رواية بين الامس واليوم -70
أعتقد أن معرفتي فيك قبل ذا الساعتين..
وبعدين ترا فيه فرق بين الواحد يفتح روحه للثاني.. وبين لمسات ما تتجاوز الجسد للروح..
كساب بعدم اهتمام: وترا أحيانا تكون اللمسة رسول للروح..
كاسرة أسندت رأسها للخلف وهتفت بثقة مغلفة بالعمق:
ما أعتقد إن حن وصلنا لذا المرحلة..
تدري يا كساب أنت مثل اللي واقف قدام باب.. الباب مفتاحه معلق فيه..
لكن أنت ماتبي تستخدم المفتاح وتبي تكسر الباب..
*************************************
"وش اللي شاغلك كذا؟؟"
عبدالله يلتفت لصالح الجالس جواره في مكان حفل زواج كساب وهو يهتف بتأثر:
حاس أني ضغطت على إبي واجد وهو قاعد يتلقى تهاني الناس برجعتي..
لدرجة أنه ماقعد.. رجع بعد العشا على طول..
صالح بطبيعية: عبدالله.. إبي ماعاد يحتمل صلبة القعدة في الأعراس..
ترا بالعادة يسلم ويروح ما يقعد للعشا.. ولولا إن زايد حلف عليه يقعد للعشاء وإلا ماكان قعد أصلا..
عبدالله يمسح جبينه ويهمس لصالح بتعب: الحين يا صالح إبي زعلان علي وما يكلمني.. وأنا ما أقدر أقعد على ذا الحال
لازم يرضى علي.. بس عشان يرضى لازم بيسألني ليه سويت ذا كله
خايف لو قلت له عمره ما يسامحني.. وفي نفس الوقت مستحيل أكذب عليه مرة ثانية..
صالح ربت على فخذ عبدالله وهمس بحميمية: توكل على الله وقل له.. مهما كان هو أب.. بيحس بوجيعتك على ولدك..
أكيد هو بيعاتبك واجد.. بس إن شاء الله إنه بيرضى..
.
.
في زاوية أخرى من الحفل نفسه
" ماشاء الله ياحضرة العقيد.. صراحة حفل ما شفت مثله.. اشتهيت أعرس"
منصور يبتسم بفخامة: خلاص بأزوجك بنتي..
فهد يبتسم: إذا بتزوجني.. مستعد أنتظرها.. بس خاف أتناها وعقبه بنتك تقول إني شيبة وما تبيني..
منصور يبتسم: قل قولها.. ماعندنا بنات يعصون الشور..
وبعدين وش شيبته ؟؟ بازوجك إياها عمرها 20 وأنت توك 48 شباب....
فهد يضحك: أما توي 48 كثر منها...وهي 20 ..يعني كبر بنتي..
حينها هتف منصور بنبرة مقصودة: زين قبل العرس.. منت مشتهي تعلق النجمة الثالثة؟؟..
فهد يرد عليه بنبرة مقصودة مشابهة: زين خلنا ناخذ دورة المظليين وعقبه نعلقها..
ابتسم منصور وهتف بذات النبرة المقصودة: زين جهز مظلتك قريب...
.
.
"صدق أنت مسافر بكرة؟؟"
زايد يلتفت لعلي ويهتف بهدوء: إيه بأروح لجميلة.. طيارتنا بكرة في الليل..
بس أبغيك يأبيك تمر على مشروع البرج الجديد.. فيه تنبيهات كنت معطيها المهندس وأبيك تشوفه لو نفذها..
علي يتنفس الصعداء.. مستعد أن يقوم بكل أعماله هنا.. ولا يرسله إلى هناك..
هتف بمودة ممزوجة بالاحترام: أبشر يبه.. بس عطني التفاصيل ومايصير خاطرك إلا طيب..
حينها هتف زايد بأمر لطيف لكن بنبرته الحازمة التلقائية:
زين يأبيك قم شوف الرياجيل اللي في الزواية تيك
دارت عليهم القهوة مرة ثانية وإلا لا عقب العشا
إسأل المقهويين ونبه عليهم إن القهوة ماتوقف أبد..
.
.
"عبدالرحمن يأبيك.. أنا باروح أرجع تميم لبيته
المسكين تملل من القعدة وتعب.. وهو حالته حالة مع جبس إيديه"
عبدالرحمن بمودة: زين يبه أنا بأكفيك وارجعه..
أبو عبدالرحمن برفض: لا جعلني الأول.. أنت روح جيب أمك وخواتك من العرس..
عبدالرحمن بإصرار: خلاص بأرجع تميم للبيت وعقب باروح أجيب أمي والبنات
أبو عبدالرحمن بإصرار أكبر: يكفيك مشوار واحد..
****************************************
"يمه.. خلاص نبي نمشي"
شعاع برجاء: جوزا تو الناس.. وهذا حسون معش.. ليه مستعجلة؟؟..
جوزاء بذبول: تعبانة شعاع أبي أروح..
أم عبدالرحمن بمودة: اقعدي يأمش بس شوي.. ونروح كلنا..
جوزاء هزت رأسها رغم عدم اقتناعها وهي تلتفت لتسقي حسن الجالس جوارها بعض العصير.. بينما شعاع تهمس بحماس:
خاطري أعرف أخت المعرس وين مسوية فستانها.. خرافي...
عشان أنا بعد يوم عرس عبدالرحمن أبي أسوي لي شيء ما انعمل مثله
هيييه جوزا.. أنا أكلمش!!
جوزاء بعدم انتباه: هاه وش تقولين.. ما انتبهت..
شعاع تبتسم: لا منتي بمعنا..
ثم أردفت بخفوت باسم : يالله قولي لي كاسرة وش قالت لش؟؟..
جوزاء بذات النبرة الذابلة: شعاع لا تصيرين لحوحة... قلت لش في البيت..
.
.
.
" "خالتي بس اقعدي.. ذبحتي نفسش وانتي تلفين"
عفراء تبتسم رغم إرهاقها: لازم أدور على الطاولات وأرحب بالنسوان وأشوف إذا تقههوا..
مزون تبتسم وهي تشدها لتجلس: خالتي كفاية وقفتش ساعتين ونص تستقبلين عند الباب..
لا تنسين زايد الصغير.. تبين عمي منصور يرفع علينا قضية..
عفراء تبتسم: زايد الصغير ماعليه إلا العافية.. لا نطيت ولا رقصت..
حينها هتفت مزون بحذر: خالتي لو ماقدرت أمرش بكرة قبل أروح المطار.. تبين شيء؟؟
تغير وجه عفراء وهي تحاول أن تهمس بطبيعية: لا سلامتش..
ثم لم تستطع منع صوتها من الإنحدار وهي تردف بتأثر:
بس.. بس طالبتش.. قولي لأبو كساب يوصي خليفة عليها..
ويوصيه يوسع خاطره عليها..
.
.
.
" يمه فديتش خلاص خلينا نمشي"
مزنة تلتفت لوضحى التي بدأ أثر الدموع يفسد زينتها وتهمس لها بحنان مخلوط بالحزم:
يامش ما يصير.. يقولون بنتهم راحت.. قاموا وخلو العرس
انتظري شوي
وضحى بصوت مختنق: يمه تميم أكيد ماراح يتأخر..الحين يبي حد يعشيه.. خبرش أكيد ما تعشى.. وأنا اللي أأكله بنفسي
غير أني يمه خلاص خاطري ضايق وابي أروح البيت..
مزنة تدفن تأثرها المتعاظم في ذاتها وتهمس بحزم: ساعة يامش ونمشي..
" لا تثقلي علي ياصغيرتي!!
أعلم أنك حزينة لفراق شقيقتك
فكيف بي؟!!
ستة وعشرون عاما.. لم تمر ليلة واحدة لم أروِ عيني من رؤيتها
لم تمر ليلة واحدة لم اسمي باسم الله عليها
لم تمر ليلة واحدة لم أنادي فيها اسمها عشرات المرات
ومؤخرا لم تمر ليلة لم نتجادل فيها ونتحادث ونتخاصم ونتصالح
لا أطمئن حتى أرى صفاء ضحكتها ولمعة عينيها
مثلها مثلكم جميعا ياصغيرتي!!"
عاد العريسان المحلقان للغرق في الصمت..
بعد أن جاءت المضيفة لتحمل الكعكة التي لم يتناولا منها شيئا ومن بعده العشاء الذي رفضاه أساسا
وهي تستغرب (أي عريسين غريبي الأطوار هذين.!!)
كلاهما غارق في عالمه الخاص.. كساب في كتابه.. وكاسرة في أفكارها..
وقفت كاسرة.. ليهمس لها كساب ودون أن يرفع نظره عن سطور الكتاب متسائلا بنبرة حازمة: وين؟؟
كاسرة بنبرة لا تخلو من تهكم: يعني وين بأروح هنا في الطيارة؟؟ بأروح الحمام..
كساب لم يرد عليها.. بينما كاسرة توجهت للحمام لكي تمسح زينتها التي لم تجد وقتا لمسحها..
وهي تستغرب من تصرفات هذا الرجل الذي غرق في البرود بينما كان قبل ساعات يشتعل..
لم يُسمعها كلمة حلوة واحدة.. لم يتبادل معها الحديث ليتعرف عليها أكثر كما يحدث مع كل المتزوجين الجدد..
"هل هو فقط ينتظر اختلائه بها وهذا هو كل ما يهمه؟!"
آلمها هذا التفكير كثيرا..
لا تستنكره من كساب..
ولكنها كعروس.. ومهما يكن.. ورغم تفكيرها الواقعي.. حلمت بشيء آخر أكثر عاطفية ومثالية..
كاسرة تنهدت وهي تمسح وجهها الندي وتنظر في المرآة:
على قولت الشوام يذوب الثلج ويبان المرج ونشوف اللي ورا ذا الكساب
حينما عادت وجلست..
همس كساب ببرود حازم ودون أن ينظر ناحيتها: إذا سألتش عن شيء تجاوبين من غير استخفاف للدم..
كاسرة بثقة: المهم الجواب وصلك..
كساب بحزم : أحيانا أسلوب وصول الرد أهم من الرد نفسه..
كاسرة بنبرة مقصودة: وهذا الشيء ممكن ينطبق على كل شيء؟؟
حينها التفت لها كساب لينظر لها ببرود: كل شيء
كاسرة بذات النبرة المقصودة: زين أحتفظ بذا المعلومة يمكن تفيدني بعدين..
حينها سألها كساب بنبرة حازمة لا تخلو من الخبث: أنتي دايما كذا تحبين ترسمين لنفسش صورة الذكية..؟؟
حينها أجابته كاسرة بهدوء وهي تشبك أصابعها أمامها:
مثل منت تحب ترسم لنفسك صورة الغامض اللي ماحد يعرف وش اللي وراه..
حينها أجابها بنبرة لا تخلو من التهكم: يمكن لأني قريت مرة في كتاب غبي إن المرأة تحب الرجل الغامض..
ردت عليه بنبرة تهكم: على قولتك.. كتاب غبي..وعطاك معلومة غبية ماراح تفيدك بشيء..
نظر لها وأردف بنبرة عميقة مقصودة لا تخلو من غرور واثق: أنتي متأكدة إنها مافادتني؟!!
لم ينتظر ردها وهو يعود لتجاهلها وليقرأ الكتاب الذي كان يقرأ فيه..
أو يدعي قراءته!!!
بينما كان تفكيره اليوم يأخذه للأمس.. الأمس القريب جدا .. والبعيد جدا!!
.
.
قبل أسبوعين
"عمي أبي أسألك عن شيء وتجاوبني بصراحة"
منصور ينظر لكساب من تحت أهدابه وهو يهتف ببرود حازم:
وليه خايف منك ياولد عشان أدس عليك؟!
من متى وأنا ألف وأدور في أي سالفة.. خلصني وش تبي؟؟
كساب بتساؤل حازم: أبي أعرف يوم إبي كان يبي أم مرتي.. ليه ما تزوجها قبل مايتزوج أمي؟؟..
منصور ابتسم ثم هتف بهدوء واثق: خطبها بدل المرة مرتين.. بس هي مارضت..
أبيك ماتزوج إلا عقب ماعيت منه للمرة الثانية..
كساب بذات التساؤل الحازم: وليه مارضت فيه؟؟..
يعني اللي خذتهم ما اشوف فيهم حد أحسن من ابي.. الله يرحمهم جميع ويبيح منهم..
منصور هز كتفيه بثقة: يمكن لأن إبيك كان ميت عليها..
أم امهاب أنا أذكرها وحن صغار.. بيني وبينها سنة وحدة بس وكنا نلعب سوا..
كانت شخصيتها قوية ولسانها طويل.. وياويل اللي يدوس لها طرف.. بتخليه مايسوى بيزة..
كساب بثقة: بس مهما كانت شخصيتها قوية.. ماظنتي إن شخصيتها أقوى من شخصية ابي..
منصور ابتسم: لا تنسى ابيك وقتها كان صغير وكان يموت عليها من اقصاه..
يعني هي اللي كانت في موقع قوة..
حينها صرَّ كساب عينيه وهتف بحزم بالغ: الحين نجي للمهم..
أمي درت بشيء عقب؟؟
كيفه هو يحب اللي يبي قبل ما يأخذ أمي.. بس عقب ماخذها خلاص.. مفروض يدفن حبه في قلبه..ويحترم المرة اللي صارت أم عياله..
منصور بحزم مشابه: عاد في هذي لا تبهت ابيك.. عمري ماشفت رجّال يحترم مرته ويعزها مثل ماكان زايد يعز وسمية الله يرحمها..
وأنت بنفسك تذكر وش اللي صار له يوم ماتت أمك.. كان بيموت من الحزن عليها..
كساب شدَّ له نفسا عميقا ثم هتف بتصميم مرعب:
والله ثم والله لأدري إن أمي درت بشيء أو تضايقت في حياتها من ذا السالفة
إني لأقلب الدنيا عاليها سالفها..
وإن يصير شيء مستحيل حد منكم يتوقعه..
.
.
قبل خمسة عشر عاما
" هيييييه ياجماعة الخير.. يبه جابر.. أنا كساب بن زايد"
كان صوت كساب الصغير يتعالى أمام باب المجلس الخارجي بعد ان خطا نصف خطوة للداخل..
هتف الجد جابر بصوت مرتفع قدر ما استطاع: كسّاب تعال يأبيك..
كساب برفض: يبه خل هلك يفضون الدرب أول..
الجد جابر ابتسم وهو ينظر لكاسرة الصغيرة التي كانت تسكب له القهوة وحجابها مشدود حول وجهها:
كاسرة يأبيش روحي داخل..
كاسرة تنظر لكسّاب الواقف وعيناه في الأرض وتهتف بتلقائية:
وليه أروح؟؟.. إذا جاووك رياجيل رحت..
حينها هتف كساب بغضب ودون أن يرفع بصره: وليه وش أنتي شايفة قدامش يابنت؟؟
كاسرة بنبرة عدم اهتمام وهي تنظر له بشكل مباشر: بــزر !!..
الجد هتف بغضب: كاسرة أقول روحي داخل..
كاسرة خرجت واتجهت لداخل البيت..
بينما كسّاب توجه للداخل وهو يشعر بغضب عميق يتصاعد في روحه الصغيرة على طويلة اللسان التي قللت من رجولته التي لا يرضى أن تمس..
مال ليقبل رأس الجد.. وهو يهتف بنبرة ضيق: يبه.. ابي يسلم عليك ومرسل لك ذا العود ..
كان بيجيبه بنفسه بس جاه شغل.. فأرسلني..
الجد ابتسم: ياحيا الله الراسل والمرسول.. ياحيا الله الشيخ كساب..
وينك يأبيك ماعاد شفتك..؟؟
ماعاد شفت إلا علي هو اللي ياتي مع ابيه
وأنت مانشوفك إلا من العيد للعيد.. حتى العيد اللي فات ماشفتك
كساب بذات نبرة الضيق: السموحة يبه.. لاهي في دراستي وأدرس أختي بعد..
الجد جابر بمودة: الله لا يفرقكم... وجعل بطن(ن) جابتكم الجنة
والحين قل لي وش فيك يأبيك كنك ضايق؟؟..
كساب بذات نبرة ضيق: يبه.. يرضيك إن بنتكم تقول علي أنا بزر..
الجد ابتسم وهو يلمس خد كساب حيث أثر عضة كاسرة التي بدت واضحة لنظره الضعيف من هذا القرب:
علومها شينة ذا البنت من صغرها.. بأزوجك إياها وأخليك تأدبها على كل اللي هي سوت أول وتالي..
حينها هتف كساب بغيظ: أنا لو خذت بنتك ذي.. أول شيء بأسويه بأغير اسمها ثم أكسر رأسها..
الجد ضحك: لا يأبيك لا.. بنتي ذي مهرة.. تعسف بس ماتكسر..
.
.
ينظر للكتاب أمامه..
يتشاغل به.. بينما هو مشغول حتى النخاع بمن تجلس كملكة متوجة جواره..
" تعسف بس ماتكسر..
تعسف بس ماتكسر..
تعسف بس ماتكسر.. "
وكم هو ضئيل الفرق بينهما !!..
كم هو ضئيل!!!
************************************
" شأخبارك الليلة؟؟ عسى منت بتعبان؟؟"
أشارت بعد أن وضعت صينية العشاء جانبا..
هز رأسه بإشارة لا.. بينما وضحى اقتربت لتطعمه.. بعد لحظات رفض تميم أن يأكل..
أشارت له : اشفيك؟؟ ما كلت شيء
أخذ يغمض عينيه ويفتحهما.. بدايةً لم تفهمه..
ثم بعد ذلك استوعبت أنه يقصدها.. فدموعها كانت تنهمر بغزارة ودون أن تشعر..
فذهنها كان شاردا وهي تطعم تميم .. كانت تشعر بضيق عميق يطبق على روحها وهي تشعر أن البيت خال من رائحة شقيقتها..
أشارت له بألم: عطني بس يومين لين أتعود على فكرة أنه خلتنا خلاص..
لم يستطع أن يشر لها بشيء وإن كان في داخله متأثر أشد التأثر من حالة وضحى.. عدا عن تأثره الخاص به ..
قد يكون هو شخصيا أكثر ارتباطا بوضحى..
ولكن كاسرة شقيقته وتربطه بكل أخوته علاقة خاصة حرصت والدته على تغذيتها وتقويتها..
ومن ناحية أخرى حالته التي يعانيها جعلته أكثر حساسية..
يداه كلتاهما في الجبس.. وهو يفقد تواصله مع العالم
وموعد زواجه يقترب مع تحسسه المتزايد من زوجته المستقبلية..
مثقلة روحه الشفافة بكثير من الهموم التي لا يستطيع التعبير عنها بأي طريقة..
يجد نفسه غارقا في الهم وملجما في ذات الوقت عن التعبير عن همومه وأوجاعه سوى بالتفكير فيها..
التفكير الذي يزيده هما فوق همه..
لو أنه كان قادرا على العمل فقط ..كان دفن وجع أفكاره في العمل..
وتشاغل بعمله عن كل ما يؤلمه ويجرح مشاعره ورجولته وحتى إنسانيته!!
ولكن الآن ليس له إلا الصبر والدعاء........ والاحتراق بأفكاره وشكوكه حتى نخاع النخاع!!..
**********************************
" مابغيتوا تخلصون؟؟"
همست عفراء بإرهاق وهي تغلق بابها: خبرك لازم حن آخر حد يطلع من العرس..
منصور يحرك سيارته ويهتف بمودة: عسى ما تعبتي حبيبتي؟؟
عفراء بذات الصوت المرهق: شوي بس
ثم أردفت بابتسامة: بس يستاهل التعب ياقلب خالته.. جعلني أفرح بعياله فديته..
منصور يبتسم: شكلي بأغار من كساب الخايس.. الحين هو راح مع عروسه وقاعدة تفدين به.. وانا ماحد عبرني
عفراء تبتسم: الغلا لك يأبو زايد..
منصور بابتسامة فخمة: لي الغلا؟؟ خافه كلام بس؟؟..
عفراء بمودة: أفا عليك يأبو زايد الكلام لغيرك..
منصور مد يده ليحتضن كفها بقوة وهو يهمس بحنان: جد حبيبتي ماتعبتي؟؟
عفراء برقة: والله العظيم أني زينة.. وانت انتبه للطريق الله يخليك..وتمهل وأنت تسوق..
منصور يكف يده ويثبت يداه على المقود وهو ينظر للامام ويهتف بابتسامة:
حاضر.. مع أني أبي أطير.. عشان أشوف كشخة أم زايد..
أكيد كنتي أحلى وحدة في العرس
عفراء ابتسمت بعذوبة: يهمني أصير أحلى وحدة في عينك وبس..
منصور بفخامة: هذا شيء مافيه شك!! أحلى وحدة في عيني وقلبي وروحي
الله لا يحرمني منش بس!!
*****************************
حطت الطائرة بعد انتهاء رحلة العريسين الغريبة المثقلة بالصمت والتجاهل..
عدا الحوارين الحادين اليتيمين اللذين دارا بينهما!!
بعد إنهاء الإجراءات في مطار جنيف وخروجهما للسيارة التي كانت تنتظرهما
كاد كساب يمزق ملابسه أو يعود للدوحة مشيا حتى يصفع عليا.. وغضب شديد عارم يتفجر في روحه..
كانت تنتظرهما سيارة ليموزين سوداء طويلة جدا مزينة بالورد..
وكان العدد القليل من المارة الذاهبين لعملهم في ذلك الوقت المبكر يقفون لتحية العريسين..
بينما كانت كاسرة بالفعل تستغرب أن هناك شابا قد تخطر له هذه الأفكار البالغة الرومانسية
(يالله خلنا ننبسط باللي علي يسويه.. الله لا يحرمنا منك..
لولاك يمكن كساب وداني الأوتيل مشي وأنا شايلة شناطي!!)
ولكن هذه الأماني المرحة انهارت وكساب يتصل بعلي لأنه لا يمكن أن يحتمل المزيد..
فور أن رد علي بصوته الناعس انفجر فيه كساب بغضب:
شوف علي يأما أنك تعطيني برنامج السخافات اللي أنت مسويها
وإلا والله لأروح أحجز في فندق ثاني.. وخل برنامجك كله لك..
أنا مستحيل أخليك تمشيني على كيفك عقب خبالك اللي أنا شفته
علي حينها طار النوم من عينيه وهو يهتف بابتسامة ودودة:
أفا العريس زعلان.. ياخي ريح أعصابك.. ليه ذا العصبية؟؟
كساب بغضب عارم: عاجبك سواتك فيني.. وش ذا السخافة؟؟
كفاية سيارة المهرجين اللي أنت مرسلها تستقبلنا..
والله لا يصير شيء ثاني مثلها أني .. أني...........
يأخي من الحرة عليك ماني ملاقي كلام أقوله...بس دواك إذا رجعت الدوحة..
علي ابتسم: خلاص يالحبيب البرنامج كامل بتلاقيه عند الريسبيشن بعد شوي
بس اسمعني ياويلك تكنسل شيء من كيفك
لأنه كل شيء مدفوع ثمنه.. اللي مايعجبك قل لي عليه وأنا أغيره لك..
ويالله خلاص روح لمرتك..
كساب بتحكم واثق: مرتي قاعدة جنبي في حديقة الورد اللي أنت ورطتنا فيها.. وين أروح لها؟؟
علي بصدمة: صدق ماعندك ذوق.. قاعد تكلمني بذا العصبية قدامها.. اللي طفشت المسكينة..
كساب حينها ابتسم: أقول لا يكثر حكيك.. البرنامج أبيه في الريسبيشن خلال ساعة..
حينما أنهى الاتصال صمتت كاسرة لأنها رأت أنه من قلة الأدب أن تتدخل بينه وبين شقيقه بهذه السرعة.. لذا التزمت بالصمت..
سألها كساب بنبرة مقصودة: وش فيش ساكتة؟؟ وش رأيش في اللي سمعتيه؟؟
كاسرة بهدوء: أنا مالي دخل بينك وبين أخيك..
لكن من باب ثاني أكيد أفضل أنك تكون عارف البرنامج عشان مانقضي الأيام هذي في عصبية كل ماشفت شيء ما يعجبك..
كفاية الكيك والسيارة واحنا تونا مابدينا..
كساب تنهد ليهتف بحزم غاضب: أنا من البداية كنت رافض فكرة أنه يرتب الرحلة لأني أحب أكون عارف كل شيء بأسويه..
بس ماحبيت أحزنه وهو متجهد في التجهيز..ما تخيلت الحركات البايخة اللي هو بيسويها..
حينها ابتسمت كاسرة بخبث رقيق : على كذا أتوقع أنه بنلاقي الغرفة كلها ورود وبالونات حمرا..
كساب صرَّ عينيه: لا عاد؟؟
كاسرة هزت كتفيها: بس عاد مهوب تعصب على أخيك..
هذي تكون من الفندق أساسا إذا نزل عندهم عرسان في شهر العسل
كساب هز كتفيه بعدم اهتمام: تصدقين تراني أعرف ذا المعلومة..
كاسرة بنبرة عدم اهتمام مشابهة: في الإعادة إفادة.. والتكرار يعلم الـ.. يعلم الشطار..
بالفعل حينما وصلا لجناحهما كانت الورود منثورة على السرير والأرضية والشموع مشعلة في كل مكان..
وكانت تنتظرهم مضيفة بكعكة أخرى..
ولكنها هذه المرة انسحبت لوحدها قبل أن يعطيها كساب نصيبها من غضبه
وخصوصا انه كان ممتلئا غيظا لإحساسه أنه فاقد السيطرة في موضوع هذه الترتيبات التي لم ترق له إطلاقا..
كساب التفت لكاسرة وهمس بحزم: خلاص صلي الفجر أنتي..
الشباب اللي قابلتهم قبل شوي تحت في الريسبشن أتفقنا نصلي جماعة..
كاسرة أنهت صلاتها وكانت على وشك أن تستحم لولا أن قاطع مخططاتها عودة كساب..
حينها لا تعلم لماذا عاودها الشعور الملتبس بالتوتر..
لو عاود اندفاعه ناحيتها بعد أن تجاهلها طيلة الرحلة.. فربما تتناول حذائها وتضربه به على رأسه..
لا تستطيع أن تمنعه من حقوقه عليها.. فهذا أمر فرضه الله عليها..
ولكنها توقعت منه تعاملا أكثر رقيا.. وأن يكون في رأسه مشاعر أكثر نقاء
لذا كانت صدمتها البالغة منه لدرجة أنه كادت أن تنعته بـ " الحيوان"
أنه فور دخوله للجناح خلع قميصه فورا..
ولكن قبل أن تصدر عنها الكلمة رأته يتمدد على الارض ليقوم بتمارين الضغط.. وعلى يد واحدة بالتناوب!!
وقفت عدة لحظات حتى تستوعب ماذا يفعل؟؟ لتشيح بوجهها جانبا وهي تستوعب أنه عاري الظهر أمامها
سألته وهي مازالت تشيح بوجهها: شتسوي؟؟
أجاب بحزم وهو مستغرق في تمريناته: توني أقول لش أنش تحبين تظهرين نفسش ذكية..
عاد هذا سؤال ما يسأله أغبى غبي إلا لو واحد أعمى مايشوف..
شوفة عينش.. أتمرن..
كاسرة رغم استغرابها لكنها قررت ألا تسأله.. فليتدرب كما يشاء.. همست وهي تتجه لحقيبتها لتفتحها:
خلاص أنا بأتسبح..
كاسرة استغرقت وقت طويل للاستحمام.. فالبودرة التي التصقت بصدرها وظهرها وكتفيها.. استغرقت طويلا في دعكها..
عدا أنها استغرقت وقتا قبل في ذلك في فك بقايا تسريحتها بشكل أفضل
ثم في تنظيف شعرها والاعتناء به من أثر هجوم أدوات الشعر الساخنة ومثبتات الشعر..
حين انتهت.. التفت بروبها وخرجت بحذر ..
لم تجد كسابا.. ولكنها وجدت فوطة مبلولة ملقاة بجوار حقيبته.. يبدو أنه استحم في الحمام الآخر..
ربما في ظرف آخر.. ومع زوج غير كساب..ربما كانت لتتناول المنشفة وتعلقها في الحمام.. فهي بطبيعتها مرتبة وتكره الفوضى..
ولكنها شعرت أن كسابا يرسل لها رسالة وكأنه يجب أن تنظف قذارته المقصودة التي يتركها خلفه..
أما ماجعلها تتأكد من ذلك فعلا فهي أنها حينما فتحت حقيبته.. صُدمت بترتيبها غير المعقول..
تبدو الحقيبة كما لو كانت رُتبت باستخدام المسطرة..
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك