوضوح لترتعش رغما عنها
(الحيوان النذل.. يهددني بولدي... الحين صار له حقوق عندي..
لو أدري إنه عند أمه.. والله ما أجي)
جوزاء مالت على أذن أم صالح وهمست لها بخفوت شديد فلم يسمع صوتها سواها.. همست لها ببضع عبارات.. ثم سلمت على عالية وغادرت..
حينما غادرت همست عالية بضيق: ما تخلي طبعها الشين.. هي وقط الكلام على غير سنع..
همست لها أم صالح بحزم رغم ضعفها: أنتي آخر من يتكلم عن قط الكلام على غير سنع.. وجوزا ما تجيبين طاريها إلا بالزينة..
يوم بغيت أموت عقب خبر عبدالله.. ماحد قام بي غيرها... والله لو أنتي اللي عندي ما تسوين سواتها.. وجميلها فوق رأسي لين أموت..
عالية تقف لتقبل جبين والدتها وتهمس بعمق: وأنتي تدرين زين أني عمري ما عتبت على كلمة تقولها..
بالعكس أشوف أحيانا إن كلمتها اللي تقطها كلمة حق.. وأنا عمري ما كرهت الحق
لكن هي شايفتنا فرحانين برجعة عبدالله.. مالها سنع ذا الكلمة.. كان كتمتها في نفسها..
" يمه هي وش قالت لش يوم جات تطلع؟؟" عبدالله الغارق في أفكاره قاطع الجدل الدائر بتساؤله..
همست أم صالح بحزم بصوتها المنهك: كلام مالك فيه لزوم..
عبدالله برجاء: هي أمنتش ما تقولينه؟؟..
أم صالح باستغراب من سؤاله: لا..
عبدالله برجاء حازم: زين أنا أمنتش بالله تقولينه لي..
حينها أشارت له أن يقترب منها وهمست في أذنه بتأثر وهي تشد على يده: قالت لي يمه لا تزعلين مني طالبتش.. ما قصدت أحزنش.. بس أنا مجروحة منه.. مجروحة منه واجد..


***********************************


" يبه.. أبي أشورك في سالفة؟؟"

أبو غانم يلتفت لغانم: قول.. وش عندك؟؟
غانم يهتف بهدوء مدروس: عشان الرجّال اللي قلت لك عنه أنت وعمي
اللي يشبه عبدالله
أبو غانم بتوجس: وش فيه؟؟
غانم بذات الهدوء المدروس: أنا قلت عند عمي يشبه عبدالله.. بس لك أقول أني متأكد إنه عبدالله..
أبو غانم صمت لثانية ثم همس بنفس مبحوح والعبارة تتقطع: متأكد يأبيك؟؟
غانم بثقة: متأكد مية في المية..
أبو غانم شعر بألم عميق في قلبه والصدمة تثقل عليه بشفافية مذهلة.. ليهتف بعدها بسعادة حازمة:
أجل رحلتك اللي بتروح فيها احجز لي معك...أبي أشوفه بعيني..
حينها ابتسم غانم وهو يرتاح لتقبل والده للأمر ويربت على يد والده ويهتف بمودة دافئة: أجل قم أنا وإياك نتحمد لام صالح السلامة ونشوفه عندها..


************************************


" يبه أقدر أدخل؟؟"
صوت صالح يرتفع من خلال الباب الموارب.. ليرد عليه والده بصوته الحازم الذي يتبدى في ثناياه إرهاق عميق: تعال يأبو خالد..
صالح دخل بهدوء ليجلس بجوار والده الذي كان يجلس على طرف سريره.. هتف أبو صالح بحزم قبل أن يتكلم صالح: شوف عندك حكي غير أخيك قوله.. ماعندك توكل على الله..
صالح برجاء عميق: يبه ما يصير كذا.. موضوع مثل مثل ذا ما ينوخذ بالعصبية.. لازم تأخذ وتعطي فيه..
أبو صالح بنفس الحزم: صالح اقصر الحكي.. وتوكل على الله
صالح بنبرة رجاء أعمق: يبه شوف أمي وش صار لها.. هذي الحمدلله عدت على خير.. بس الدكتور يقول إنها ماراح تحمل جلطة ثانية
حينها شعر رغم عنه بالألم.. فهذه شريكة العمر كله: وأمك ما رديتها منه.. تشوفه مثل ما تبي.. بس أنا ماني بمجبور..
صالح يعلم أن والدته ستشكل نقطة ضغط قوية: زين يبه.. ويوم تشوفك طارد ولدها ومانعه من البيت ظنك إن ذا الشيء مهوب مأثر على صحتها..
أبو صالح بنبرة قاطعة.. لا يريد أن يتحدث.. متعب أكثر منهم جميعا: صالح قم عاد النفس عليك طيبة... فارقني في السعة..
صالح تنهد وهو يقف ويخرج ليغلق الباب خلفه ويترك خلفه هما كالجبال يُطبق على روح الشيخ المغموسة في حتى نهاياتها في هم مصفى
لا يستطيع انتزاع صورته اليوم من باله.. وهو مثقل بوجع الغربة ويبدو كما لو كان كبر سنوات كثيرة
كان الهم يتجلى واضحا من كل تقاطيعه.. لا يستطيع انتزاع هذه الصورة من خياله.. لا يستطيع!!
.
.
حين دخل صالح غرفته وجد نجلاء تصلي..ألقى غترته وجلس على الأريكة وهو يغمض عينيه ويسند رأسه للخلف..
بعد دقائق شعر بأناملها الحانية الناعمة تدلك جانبي رأسه.. وهمسها الرقيق : هونها تهون يأبو خالد..
رد عليها بصوت مرهق: تعبان يا نجلا.. تعبان.. كل شيء حاسه يضغط علي.. ابي وامي وعبدالله ومشاكل كل واحد منهم.. تعب امي وزعل ابي ومشاكل عبدالله الكثيرة
حاس اني بين نارين.. وخايف من كل خطوة لا يكون تأثيرها عكس اللي أبيه..
غلطت يوم علمت إبي برجعة عبدالله لأنه راح وصدم أمي..
حاس أن الذنب ذنبي...
نجلاء تحاول تطمين روحه بصوتها الهادئ العميق: لا تحمل نفسك كل شيء يا قلبي
صدقني عمتي لو درت بالخبر بأي طريقة كانت بتتعب... الموضوع مهوب بسيط
هذي رجعة واحد ميت... أنا كان بيجني سكتة يوم دريت... أشلون أمه وهي مرة كبيرة مثلها ومريضة..
صالح بضيق عميق: بس بعد أنا المسؤول.. كان المفروض انتظرت كم يوم وأنا أمهد لها قبل أقول لأبي..
لو أمي صار لها شيء بعيد الشر عنها.. كان عمري كله ماسامحت نفسي


**************************************


" الحين أبي أدري وش فيش... من يوم جيتي من المستشفى وأنتي في بكية وحدة"
جوزاء لم تجبها وهي مستمرة في بكاء عميق خافت مثقل بالأنين والوجع
شعاع همست باصرار: والله ان قد تقولين لي وإلا والله لأزعل عليش
جوزاء من بين أناتها الممزقة: شفته .. شفته عند أمه... حسيت شريط حياتي الأسود كله يمر علي في لحظة..
لا ويهددني بعد يأخذ ولدي...
شعاع شهقت: شفتي عبدالله؟؟
جوزاء بنبرة كراهية خالصة: شفته الله يأخذه.. الله يأخذه.. الله ينتقم منه.. مستحيل يرتاح وأنا باقي فيني روح ماذبحها..
ثم أردفت بألم عميق عميق: اللهم لا اعتراض بس ليه الدنيا عاكست معي كذا.. بكرة بأتطلق.. واليوم شفت الزفت وهددني يأخذ ولدي مني
أنا قاعدة احترق الحين ياشعاع.. احترق.. حاسة إن روحي تحترق وجسمي يحترق..
حاسة بوجع في كل مكان فيني... حاسة عروقي مولعة وراسي بينفجر..
شعاع مدت يدها بخفة ولمست جبين جوزاء المحمر.. أرجعت يدها بجزع: جوزا أنتي مولعة صدق..
قومي البسي عباتش.. بأخلي عبدالرحمن يودينا المستشفى..
جوزاء بغضب: وعبدالرحمن لين متى مبتلش فيني.. ما أبي مستشفى.. اللي فيني ما يعالجه دكتور.. ما يعالجه إلا عبدالله يموت وإلا أنا أموت وأرتاح
شعاع بجزع: بسم الله عليش .. وش ذا الطاري..
جوزاء سحبت نفسها ودفنت وجهها في حجر شعاع وهي تحتضن نفسها بذراعيها وتئن:
اللهم أني استغفرك وأتوب إليك.. بس والله أني في ذا اللحظة أتمنى أموت.. خايفة من اللي بيجي كله..
وخايفة من عبدالله يأخذ ولدي.. حتى لو ماخذه جسم.. خايفة يأخذه روح.. خايفة حسن يحبه أكثر مني..
أنا من غير حسن ومحبته مالي في الدنيا حاجة.. مالي فيها حاجة...
شعاع بدأت دموعها تسيل على حال أختها وهي تمرر أناملها بحنو في خصلات شعرها وهي تقرأ عليها آيات من القرآن الكريم حتى هدأت وغفت..
حينها انسحبت بهدوء وهي تعدل وضعها ووضع حسن وتغطيهما ثم تخرج متوجهة لغرفة عبدالرحمن..الذي كان في لحظتها عائدا من المجلس..
عبدالرحمن هتف لشعاع باهتمام: ها وش علومها الحين؟؟
شعاع بألم : تعبانة ياعبدالرحمن.. تعبانة واجد.. أنا خايفة عليها.. تكفى عبدالرحمن إبي خلاص بيوصل بكرة الصبح من سفرته...

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات