رواية بين الامس واليوم -85
لم ترد كسر خاطرها وهي ترجوها بهذه الطريقة غير المسبوقة..
عدا أنه رأت أن الموقف ليس ذا أهمية حتى تحمله أكثر مما يحتمل!!
( وش فيها؟؟
بألبس عباتي.. إن سلم رديت السلام.. وانتهينا)
مزنة هتفت بحزم: خلاص بأدخل أجيب عباتي دقيقة وحدة بس..
مع دخول مزنة للداخل..رن هاتف كاسرة.. كاسرة ردت بحرج: هلا يبه
زايد بحزم حنون: وش فيش يأبيش.. لا تكونين زعلانة على كساب وماتبين تروحين معي؟؟
كاسرة باستنكار: لا والله.. أنا أصلا ماني بزعلانة من كساب
وحتى لو كنت زعلانة.. وأنت جايني بروحك رضيت..
بس أنا فديتك أنتظر أمي تلبس عباتها.. لأنها تبي تطلع تودعني عند الباب..
حينها بدا لزايد كما لو كان سمع شيئا غير طبيعي.. خارق للعادة..
سهم اخترق سمعه.. ليرشق في مكان قصي من روحه!!
مكان ظل لها وحدها طيلة أكثر من ثلاثين عاما!!
مكان لم يقترب منه أحد.. لأن ذكراها كانت تحرسه بوحشية وتمنع أيا كان من مجرد الاقتراب من حدوده!!
"هل قالت أن مزنة ستخرج معها؟؟
هل قالت ذلك؟؟
أم أنا كنت أهلوس وأتخيل؟"
شعر أن ذلك السهم الذي رشق في روحه.. أحدث عطبا وفتقا غير قابلين للرتق!!
فهو طيلة السنوات الماضية لم يراها مطلقا.. وحرص ألا يراها..
كان يخشى من دمار كهذا!!
هاهو الآن يرى نزيف روحه يتجسد أمامه.. بحيرات بحيرات..
يكاد يقسم أنه يرى احمرار الدم أغرق سيارته حيث يجلس!!
يحاول إيقاف النزف.. فلا يستطيع..
وكيف يستطيع ومجرد سماعه أنه سيراها دفع مئات الذكريات المطرزة برائحتها وابتسامتها وعنفوانها.. وحتى سلاطة لسانها!!
وكل ذكرى لا تتوانى عن طعن روحه بلا رحمة!!
وكل طعنة تحدث مزيدا من النزيف!!
"الظاهر يازايد أنك كبرت وخرفت..
احترم نفسك.. وسنك..
السنين مرت..
والحين بتصير جد.. والقلب علته مابرت؟!! "
( وبقدر السنوات التي مرت عظمت ذكراها
فكل سنة تمر.. تجسد الذكرى.. حتى باتت أسطورة!!
والأساطير لا تتحقق يازايد.. لا تتحقق!!
.
لا أريد أن أراها..
لا أريد.. لن أنظر لناحيتها حتى!!
فهل يستطيع أحد أن ينظر للأساطير بعينيه
إلا إن كان مجنونا؟؟
أو يريد أن يُجن ؟!!)
كان إحساسه كإحساس من كان يتنفس طوال عمره عبر فتحة أشبه بفتحة ابرة.. حتى اعتادت رئتيه على قلة الهواء..
ثم قالوا له أنك تستطيع أن تتنفس كل هواء العالم دفعة واحدة..
حينها كيف ستكون ردة فعله؟؟
سيرفض..
لأنه يخشى على رئتيه التفجر..
هكذا هو حاله تماما.. يخشى على قلبه أن ينفجر..
قلبه الذي توقف عن النبض منذ واحد وثلاثين عاما..منذ المرة الأخيرة التي رآها فيها
يقولون له الآن استعد لتشغيل قلبك بكل طاقته..
كيف سيحتمل القلب الساكن طوال ثلاثة عقود أن يعود للنبض.. وليس أي نبض.. ليس أي نبض!!
إنها مزنة.. مزنة!!
هل يعلمون من هي مزنة؟!!
طوال هذه السنوات التي مضت كانت حينما تمر ذكراها بخياله.. حتى الخيال يقف احتراما لذكراها!!
شد له نفسا عميقا..شعر بألم مروره عبر قصبته الهوائية المختنقة
وهو يضع كفه اليمين على الناحية اليسرى من قفصه الصدري ويضغط بشدة
لأنه يشعر بألم حقيقي يمزق عضلات قلبه..
يتمنى لو يستطيع أن يشق قفصه الصدري لإخراجه من مكانه..
يتمنى لو أنه لم يحضر لإحضار كاسرة..
يتمنى ألا تخرج مزنة مع ابنتها..!!
ولكن امنياته ذهبت أدراج الرياح وهو يرى كاسرة تخرج..
وخلفها خيال آخر ملتف بالسواد تماما اعتصم بمكانه قريبا من الباب!!
بينما كاسرة تقدمت نحو سيارته..
وجد نفسه حينها يقع في حيرة ما اعتادها أبدا.. وهو من يقرر قراراته دون تردد..
هل يبقى في سيارته حتى تركب معه.. ويسلم عليها في بيته؟؟..
أم ينزل ليسلم عليها أولا..؟؟
وجد أنه مجبر على النزول.. فحضوره هنا أساسا كان لرد بعض اعتبار الفتاة بعد إحراج ابنه لها..
وهو في جلوسه في سيارته سيحرجها أكثر..
نزل من سيارته وهو يركز نظره على كاسرة فقط.. ويحاول ألا ينظر ناحية شيء عداها..
( لا تنظر ناحيتها..
لا تنظر ناحيتها
لا تنظر ناحيتها!!!)
كاسرة رفعت نقابها فوق رأسها فسيارته كانت تقف حاجزا بين بوابة البيت وبينها..
تلقته لتقبل أنفه.. وهي تشعر أنها غير قادرة على السيطرة على انفعالها..
بينما كان زايد رغم تركيزه فيها عاجز عن رؤية ملامح وجهها حتى..
تلقاها بتحية فخمة برمجها عقله العملي الحاضر: هلا والله ببنتي.. ياحياش الله نورتي الدوحة
أجابته بتهذيب: الله يحيك.. نورها فيها دامك فيها..
"أقصر مني قليلا.. لكنه مهيب فعلا.. تشعر بهيبته تحيطك رغما عنك!!"
(شكله في الجرايد غير..
حتى الوسامة والله إنه وسيم جذاب..
مع أنه مافيه مواصفات الوسامة السخيفة المتوارثة
والله إنه أحلى من ولده البايخ)
"هو كذا.. فيه شيء يشدك لا تعلم ماهو؟؟"
هكذا كانت أفكار كاسرة وهي تتبادل السلامات والتحيات مع عمها..
بينما مزنة مازالت تقف في مكانها..
توقعت أنه سيلقي عليها السلام.. ولكنه لم يفعل..
ولا يبدو أنه سيفعل..
لم تهتم.. فربما لم ينتبه أصلا لوجودها.. فهي لا تتوقع أنه تجاهلها عمدا!!
لا تعلم أنه تجاهلها عمدا.. لأنه عاجز عن احتمال نتائج عدم تجاهلها..
يعلم أنه كان من الذوق أن يلقي عليها السلام من بعيد..
ولكنه رأى الأسلم أن يدعي أنه لم يراها..
إذا كان شعر بمجرد رؤية الخيال الذي تحاشى بعدها مجرد الالتفات له..
أنه قد يتداعى وينهار.. يتداعى بكل ما تحمله الكلمة من معنى..
فكيف لو ألقى عليها السلام وردته؟؟
" لا أريد أن أسمع صوتها حتى!! أريد أن أحتفظ به في ذاكرتي كما كان..دون أن أنبشه وأنبش مواجعي أكثر من هذا..
لن أحتمل المزيد ولا بأي صورة.. يكفي أن احساسي بوجودها معي في ذات المكان
يكاد ينسفني نسفا!!!
لا أريد أن أسمعها.. وأجد أن صوتها هو ذاته لم يتغير.. فتتجدد جروحي..
لا أريد أن أسمعها.. وأجد أن صوتها أكثر نضجا وأنوثة.. فتزداد جروحي..
لا أريد أن أسمعها.. وأجد أن صوتها ماعاد يحمل شيئا من رائحة صوتها القديم.. فتُنسف جروحي.."
(يا الله.. يا الله.. خل الدقايق ذي تخلص على خير!!)
انتهت الدقائق فعلا
شد له نفسا مبتورا وهو يعود لسيارته ويهتف لكاسرة بحزم أبوي: اركبي يأبيش..
كاسرة عادت لوالدتها وهي تهمس لها بخفوت: يمه أركب قدام وإلا ورا؟؟..
أمها تبتسم وهي تضع كفها على طرف كتفها:
اركبي قدام يأمش.. مهوب سواق عشان تركبين ورا..
كاسرة بتوتر: أدري يمه.. بس ما أدري ليه معه حاسة كل شيء مقلوب..
حينما رآها تعود لأمها.. شعر أن ألم عضلات قلبه يعود بقوة حتى حدود التمزيق المتوحش:
يالله هونها وعدها على خير.. ماعادني بحمل ذا كله..
ثبت نظره على مقود السيارة حتى سمع صوت فتح كاسرة للباب..
حينها وبشكل حاد مفاجئ التفت للمكان الذي كانت تقف فيه مزنة..
رأى طرف أناملها فقط على الباب وهي تدخل.. ثم تغلق الباب خلفها..
رأى طرف أناملها فقط..كأنها تودعه للمرة الأخيرة..!!
أنامل مزنة!!
لم تكن محض أنامل.. كانت علامة من تاريخه الإنساني الذي لا يتكرر..
ثلاثون عاما مرت بين رؤيته لها آخر مرة واليوم..
فمتى يراها مرة أخرى؟
شعر كما لو أن الأكسجين الذي كان يُعمر العالم قبل لحظات قد نفذ كله..
(وش فيها لو أني سلمت بس
يا الله.. يا صوتها..!!)
مد يده ليفتح أعلى جيب ثوبه.. بحثا عن أكسجين يعلم أنه لن يحصل عليه..
لم يخرجه من حالته إلا صوت كاسرة القلق: يبه فيك شيء؟؟
حينها تذكر المخلوقة التي تجلس جواره..
والتي جاء أساسا هنا من أجلها.. فإذا بالزيارة تتحول لكارثة فعلا..
ويتناسى السبب الذي جاء من أجله..
هتف بصوت مرهق فعلا ورغما عنه.. لأنه حاول جاهدا إخفاء إرهاقه فلم يفلح:
مافيني شيء يأبيش..
أنتي قولي لي.. وش أخبار كساب معش؟؟
همست بعذوبة: تمام.. كساب ما يقصر..
صوتها لا يشبه صوت أمها.. صوتها عذب أنثوي واثق..
ولكن صوت مزنة كان متفجرا بالحياة إلى أبعد مدى..
هكذا كانت أفكاره تغتاله..بل تقتله..
أفكاره تعود وتذهب وتعود لترجع إلى مزنة!!
لم يعلم أن مجرد الأفكار التي ستثيرها رؤيتها ستكون مؤلمة بل قاتلة هكذا!!
هتف زايد بذات النبرة المرهقة: لا تغطين على سواد وجهه..
الحركة اللي سواها ماني بمطوفها له.. وكنه الليلة ماجا وحب رأسك وتعذر
فأنا ما أنا بولد علي آل كساب.. وذا الشنب على مرة!!
كاسرة انتفضت بخفة.. يجبر كساب على الاعتذار؟؟؟..
تتخيل ما الذي قد يُجبر كساب على الاعتذار.. فلا تجد.. لا تتخيل شيئا قد يلوي ذراع كساب..
بدت لها فكرة اعتذار كساب مثيرة.. وفي ذات الوقت مقلقة!!
همست كاسرة بهدوء: أنا اقدر ظروف شغل كساب.. وعارفة إنه تارك شغله ذا الأيام كلها.. فلازم إنه يرجع له..
ابتسم زايد: كذا المرة الأصيلة تدمح خطأ رجّالها.. لكن خطأ كساب كبير
وأنا بأعرف أحاسبه عليه
زايد نفسه مازال لا يعرف الطريقة التي سيجبر فيها كسّاب على الاعتذار..
فهو مثلها يعرف أنه لا يمكن أن يلوي ذراع كساب..
لكنه حتى ذلك الحين سيرتجل..
.
.
يدخلان إلى البيت..
يهتف زايد بمودة: اخذي راحتش يأبيش.. علي خذ له جناح تحت وبابه على برا..
وحتى أنا خذت لي غرفة تحت..
لأن عفرا ذا الأيام عندنا..
كاسرة لا تنكر إحساسها بالحرج.. وهي تخلع نقابها وتدخل..
حينها رأى وجهها بوضوح..
فتح عينيه وأغلقهما.. وهو يشعر أن الألم الفعلي الذي لا يريد مبارحة قلبه اليوم يتزايد..ويتزايد!!
" يا الله بها شبه كبير من والدتها..
وخصوصا التماعة العينين المتمردة.. التي كانت تأسرني وت وتذبحني وتنهيني في لحظات!!
وقد تكون أجمل من مزنة بكثير..
ولكن حسن مزنة كان شيئا مختلفا في عيني.. مختلفا لأبعد حد!!"
(يا الله.. يبدو أنها لن تبرح تفكبري اليوم)
مزون وعفراء ووقفتا بمودة وهما ترحبان بكاسرة ترحيبا دافئا حماسيا بكل المودة!!
بينما زايد هتف بإرهاق وهو يغادر: مزون يأبيش أنا بأروح أنسدح
قوميني لصلاة العصر.. ما أبي غدا
والله الله في كاسرة..
زايد غادر بينما مزون همست بقلق: خالتي فديتش.. قهوي كاسرة ثم طلعيها لغرفتها ترتاح لين الغدا..
أنا بأروح أشوف أبي وش فيه؟؟ مهيب عوايده!!
.
.
حين دخلت عليه كان يخلع ثوبه..
حين رآها.. ابتسم: وش فيش يأبيش؟؟ ليه خليتي مرت أخيش ماقهويتيها؟؟
مزون بقلق: يبه وش فيك؟؟ مهيب عوايدك تنسدح ذا الحزة.. وقبل ما تتغدى..
زايد بأبوية حانية: مرهق شوي يأبيش.. شيبنا ماعاد فيه لياقة مثل أول!!
مزون تبتسم: وش شيبت؟؟ أنت أساسا شيخ الشباب..
يتمدد على سريره ويهمس بإرهاق: وش شبابه؟؟ يا الله حسن الخاتمة..
مزون تجلس جواره على سريره وتهتف بضيق: تدري إني ما أحبك تقول كذا..
يبه أنت ترد العين عنك.. تراني ما أنا بنظول..
ابتسم وهو يربت على كفها ويغلق عينيه: يأبيش بس أبي أتمدد شوي.. حاس مافيني حيل..
مزون انتظرت عنده لدقائق.. حتى ظنت أنه غرق في النوم.. أغلقت الإضاءة والباب خلفها بخفة وهي تغادر..
لم تعلم أنه لم ينم.. ولن يستطيع النوم.. ولكن جسمه خال تماما من أي طاقة!!
كما لو أن رؤيتها سحبت كل المؤشرات الحيوية من جسده..
كما لو أن كل ما يعتصم به من جلد طوال حياته تبخر في لحظة واحدة!!
هذا وهو لم يراها فعلا بمعنى الرؤية.. فكيف لو رآها!!
(الظاهر يازايد أنك كبرت وخرفت..
عمر اللي راح مايرجع
عمر اللي راح مايرجع )
.
.
" تعالي يأمش.. ادخلي برجلش اليمين وسمي باسم الله
وادعي إن الله يعطيش من خير المكان ويكفيش شره"
كاسرة خطت للداخل مع عفراء وهي تفعل كما تقول وتبتسم: هذا أنا سميت ودعيت
وهي تهمس في داخلها (أكيد محتاجة الدعوات.. من ربي بلاها بولد أختش.. محتاجة الدعوات والصبر)
عفراء بمودة: شوفي شناطش كلها حطيناها هنا.. ماقلتي لنا إنش تبين نرتبها كنا رتبناها.. خليناها لين تجين..
حتى شناطش اللي قبل..
كاسرة بمودة: الله يعطيش العافية خالتي.. أنا بارتبها بنفسي..
عفراء بحنانها الطبيعي: إن بغيتي مساعدة منا وإلا من الخدامات.. تكفين لا تستحين..
ثم أردفت عفراء بحرج: يأمش أنا مالي وجه من سوات كساب..
بس تكفين لا تزعلين منه.. أنتو في أول حياتكم..
ولو كبرتي الشيء بيكبر.. ولو صغرتيه بيصغر...
كاسرة بمودة: ماني بزعلانة.. وأنا مقدرة ظروف شغل كساب..
عفراء غادرت وهي تهمس بمودة: خلاص الغدا عقب ساعة تكونين ارتحتي شوي..
وترا عقب كم يوم نبي نسوي لش عشا.. اعزمي كل ربعش..
كاسرة كانت تتقدم لداخل الغرفة إن كان يصح تسميتها محض غرفة..
كانت أشبه ما تكون بشقة ضخمة.. تبدأ بغرفة جلوس وتنتهي بغرفة النوم مرورا بقسمين آخرين.. أحدهما فيه مكتب ومكتبة ضخمة.. والآخر فيه أجهزة رياضية
المساحات شاسعة جدا.. ويوجد حمامان.. أحدهما في غرفة الجلوس والآخر في غرفة النوم..
في داخلها لم تشعر بالارتياح للمكان.. فاره جدا.. فخم جدا.. قاس جدا.. بارد جدا..
تمنت مكانا أصغر.. أدفأ.. أكثر حميمية!!
كانت تقول إنها حين تعود للدوحة تستطيع محاصرة كساب.. اكتشاف خباياه..
بينما هما خلال شهر العسل كانا شبه متلاصقين طوال الوقت عدا الأيام الثلاثة الأولى التي أخذ فيها دورة التسلق..ولم تستطع اكتشاف شيئا..
فكيف هنا في ظل انشغاله بعمله.. ثم حين يعود يستطيع الابتعاد عنها حتى وهما في مكان واحد.. في مثل هذه الغرفة المملوءة بأماكن التباعد..
تشعر بحياة مقبلة ملأى بالتعقيدات بينهما.. وهاهي التعقيدات بدأت في ظل شعور أهله أنه أخطأ بحقها وهم يكيلون لها الاعتذارات..
لا تريد أن يشعر أحد بما بينها وبين زوجها.. فهي تستطيع حل مشكلاتها لوحدها..
لا تريد أن تبدو مثارا لشفقتهم.. وزوجها يتعمد تجاهلها..
فهي تستطيع حل مشاكلها!!!
أو... إنهائها من أساسها!!
***************************************
" تدرين أني اشتقت لعبود الخايس..
ما لحقت أشبع منه.. إلا هو ناط مسافر
وما أدري متى بألحق أشبع منه وأنا بأرجع باريس عقب شهر!!"
جوزاء تنظر بحرج لعالية التي كانت تهمس هذه العبارة بتأفف حقيقي..
وتكمل بذات التأفف: اليوم كلمته.. أسأله متى بيرجع.. يقول لي يمكن أسبوع بعد.. نعنبو وش ذا الشغل!!
حتى أمي متضايقة واجد.. تقول المسكين مالحق يتهنى ولا يرتاح إلا هم منتدبينه شغل..
وأبي مثلها.. بس طبعا ابي مستحيل يبين.. ابي كان عامل حسابه إن عبدالله بيوديه العمرة عقب أسبوعين..
خاطره في خوته على طريق طويل.. ماشبع منه ولا من سوالفه..
الحين خلاص مايقدر يقول له يوديه وهو توه راجع من السفر..
كانت عالية تنهمر بتأففاتها المتذمرة المغلفة بحزن بالغ الشفافية..
بينما جوزاء تستمتع بحرج.. وهي تحاول ألا تظهر حرجها.. وهي تحاول الإنشغال بحسن الجالس في حضنها..
تحاول ألا تشعر بالذنب.. ولكنها تشعر بذنب عميق.. ليس من أجل عبدالله..
فهو يستحق مافعلته وأكثر منه أيضا..
ولكنها تشعر بالذنب من أجل أهله الذين أبعدته عنهم وهم مازالوا ملهوفين له وعليه..
رن هاتف عالية وهي مازالت مستمرة في موال الشكوى من غياب عبدالله..
كان المتصل هو نايف يطلبها أن تأتيه في مجلس النساء..
عالية ذهبت لنايف.. لتتناول جوزاء هاتفها وترسل بأنامل مرتعشة:
"عبدالله تكفى
لا تتاخر..
تكفى ارجع في أقرب وقت"
حين وصلت رسالتها لعبدالله.. شعر كما لو أن أحرف الرسالة مسامير لاهبة انغرزت في شغاف قلبه حتى أقصاها..
ومع ذلك شعر في داخله بتوجس ما..
(وش عندها جوزا؟؟
أكيد مهيب خالية وراها شيء)
ولكن رغما عنه أثرت به رجاءاتها لأبعد حد.. أرسل لها:
"اشتقتي لي؟؟ صح؟؟
قولي أنش اشتقتي لي.. وأفكر عقبها أرجع"
حين وصلها رده.. اشتعلت غضبا:
"قلت لك قبل اشتاق أشوف الموت ولا أشوفك
بس هلك فاقدينك واجد
أنا حبيت أبري ذمتي وأبلغك!!"
حينما وصله رسالتها شعر بتصاعد السخرية المرة في روحه:
" خوش تبرية للذمة!!
ليش ما تقولين أنش حاسة بالذنب عشان اللي سويتيه؟؟
وعلى العموم متى ماقدرت أرجع
رجعت.. عشان هلي اللي فاقديني
مهوب عشانش!!"
ألقت بهاتفها جوارها وهي تشعر بالغيظ:
إيه اطلع على حقيقتك يا الكذاب!!
خلك كذا.. لا تكذب علي..
********************************************
"هاه يامش.. أشلون مكانش؟؟"
كاسرة تنظر حولها وهي تزم شفتيها بعدم رضى ومع ذلك أجابت والدتها بثقة:
الحمدلله يمه.. زين...
مزنة بمودة وهي تثبت الهاتف على أذنها: زين الليلة أنا وأختش وعمتش وشعاع بنجيش ونجيب لش قهوة..
جوزا كان جات معنا.. بس رجّالها الحين مسافر.. تقول لا رجع.. جاتش إن شاء الله..
كاسرة تبتسم: من جدش يمه!! وش قهوته؟؟
مزنة تبتسم: لازم نجي ونكبر قدرش قدام جماعتش.. بعد وضحى طالبة لش فوالة غير شكل!!
كاسرة بمودة: الله لا يخليني منكم.. ما ابي إلا شوفتكم..
مزنة بتساؤل عفوي باسم: إلا عمش وش أخباره معش.. ها طلع يأكل بشر يومش خايفة منه؟!!
كاسرة بابتسامة عذبة: ماني بخايفة منه.. بس هايبته.. فيه فرق.. وفعلا يمه لازم الواحد يهابه..
اتسعت ابتسامتها: تدرين يمه عمي يجنن.. لو هو اللي كان خطبني بدال ولده كان واقفت عليه بدون تردد..
بس يا الله الحين أكتفي فيه اب.. وأتصبر بولده!!
مزنة تضحك: صدق ماعندش وقت...
إلا تعالي ليش عمش ماعنده ذوق كذا
حتى السلام ما سلم علي.. وأنا واقفة كني طوفة..
كاسرة بلباقة: ما أدري يمه.. يمكن ما أنتبه أنش واقفة.. ما اعتقد إنه بينتبه ومايسلم.. أصلا هو جنتل وكله ذوق
******************************************
" هلا والله بالعريس.. ياحياك الله"
كساب يلتفت لعمه ويهتف بنبرة مقصودة: الله يحيك..
كساب توجه لعمه وهو عائد من عمله دون أن يعود لبيته حتى..
فعلي أبلغ كسابا بوجود خلاف بسيط بين عمه وخالته..وأن خالته عندهم الآن حتى يمتص غضب كساب قبل أن يعود للبيت..
لم يعلم أنه لن يعود وأنه سيتوجه لعمه مباشرة.. رغم أنه على كل الأحوال.. كان من المستحيل أن يأخر السلام على عمه..
وخصوصا أنه توجه لشركة والده في الصباح وسلم عليه!!
كساب سأل عمه بذات النبرة المقصودة: عمي.. أبي أسلم على خالتي قم نروح داخل لها..
حينها نظر له منصور بنصف عين: تدري يا ولد أخي ترا دور البريء مايلبق عليك
ما سمعت المثل اللي يقول: مبروم على مبروم مايلف..
وأنا وأنت كل واحد منا مبروم..
أنت داري إن خالتك في بيتكم.. فليش محاولة التغابي البايخة ذي!!
حينها سأله كساب بنبرة يحاول أن يتحكم بالغضب فيها:
وخالتي وش اللي وداها لبيتنا ياعمي.. وش اللي طلعها من بيتها؟؟
منصور بحزم: أسأل خالتك.. أنا ماطلعتها من بيتها.. هي اللي باعت البيت وراعيه..
حينها هتف كساب بغضب: خالتي طول عمرها تستحمل وما تشتكي.. وماحدها على ذا إلا شيء كايد..وش سويت فيها؟؟
منصور بحزم أشد: أص ولا كلمة..
كساب انقلبت عيناه من الغضب: لي أنا تقول أص..
منصور هز كتفيه بسخرية مريرة: زايد قالها لي وأنا بيني وبينه ست سنين
فليش ما أقولها لك وبيني وبينك 15 سنة..
تدري كساب أنت آخر واحد يحق له يفتح ثمه..
كساب يحاول أن يكتم غضبه حين بدت له حرقة عمه: وليش مايحق لي أفتح ثمي..
منصور حينها كان من هتف بغضب: لأنك منت برجّال.. ولا حركتك اللي سويتها في مرتك اليوم حركة رجّال
أنا لو أني راجع مع مرتي من سفر.. واتصلت فيني قيادة الجيش شخصيا..
كان قلت لهم بأوصل مرتي للبيت وعقب بأجيكم..
مهوب أحذفها في المطار وأخليها ترجع بروحها..
كسّاب استرخي في جلسته وهو يهتف ببرود: ماشاء الله ما أسرع وصلتك العلوم..
منصور رد عليه ببرود مشابه: مثل ما وصلتك العلوم...
كساب ببرود حازم: لا تقارن خالتي بمرتي.. كل مرة لها طريقة تعامل..
وأنا بعد لو كنت راجع من السفر وخالتي هي اللي معي كان لازم أوصلها للبيت أول..
لو حتى كان شغلي كله بينهار..
منصور بحزم: المرة هي المرة... عشان كذا أنت مايحق لك تتكلم..
يعني لو زايد يعاتبني.. أقول له عتابك على رأسي..
لأنه بعيني شفت أشلون كان زايد يعامل وسمية.. كان باقي يحطها على رأسه من كثر ما يحترمها ويعزها.. مهوب مثلك..
حينها سأله كساب بحزم: زين يحترمها ويعزها.. كان يحبها؟!!
منصور بحزم: فيه زواجات واجد تستمر وتنجح وهي مافيها حب.. لكن مافيه زواج يستمر بدون احترام..
حينها نظر كساب لعمه بشكل مباشر وهتف بمباشرة حازمة:
زين دامك ماشاء الله قاعد تعطي نصايح.. وعارف مشكلتي مع مرتي
وش مشكلتك أنت مع خالتي؟؟.. ما كنت تحبها؟؟.. أو ماكنت تحترمها؟؟
منصور بنبرة حازمة: أنا عارف عدل وش مشكلتي مع خالتك.. لا هي قلة احترام ولا قلة حب..
لأنه ماظني فيه رجال يحب مرته ويحترمها مثل ما أنا أحب خالتك واحترمها
مشكلتي اللي أنا عارفها عدل.. أني رجال عسكري..
أنا في العسكرية من يوم عمري17 سنة.. العسكرية ربتني أكثر من هلي
وطبعي العسكري حاضر حتى في بيتي
وأعرف نفسي عنيد ورأسي يابس وما أتراجع في قراراتي
ماحسنت صورتي ولا دورت أعذار لروحي..
ثم انهمر بعتب عميق عاصف: وخالتك عارفة عيوبي ذي كلها.. وعارفة قبل ذا كله أني ما أحبها تدخل حد في حياتنا
لو أنها ماصغرتني قدام زايد وعلي..لو أنها مادخلت حد بيننا..
ولو أنها عقب مادخلتهم بيننا.. احترمتني وماكبرت السالفة ورجعت معي لبيتها.. كان شلت جميلها فوق رأسي
أنا حتى البيت قلت لها باكتبه لها..
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك