رواية بين الامس واليوم -95
حينها صمتت.. كانت هذه الأسئلة تدور برأسي..
وجرحني لأبعد معرفتي أنها لم تذهب لمدرستها.. وأنا أقول:
كانت المدرسة مجرد عذر اخترعته للهرب مني!!
سعيدة بتركي بينما أنا أموت في اليوم ألف مرة بعيدا عنها..!!
أما عدم سفرها لجميلة.. فجميلة قالت لي أنها حلفت عليها ألا تحضر من أجل حملها..
ولم أتخيل أن هناك تفسيرا آخر..عدا مصاعب الحمل العادية!!
انتفضت بغضب عارم وانا أصرخ في كساب:
قوم ادع لي خالتك تجيني في مجلس الحريم الحين...
*********************************
مضت ثمانية أشهر بالتمام والكمال..
وسنعود للدوحة قريبا جدا..
يا الله اشتقت لكل شيء.. والدي.. أشقائي..مع أنهم زاروني قبل فترة.. ولكن لم تُشبع الزيارة القصيرة شوقي لهم..
مشتاق للتدريس.. وطلابي..
وابن شقيقي .. فقد أصبح عندي ابن شقيق مازلت لم أراه..
فزوجة جاسم أنجبت ولدا قبل عدة أشهر..
لا أتخيل أنني قد أصبحت عما.. تقتلني اللهفة لآراه..
سيكون مولودي الأول بنت إن شاء الله حتى أزوجها له..
فيبدو أنني تأثرت بطبائع البدو!!
ولكن ما أنا مشتاق له إلى درجة تتجاوز كل حدود الشوق ومسمياته..
المخلوقة التي كانت معي طوال الأشهر الثمانية..
جميلة ذاتها !!
فلأني خرجت معها مرافقا من الدوحة.. فيبدو أنها لم تستطع تجاوز هذه الفكرة..
وهأنا أحترق للعودة للدوحة حتى نبدأ بفكرة أخرى.. وتقتنع أني لست مرافق فقط ولكن زوج أيضا..
قررت أن أقيم لها حفل زفاف كبير.. فهي تستحق أن تشعر بإحساس العروس الذي سُلب منها..
ولكني أترك هذه الفكرة كمفاجأة لها حتى نعود الدوحة..
مع بدء تحسنها.. وتغير نظرتي لها.. وشعوري بقلقها من ذلك إلى درجة التهرب مني.. أقنعت نفسي كما لو أننا في فترة خطوبة..
أليس هذا ماكان سيحدث لو أني خطبت؟؟
كنت سأخرج مع خطيبتي وأراها وأجلس معها ونتكلم.. ودون أن يحدث شيئا بيننا حتى يحين موعد الزفاف..
أقنعت نفسي بذلك حتى أستطيع الصبر..
ولكن الصبر في حالة جميلة كان جارحا وقاسيا لأبعد حد..
علمت أنها جميلة كما هو اسمها منذ بدأت تتحسن وتبرز تفاصيل وجهها الجاف..
ولكن اكتمال الصورة كان شيئا يفوق الخيال..
لم أتخيلها مطلقا بكل هذا الجمال.. والأجمل هو روحها الشفافة كروح طفلة..
شيء عذب يأسرك دون أن تشعر..
أستغرب أن من كان لها كل هذا الجمال.. والعود الريان النابض بالحياة.. تضحي بهما لأنها تريد أن تكون رشيقة..
وأما ماعذبني أكثر وأكثر.. أن هذه الصورة الموجعة الموغلة في الحسن والبهاء
كانت تكتمل رويدا رويدا أمام ناظري.. وأنا أنضج كذلك رويدا رويدا..
كما لو أنك زرعت لك بذرة جافة لا معالم للحياة فيها..
ثم أخذت تراقب كيف بدأت الحياة تدب فيها شيئا فشيئا..
حتى أصبحت برعما صغيرا ينمو قليلا قليلا.. ثم أصبحت وردة بالغة الجمال والنضارة..
أو فاكهة شديدة الحلاوة ناضجة ممتلئة بالحياة..
وأنت محظور عليك حتى مجرد الاقتراب للمسها أو شمها أو حتى تذوق القليل منها..
مع أنك من قضيت الليالي الطويلة تعتني بها ولا شيء يشغلك سواها..
فكيف يكون حالك؟؟؟
لذلك أنا مستعجل بكل لهفة للعودة للدوحة..
وهذه الأيام نجهز للعودة.. ومازالت هي ترفض بإصرار أن تذهب معي لشقتي..
تقول أنها ستغادر من المصحة للمطار مباشرة..
وسنسافر هذه المرة من جنيف قريبا منا..
وربما خيرا فعلت حين رفضت الذهاب معي.. فأنا أعلم أنني مع حالتي المأساوية هذه لا يمكن أن أؤتمن..
وأنا أريد أن نعود للدوحة لأقيم لها حفل زفاف أولا...
*****************************************
مضت ثمانية أشهر منذ خرجت من الدوحة وأنا أظن أني أخرج منها ولن أعود لها إلا جثة ربما..
هأنا أعود ممتلئة بالحياة والحماس وبشيء من الضيق أيضا..لأني اعتذرت للفصل الثالث..
كنت أريد أن أعود لأدرس هذا الفصل وخصوصا أنني كنت تقريبا استعدت وزني كاملا..
ولكن الأطباء رفضوا وقالوا أنني لابد أن أخضع لما يشبه جلسات العلاج النفسي مع مراحل العلاج الأخيرة حتى لا تعود لي الحالة مرة أخرى
حاولت إقناعهم أنني شفيت من هذا الجنون.. ولكنهم رفضوا ومعهم خليفة وعمي زايد وعمي منصور..
طلبو أن أتمهل حتى أنهي علاجي بالكامل..
قلت المهم أن أعود قبل ولادة أمي..
يا الله كم أنا مشتاقة لهذا الصغير..!!
لم يبق شيء في أسواق جنيف لم أشتريه له.. رغم أني لا أعلم ما جنسه!!
كما اشتريت كذلك كثيرا لابن شقيق خليفة..
فهو متلهف جدا لرؤيته..
وحين أتذكر خليفة وحالته هذه الأيام.. أشعر بحزن شفاف ينغرز في روحي..
يبدو كما لو كان متلهفا للعودة والتخلص مني..
أشعر بقلق عميق.. لا أعلم كيف ستكون حياتنا معا حين نعود للدوحة..
فهو لم يقل لي شيئا أبدا..
لم أسمعه مثلا يقول أنه طلب إعداد غرفة لنا في بيت أهله.. أو سكن مستقل..
لم أسمعه مطلقا يتحدث عن أي مخططات مشتركة لنا حين نعود..
كل ما يتحدث عنه هو التجهيزات للعودة..
وكأن كل ما بيننا سينتهي على أعتاب الطائرة التي ستنزلنا في الدوحة..
لا أريد أن أجبر خليفة على الحياة معي إن كان لا يريد..
فجميله علي سيبقى في عنقي حتى أموت.. فما قام به من أجلي لم تقم به حتى أمي!!
تمنيت أن أستطيع رد بعض هذا الجميل.. ولكن يبدو أنه لايريد ذلك..
وربما كان الخطأ خطئي.. فأنا لا أشجعه مطلقا بخجلي وهروبي الدائم..
شيء مجهول في داخلي يمنعني من ذلك..
ولا أعلم سببا لذلك!!
هل أنا أنتظر عودتنا للدوحة وتحرر مشاعري بعيدا عن جو المصحة وذكرياتي كمريضة؟؟
ربما...
****************************************
مر شهران على عودتي من باريس..
وخمسة أسابيع على استلامي لعملي في مختبرات مستشفى حمد كمهندسة جينية..
لأنني أساسا كنت وقعت عقدا معهم قبل تخرجي..
لذا استلمت عملي فورا..
بعد حادث عبدالرحمن رفض والدي أن أسافر..
وماهي فكرته القاسية المتوحشة؟؟
أنني قد أترمل وأنا في الغربة..لذا من الأفضل أن أبقى أنتظر الخبر هنا..
للمرة الثانية يقف معي عبدالله..
وهذه المرة قاتل بضراوة.. فأبي ماعاد يلين لكلامه كما كان سابقا..
أو ربما يدعي أنه ماعاد يلين..!!
مع أن الظاهر أنه لان.. لأن عبدالله انتصر!!
وهو يعد والدي إن حدث أي شيء أن يسافر بنفسه لإعادتي!!
وربما كنت كوالدي أعيش في رعب أنني سأصحو من النوم في يوم لأجد نفسي أرملة وأنا لم أصبح زوجة!!
قلقي هو لمجرد الفكرة وليس من أجل عبدالرحمن بذاته كشخص..
فأنا رغم مرحي بل جنوني أحيانا .. إنسانة حين أفكر.. أفكر بعقلانية!!
لذا لم أخدع نفسي بأفكار المراهقات وأقول أنني تحطمت لوضع عبدالرحمن..
فأنا كنت لا أعرف عبدالرحمن.. وكل ما بيننا هو حبر على الورق..وتعليقاتي المرحة على حالي قبل حادثه..
لا أنكر أنني تأثرت من منطلق كونه زوجي..
وتأثرت أكثر من حال جوزاء وشعاع ووالدتهما..
ولكن عدا ذلك كنت خالية من أي إحساس خاص تجاهه..
حتى قبل شهر.. قبل شهر واحد فقط!!..
هل من الممكن أن ترتبط بهذه القوة والسرعة والمتانة بشخص هو للموت أقرب منه للحياة؟؟
بشخص لا يشعر بك.. ويستحيل أن يشعر بك وهو على هذه الحال!!
هذا الجنون البعيد عن أي عقلانية مُدعاة هو ما يحدث معي منذ قرابة الشهر!!
بعد بدء عملي بأسبوع..
شعرت برغبة عارمة أن أرى عبدالرحمن.. لا أعلم هل هو من باب الفضول أو المؤازرة..
قلت لنفسي :أنا وهو في ذات المبنى.. لن يعلم أحد بزيارتي له..
وكان المانع أمامي هو والده.. فأنا أعلم أنه لا يفارقه أطلاقا..
ولكن لابد أنه يذهب للصلاة في المسجد في الطابق الأرضي..
لذا انتظرت قريبا من باب غرفته.. حتى رأيت والده يغادر بعد الأذان مباشرة..
أعطيت لنفسي وقتا يصل لربع ساعة لأغادر قبل عودته والده..
وكنت أظن أنني سأغادر بعد دقيقتين فقط.. أراه واغادر..
ولكني لم أعلم أن الوقت مضى مضى.. وأنا أقف متخشبة أنظر له وعيناي تفيض بالدمع الذي أغرق نقابي دون أن أشعر..
حتى فوجئت بوالده يفتح الباب ويسألني من أنا؟؟
كنت أرتدي البالطو الأبيض فوق عباءتي..
ولأني لغتي الانجليزية متوسطة.. انهمرت عليه بالفرنسية.. حتى شعرت أن العجوز شعر بالملل مني!!
حينها غادرت.. وأنا أشعر كما لو أنني نجوت من جريمة تلبست بها!!
ولكني لم أستطع إكمال المشوار للأسفل..
فقد وقفت في الرواق.. أسند ظهري للحائط.. وأنا أستعيد الحالة غير الطبيعية التي حدثت لي قبل دقائق..
" يا الله.. أكيد أني استخفيت!!"
بالفعل كان ما أصابني حالة غير طبيعية.. بقيت أتمعن فيه وكأنني أرى رجلا للمرة الأولى في حياتي..
مع أنني سبق أن رأيت عبدالرحمن شخصيا ومباشرة.. ولكن رؤيته تلك المرة السابقة أثارت فيّ مجرد مشاعر الخجل الطبيعية..
التي قد تحدث لأي فتاة ترى زوجها المستقبلي!!
لكن رؤيته هذه المرة أثارت فيني مشاعر سماوية سامية شعرت بها اخترقت شيئا مجهولا في روحي وانغرزت هناك حتى النصل!!
كنت أنظر لسكونه وملامحه المسترخية.. بدا نائما على وشك الاستيقاظ..
والغريب أن وجهه مملوء بالنضارة والحياة.. كيف؟؟.. لا أعلم !
عارضاه مرتبان بدقة.. كما لو أن الحلاق خرج من عنده للتو..
وهذا مايحدث.. فأنا علمت بعد ذلك أن والده يحضر له الحلاق مرتين في الأسبوع..
بل ويصر على أن تعقم أدوات حلاقته هنا في المستشفى..
والممرضات يعقمنها له عن طيب خاطر لشدة تأثرهن من حاله ولطفه.. وكرمه!!
ومنذ ذلك اليوم.. قبل شهر..
أدمنت زيارة هذا الأمير النائم..
بدأت أقنع نفسي أنني ربما لو قبلته كالقصة الأسطورية حين قبّل الأمير الأميرة وصحت من نومها الطويل... أنه قد يصحو من نومه..
وربما كانت هذه رغبتي أنا.. أتمنى بالفعل لو استنشق رائحته من قرب..
أريد أن أعرف كيف هو عبق رائحة من يبدو بهذه النظافة والبراءة..
ولولا بقية من حياء ليست بيدي ولكنها رادع من الله لي... لكنت فعلتها !!..
أزوره إن استطعت وسمحت لي الظروف مرتين في اليوم..
مرة حين يذهب والده لصلاة الظهر... والأخرى حين يذهب لصلاة العصر..
رغم أن دوامي ينتهي مع أذان صلاة العصر.. ولكني أبقى حتى أراه أولا ثم أخرج للسيارة..
مازلت حتى الآن لم اُكتشف.. صدفني والده مرتين.. وكل مرة أنجو بحيلة الفرنسية..
ولكن يجب أن أكون أكثر حذرا.. لأني أظن أن الثالثة لن تمر عليه..
وقابلت مرة الخادم الذي يعمل عندهم..
أما المصيبة أنني رأيت مرة جوزاء وشعاع.. لكن حينها أنقذني الله أنني رأيتهم قبل أن يروني..
كنت أعلم أنهن غالبا يزرنه في الفترة الصباحية فقط..
لأن والده يرفض أن يبقين أكثر من ذلك لأن بعد ذلك يزوره الرجال بعد خروجهم من دواماتهم..
وحتى تأخذ جوزا حسن من الروضة!!
فلماذا بقين حتى الظهر؟!!
أحيانا لا أراه إلا مرة في اليوم.. ومرات معدودة لم أستطع أن أراه لأني أعلم أن أهله عنده..
أقسم أنني حينها شعرت كمن هو مصاب بالصداع الشديد ولابد أن يأكل حبتين بنادول وإلا فأن ألم رأسه لن يتركه!!
ألم أقل أنني أدمنت رؤيته.. ولم أكن أبالغ!!
*****************************
******************************
مضت سبعة أشهر على زواج كساب..
ومازلت أنتظر حفيدي الذي لا يبدو حتى أنه يلوح في الأفق قريبا..
لا أريد أن أبدو بصورة العجوز الممل كثير الأسئلة..الذي يتدخل فيما لا يعنيه!!
فربما كانت رغبتهما هذه في التأجيل..
مع أنني أستطيع سؤال كاسرة وليس ابني!!
وأعلم أنها ستجيبني ودون مواربة..
فهذه الصبية أصبح يربطني بها علاقة فريدة خليط من الأبوة والصداقة المتينة..
ربما أني الآن أعرفها أكثر مما يعرفها كسّاب!!
فهذا الفتى الغبي مازال لا يعرف قيمة الجوهرة التي بين يديه..
كنت أظن أن الزواج سيعقله.. ولكنه مازال كما كان..
في حياته قلق لا تعلم ماهو..
أقول ربما لو أصبح أبا فأنه سيستقر ويرتاح..
وبقدر سعادتي بعودة المياه لمجاريها بين كساب ومزون..
بقدر رغبتي لو أنه يولي كاسرة بعضا من اهتمامه بمزون..
فمزون لديها أنا وهو وعلي.. بينما كاسرة ليس لها سواه!!
أما رغبتي أنا.. حــفــيــد..
هل أطلب الكثير.. أريد حفيدا.. ليس بالعسير على رب العالمين لو أن البشر يعلمون هذه النعمة..
ومنذ رأيت تأخر حمل كاسرة.. بدأت أشدد ضغطي على علي..
وبالفعل علي ليس ككساب.. فهو يكاد يرضخ تحت ضغطي
أعلم أني أستغل طيبته ..
ولكن ما السوء في استقراره ومن ثم حصولي على حفيد؟؟
***********************************
ست أشهر مضت منذ عادت المياه لمجاريها بيني وبين كساب..
يا الله كم كانت الأشهر الماضية سعادة بالغة لم أشعر بمثلها في حياتي كلها..
ولكن لأعترف أني مع سعادتي أشعر بالغيرة من كاسرة..
وفي ذات الوقت لا ألومها لو شعرت بالغيرة مني..
أغار منها لأنها باتت تجلس مع والدي وتتحدث معه أكثر مني بكثير..
تقريبا طوال بقائه داخل البيت.. بينهما حديث لا يتوقف حول كل شيء
الاقتصاد والسياسة والمجتمع وحتى الذكريات التي تجمعه بجدها..
بالطبع علاقتي بوالدي فريدة جدا..
ومع كثرة ما أتكلم معه لم يكن بيني وبينه هذا الحديث الذي يكاد لا ينقطع وهو ينثال بحماس.. كما يحدث بينه وبين كاسرة..
وفي ذات الوقت.. لا ألومها مطلقا لو شعرت بالغيرة مني..
فأنا أشعر كما لو كنت أستولي في كساب على اهتمام هو من حقها..
فكساب يوليني اهتمام مبالغ فيه.. كما لو أنه يريد تعويضي عن جفاء وجفاف كل السنوات الماضية..
في كثير من الأحيان.. هو من يأتي لأخذي من الجامعة..
ولأن موعد خروجي مسائي وأحيانا ليلي..
فهو كثيرا مايصر أن نتوجه للقهوة وأحيانا للعشاء في مكان ما!!
أعترف اني كنت أحيانا أرفض بإصرار.. وأقول الليلة ليكن الخروج معك لكاسرة..
فيرد علي: أنتي الآن معي وهي في البيت!!
في الليل لابد أن يمر بي قبل أن يتوجه لغرفته.. ويجلس لنتحدث قرابة الساعة..
الغريب أنه يحدثني عن كل شيء.. كل شيء..
إلا.. عــنــهــا.. كاسرة !!
بقدر ما أعرف كاسرة من نفسها مباشرة.. بقدر ما أجهلها بعينيه..
فكاسرة شخصية صريحة مستقيمة لا تعرف التلوي..
والإنسان الذي لا يعاني من عقدة نقص يسهل عليه جدا التعامل والتآلف معها..
ولكن من يعاني من إحساس النقص يستحيل أن يتقبلها..
لأن جمالها وذكائها يشعران من حولها بالخطر والضآلة..
وهنا أقول لو أن العلاقة لم تعد بيني وبين كساب بعد زواجه بفترة قصيرة..
لا أعلم كيف ستكون علاقتنا أنا وكاسرة...
لا أفترض سوءا بنفسي ولكني كنت أضع احتمالات فقط..
الآن علاقتي بها رائعة.. عدا ربما إحساس الغيرة غير المؤذي..
ولكن ما أتمناه بالفعل أن يمنحها كساب ماتستحقه من محبة..
وهي أيضا تمنحه ما يستحقه من المحبة.. وما يستحقه كساب كثير.. كثير جدا!!
وأتمنى أكثر من أي شيء أن أصبح عمة..
أحلم بذلك قبل خلافي مع كساب..
وحلمت به أكثر خلال فترة خلافنا..
وأحلم به الآن أكثر وأكثر...
دراستي رائعة جدا.. واستمتع بها جدا.. فيبدو أنني أتمتع بعقلية اقتصادية متميزة وابن الوز عوام !!
خُطبت خلال الفترة الماضية مرتين..
لم أصدق أن هذا سيحدث!!
شككت لفترات أن أبناء آل ليث هم أول وأخر من يخطبني..
وهذه المرة جاء ابن لتاجر كبير من أصدقاء والدي..
وبعده بفترة دبلوماسي من أصدقاء علي..
الخياران كل واحد على حدة كانا يبدوان مغريين..
صليت الاستخارة.. وصرفني الله عنهما..
مع أنني في تفكيري المبدئي لم أكن رافضة لأي واحد منهما..
ولكن كان للخطبتين تأثير رائع على نفسيتي..
فمهما كان إحساس الأنثى أنها مرغوبة يدفع بثقة جميلة في روحها..
رغم أنني وللحق لست بحاجة لهذه فأنا ولله الحمد متوزانة الآن نفسيا تماما بدراستي وعلاقتي مع أسرتي..
وقبل كل شيء إحساسي برضا الله عليّ...
************************************
الأشهر الماضية كانت فترة سعادة غامرة لي...
لم اشعر بهذه الراحة منذ سنوات.. والحال يستقر بين مزون وكساب لتستقر حال الأسرة كلها..
ترقيت قبل عدة أشهر لمرتبة أخرى في السلم الدبلوماسي..
وأصبح عملي أيضا أكثر استقرارا..
وربما كان هذا سلاح جديد يستخدمه والدي ضدي..
وكأنه كان يحتاج أصلا لسلاح !!
فهو يعلم كم أنا أحترمه وأحبه ويؤلمني قلبي حين أجعله يلح علي وأنا أشعر أني مصدر قلق له..
لا أريد الزواج الآن.. أين المشكلة؟؟
المشكلة هي أنني أكاد أوافق من أجله حتى أريحه..
فليس لي طاقة أكثر بالتهرب منه..!!
************************************
علقت نجمتي الثالثة منذ حوالي أربعة اشهر..
وأصبحت نقيبا..
ارتاح بالي من هذه الناحية..
والحال مستقر بأسرتي كلها والحمدلله..
والدتي تحسنت صحتها كثيرا..
والدي لم أراه بهذه السعادة منذ سنوات..
عالية أكملت دراستها واستقر بها المقام..
حتى هزاع الذي كان يشكل قلقا لنا.. هاهو يستقر في دراسته..
عبدالله وصالح كلاهما لاه وسعيد في حياته العملية والأسرية..
إذن ماذا تبقى بعد هذا السرد الإذاعي الأشبه برسالة تُرسل لمغترب؟؟
تبقى أنا؟؟ وكثير هو ما تبقى لـ "أنا"
في داخلي أشعر أن شيئا مهما ينقصني..
أقول ربما هي الحاجة لإنشاء الأسرة وأنا أدخل أعتاب التاسعة والعشرين..
ولكني أعود لأقول أنني لا أنفع لأكون رب أسرة..
ليس لأني كثير الخروج أو قليل الالتزام.. فأنا أبعد مايكون عن هاتين الصفتين..
ولكن لأني أعلم أنني جلف إلى حد كبير!!
أخشى ألا أكون قادرا على تقديم الحنان لزوجتي وأولادي..
لا أنكر أنني أشعر بحاجتي لشريكة الحياة كأي رجل طبيعي..
ولكني أحاول أن أؤجل هذا التفكير..
لا أعلم حتى متى..فهل ستصبح لي شخصية جديدة أكثر حنانا مثلا؟؟
لا أعلم ماذا أنتظر وخصوصا مع إلحاح والدي ووالدتي كما يفعل كل الاباء..
وكأن كل المواضيع في الحياة انتهت وماعاد يوجد إلا موضوع الزواج!!
وخصوصا مع اقترابي من الثلاثين..
وماذا إن أصبحت في الثلاثين أو تجاوزتها؟؟
هل أنا فتاة يُخشى عليها العنوسة؟؟!!
**********************************
**********************************
ستة أشهر مضت منذ سكنت بيتي..
الحياة مستقرة رائعة كما تبدو..
زوج محب.. وطفلان رائعان.. وبيت جميل أثتته كما أريد تماما..
ولكن أبدو كمن يبحث لنفسه عن الهموم والمشاكل... لذا يكبر صغائر الأمور..
غريبٌ أن أعترف بذلك!!
فمن لديه هذه المشكلة يكون غالبا لا يعرف ذلك.. بل يرى أن هذه المشاكل هي فعلا مشاكل..
لكن أنا أعترف أني افتعلها.. ولا أعلم لماذا؟
هل عدم حملي هو السبب؟؟
هل إحساسي هو بالفراغ؟؟
أم أن لشكوكي أساس فعلي؟؟
طفلاي ماعادا يأخذان من وقتي إلا القليل...
فالله رزقني طفلان ذكيان هادئان.. وولله الحمد على عكس ما أراه في كثير من أطفال معارفي!!
في الدراسة لا يتعبونني.. وبعد ذلك مع والدهما أو يلعبان بهدوء ودون شجار بينهما..
يأكلان لوحدهما.. ويلبسان لوحدهما!!
إذن ماذا أفعل أنا؟؟
أبدأ بالهواجس والتفكير..
أحاول إبعادها فأفشل.. فيكون النكد من نصيب صالح!!
أصبحت أصيبه بالجنون لكثرة ما أتصل فيه هاتفيا كلما خرج.. حتى لو كنت في بيت أهلي أو أهله !!
"مع من أنت؟؟
أين أنت؟؟
ماذا تفعل؟؟"
مؤخرا عرض علي أن يجد لي عملا بالشهادة الثانوية.. أمر أشغل نفسي فيه!!
ولكني رفضت..
"لماذا يريديني أعمل؟؟
لماذا يريديني أن أنشغل؟؟
وماهو الذي يخطط له؟؟"
**************************************
ست أشهر مضت منذ بدأت تظهر حالة جنون نجلاء الجديدة..
في البداية كنت سعيدا..
فمن لا يسعد بغيرة زوجته واهتمامها به.. وبنفسها من أجله!!
ولكن مازاد عن حده انقلب ضده..
فغيرتها بل شكوكها باتت غير طبيعية..
مطلقا لم أعد أذكر رغبتي بطفل جديد.. بل أغلق الموضوع لو فتحته هي..
لأني أخشى أن يكون هذا الأمر هو السبب..
أحيان كثيرة لم أعد أرد على اتصالاتها لأنها تحرجني وأنا في المجلس..
رغم أني سابقا كان يستحيل أن أتجاهل أي اتصال لها..
ولكن الآن ما أن أرى اسمها حتى أزفر بملل..
لأني أعلم أنها ذات الأسئلة التي لا تمل من تلقي ذات الاجابات عنها..
"أين أنت؟؟ وماذا تفعل؟؟"
نجلاء لم تكن هكذا مطلقا.. كنت أظن أن دخولنا لبيتنا.. سيكون هو نهاية لكل مشاكلنا..
لم أعلم أنه سيكون بداية لها..
حتى حينما عرضت عليها أن تعمل لأني قلت ربما إحساسها بالفراغ مايدفعها لذلك..
ثارت علي بشدة.. واتهمتني أنني أريد ألهيها لأغراض دنيئة..
أي أغراض هذه؟؟ لا أعلم !!
*********************************************
*********************************************
تمر الحياة وأنا من رحلة إلى رحلة..
يوما في أوسلو.. وآخر في بومباي!!
بقدر متعة هذا العمل.. بقدر ماهو منهك ويسرق الحياة..
أشتاق كثيرا لأخوتي الصغار مها وصالح حين أسافر..
ولكن من أنا مشتاق لها أكثر هي سميرة...
بيتنا فقد روحه من بعدها.. لتنتقل هذه الروح إلى بيت تميم..
وسبحان الله ربما كانوا في حاجة روحها الشفافة مع المصيبة التي ألمت بهم!!
ولكن ماذا أفعل أنا حين أعود للبيت..؟؟
أمي مشغولة على الدوام بالصغيرين..
ووالدي عنده اهتماماته ووارتباطاته..
وسبحان الله أيضا الذي رزقنا بهذين الصغيرين على كبر والدتي..
فلولا وجودهم الله أعلم كيف كان والداي ليحتملان غياب سميرة وسكون البيت!!
أفكر أن أعمل شيئا يغير من روتين حياتي..
أقول أدرس شيئا معينا.. أحضر دروسا في التفسير أو الحاسوب..
لأجد أن هذه فكرة فاشلة..
فجدول رحلاتي متغير وأحيانا تبرز رحلة فجائية من هنا أو هناك!!
وهذا لا ينفع لجدول دراسي..
أقابل كسابا من وقت آخر.. وخصوصا بعدما أصبح بيننا نسيب مشترك..
شقيق زوجته.. وزوج شقيقتي..
وكثيرا ما تعاودني الرغبة أن أعاود خطبة شقيقته..
وأقول أن سبب رفضهم لي كان دراستها.. والآن مرت أشهر طويلة..
كم تبقى لها؟؟
فصل ونصف؟؟
ولكني أعود لأقمع هذه الرغبة بقسوة..
فربما لم تكن هذه الدراسة سوى عذر لرفضي!!
********************************
*********************************
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك