بارت من

رواية بين الامس واليوم -94

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -94

أتمنى أن تكمل دراستها لأني حينها سأشعر أنني أصلحت كل أخطائي..
وربما ينهار حينها كل مايبعدها عني!!
ومازلت مصرا أن تكمل.. ولكن مع حالة عبدالرحمن الفكرة بأكملها مؤجلة حتى يمن الله عليه بالشفاء..
حتى الحمل.. لم أطلب منها أن تترك المانع.. لأني لا أريد اجبارها على الحمل في ظروفها الحالية..
وبقدر ما أتمنى طفل آخر منها.. أكون معها في حمله يوم بيوم..
بقدر ما أنا قلق ألا نكون مع حالتنا غير الطبيعية أهل لهذا الأمر..!!

**********************************
**********************************

ستة أشهر مضت..
خلال هذه الأشهر الستة اختلطت السعادة بالحزن في أقصى معاني كل منهما..
سعيد أنا بل في غاية السعادة لانصلاح الوضع بيني مزون.. وعلاقتنا الفريدة تعود لسابق عهدها..
بل أقوى مما كانت..
لأن التجربة القاسية التي مررنا بها.. صقلت هذه العلاقة وعمقتها!!
أما أيام الحزن فهي ماكانت قبل ستة أشهر تماما وماتلتها من أيام..
كأن ماحدث حدث بالأمس فقط..
حين تلقيت اتصالا من ثرثار ما..
"سيارة نسيبك توها سوت حادث قدامي
الحق على الرجّال.. الحادث شين والدعمة من صوب بابه.. يمكن إنه يودع الحين"
ربما هو قدر الله عز وجل لي أن أكون من يواجه المصائب في لحظتها الأولى..
فقد كنت قريبا من موقع الحادث أعاين أحد مشروعاتي..
حين وصلت كانوا يخرجونهم من السيارة..
حين رأيت السيارة.. أصبت بما يشبه الجنون وأنا أحاول الوصول لامهاب..
علمت أن من كان يقود يستحيل أن يعيش.. فالاصطدام كان بالكامل من ناحيته..
أردت فقط أن ألقنه الشهادة.. ولكن المسعفين صدموني أن من كاد يقود كان أسلم روحه فور الاصطدام..
لأتفاجأ بالصوت الجزع الخائف المكسور الذي أعرفه جيدا يصرخ بجزع مؤلم:
العيال وينهم.. يا امهاب.. ياعبدالرحمن.. وينكم؟؟
امهاب طيب؟؟ يا امهاب؟؟ وينك يأبيك؟؟
كان يقف بين رجلي شرطة يريدون أن يقودوه لسيارة الأسعاف الثانية.. حتى يتأكدوا فقط من عدم وجود ارتجاج مخ فقط..
لأنه لم يصب حتى بخدش واحد..
اتصلت بعلي ليلحق بي.. وحتى يبق هناك حتى أوصّل الجد وأعود له..
وتبعتهم للمستشفى وبقيت معه حتى أعدته معي لبيتي.. ليس على لسانه سوى سؤال واحد..
"امهاب طيب؟؟ امهاب وينه؟؟"
لم أستطع أن أجيبه بشيء..وسؤاله يخنقني..أن ترى انكسار سنوات عمره الجليلة وهو يسأل كطفل مذعور!!
أحضرته لوالدي في المجلس.. ليتولى هو مسئوليته..
وتبقت أمامي المهمة الصعبة..
إبلاغ "كاسرة " ... لم أتخيل أن المهمة ستكون صعبة ومؤلمة حتى رأيتها تقف أمامي..!!
كانت تذهب وتعود وهاتفها بيدها.. تنتظر اتصالا من والدتها يبلغها عن سبب تأخر جدها وشقيقها..
حين رأتني وقفت وسكنت.. لدرجة أنني شككت أنها توقفت عن تنفس الهواء..
كنت أنظر لها وأهمس ماذا ستفعل هذه القوة في خضم الحزن؟؟
وكيف تعرف هاتان العينان الدموع؟؟
همست بصوت مبحوح وكأنها تسبر خفاياي: جدي لا.. جدي لا.. جدي لا..
همست لها بسكون: جدش طيب..
حينها جلست وهي تضع يدها على رأسها.. وتهمس وهي تتنتفس بعد الاختناق:
الحمدلله يارب..
ولكنها عادت لتقفز وتختنق من جديد: وجهك فيه حكي من يوم دخلت..
تميم فيه شيء؟؟
لا أعلم لِـمَ استبعدته هو بالذات؟؟ هل كانت تحميه حتى من مجرد الخيالات؟؟
لم أكن أريد إيذاءها ولكنها يجب تكون مع أسرتها الآن وهم يتلقون الخبر
همست بذات السكون: امهاب يطلبش البيحة..
لا أعلم ما الذي حدث لها.. كما لو أن أحدهم سحب لون وجهها وإشراقته فجأة..
و وجهها يتحول لشحوب أشبه بشحوب الموتى..
لم تبكِ.. لم تصرخ.. لم تندب..
كل ماقالته بنبرة ميتة: ودني لأمي الحين....
كانت مزون تخبرني حينها.. أنها تخشى على كاسرة.. لأنها لم تر دمعة واحدة لها طوال أيام العزاء..
بينما كانت شقيقتها تبكي بهستيرية.. وأمها تبكي بسكون..
ولكن مالا تعلمه مزون.. أن كاسرة بكت طويلا وكثيرا..
ليال كثيرة ماعدت أعرف عددها.. كانت تبكي على صدري حتى أشعر أن صدري غرق من غزارة دموعها..
وأنه احترق من لهيبها!!
في الليلة الأولى حاولت أن تهرب عني بدموعها.. كانت تبكي في خفية عني..
ولكني اقتحمت خلوتها..
بكاءها مؤلم خافت أشبه بالأنين.. بل كانت تئن فعلا.. كما لو أنها تنزف دمها مع دموعها..
لم أسمح لها بالهروب.. ربما أكون حاصرتها..
وأنا أشدها رغما عنها لاحتضنها وأسكن نشيجها...
كما فعلتُ في كل ليلة بعدها..


**************************************


ستة أشهر مضت..

وماعاد شيء كما كان..
حياتنا كلها تغيرت من بعدك..
يا الله ما أقسى مرارة بعدك.. والأقسى كان كتماني لمقدار وجعي..
طوال أيام العزاء كنت أتماسك..
أحاول أن أكون صمام الأمان..
كنت أعلم أن والدتي تنتظر انفجاري لتنفجر.. كما كانت وضحى تنتظر انفجار والدتي لتنفجر هي بدورها..
بينما أن كان صمام أماني هو جدي..
لو أني رأيت دمعة واحدة تخر من عينيه.. لا أعلم ما الذي كان من الممكن أن يحدث لي..
ورغم محاولات التماسك في العزاء وأمام والدتي..
إلا أنني بعيد عنها.. بكيت.. بكيت كثيرا.. بكيت كأن هذا الوجع مخزن في روحي منذ دهور!!
كساب رفض قطعيا أن أبات في الأيام التي تلت رحيل امهاب بعيد عنه..
لا أعلم هل كان يخشى من انهياري بعيدا عنه..
أم كان يريد أن يكون شاهدا على هذا الانهيار؟؟
حاولت كثيرا اقناعه أنني لابد أن أبات عند والدتي.. ولكنه رفض قائلا سأخذك الساعة الواحدة ليلا وأعيدك الساعة السادسة..
وفعلا كنت لا أغادر حتى أتأكد أن أمي ووضحى في فراشهما الذي بات فراش مشترك للألم...
وأعود لهم في وقت مبكر.. وأحيانا بعد صلاة الفجر مباشرة..
في أول ليلة حين تأكدت أنه كسابا نام.. اعتزلت في غرفة الجلوس..
كرهت أن يرى دموعي.. وربما خجلت أن أطلب مؤازرة لم أقدم له مثلها..
أطلقت العنان لدموعي التي كنت أشعر بها طوال اليوم كسكاكين على أعتاب عيني تمزقها لأنها تريد طريقا للنزول..
لأتفاجأ به يوقفني ويشدني إلى حضنه.. حينها انهرت.. تماما كما أراد أن يراني!!
بكيت وبكيت وبكيت وانتحبت وأفرغت كل طاقة الدموع عندي..
كما كنت أفعل كل ليلة وأنا أبكي على صدره حتى أنام وهو يهدهدني كطفلة!!
والغريب أنني كنت أصحو من النوم جزعة.. تخنقني الكوابيس..
لأجده مازال على نفس الوضعية الصعبة من الجلوس ومتيقظا.. كما لو كان يحرس حزني!!
يا الله يا مهاب.. أ كان يجب أن ترحل حتى تعلم مقدار غلاك!!
ليتك تعلم كم يأكلني الندم كل كل لحظة مرت عارضتك فيها..
على كل مرة وقفت في وجهك..!!
على كل مرة ضايقتك بعنادي..!!
لو كنت أعلم فقط أن بقائك معنا قصير هكذا..أقسم أنني لم أكن أضايقك بشيء..!
والإحساس الغريب الذي أشعر به.. أن مادام مهاب رحل دون أريحه بمهادتني!!
فليس هناك من يستحق بعده!!!
إن كان مهاب لم يحضَ بهذه المهادنة.. فلن يحضى بها غيره..
وخصوصا أن غيره لم يسع مطلقا لهذه المهادنة..
مازال غريبا غامضا كأول يوم عرفته فيه!!
مازالت العلاقة بيني وبين كساب كما هي.. مد وجزر!!
بينما كل شيء آخر في حياتي تغير..
أسرتي بكاملها انتقلت جواري.. وطلبت من كساب أن يفتح بابا بيني وبينهم يكون مفتاحه معي.. ففعل ذلك..
من الأمور التي أنا عاجزة عن شكر كساب عنها هو أنه حينما رأى ضيقي من حال أمي المتردي.. وعلم ببحث تميم عن بيت للايجار..
لأنه يريد بيع بيتنا.. وبناء بيت جديد على أرض اشتراها مؤخرا..
فعرض كساب على تميم بيته.. ولكن تميم رفض إلا أن يأخذ كساب الإيجار..
كساب وافق.. وقال له أعطني الإيجار الذي كنت ستعطيه لأي بيت آخر..
ولكن مالا يعلمه تميم.. أن المبلغ الذي يدخل لحساب كساب يتم تحويله لحسابي
لأن كسابا أساسا كان قد حلف ألا يأخذ شيئا..
وها أنا أعيد تحويل المبلغ ولكن بزيادة عليه إلى والدتي.. حتى لا تعلم أنه هو ذاته مبلغ الإيجار فيغضبون جميعا..
تسألني أمي دائما.. ماذا سأفعل بكل هذا المال؟؟..
فأقول لها أنا أعمل.. وكساب لا يقصر علي مطلقا..
وهذه حقيقة فعلا..
كساب من الناحية المادية لم أرَ أكرم منه!!
ولكن من الناحية العاطفية أعجز عن التحديد وتتساقط المسميات..
حينا غاية في الكرم..
وحينا آخر غاية في البخل!!
لا تمر ليلة واحدة لا نتعارك أو نختلف في الرأي أو نحتد..
ولكن يستحيل أن أنام أو يتركني هو أنام بعيدا عن حضنه..
من أطراف الحديث التي أسمعها من خالته عفراء.. شبه كبير بينه وبين عمه..
ولكن كما علمت من مزون وليس من عفرا فعمه.. كان عاشق متيم لا يتوانى عن التصريح بحبه لها..
لا أتخيل أن كساب قد يقول لي في يوم من الأيام أنه يحبني..
ربما أصاب بسكتة قلبية حينها من الصدمة!!
من أسوأ ماعانيته خلال الأشهر الماضية.. سفرات كساب المتعددة..
يسافر على الأقل مرة كل شهر.. وتمتد السفرة بين يومين لعشرة أيام..
حينها أشعر كما لو أنني مصابة بعدم التوازن.. الإحساس الذي لا يظهر لأحد ولا حتى له هو..
فربما نسيت.. أو تناسيت أني متيمة بهذا الكساب الغبي!!
لم أستغرق وقتا طويلا بعد زواجنا لأعرف كم أصبحت أحبه!!
يبدو كما لو كان طبخني على نار هادئة.. واستمتع هو كثيرا بهذا..
وفي الوقت الذي كان فيه هو طباخ ماهر.. وجعل مشاعري تنضج له كما أراد..
كنت أنا طباخة فاشلة.. لأني مازلت حتى الآن عاجزة عن مجرد إشعال النار تحت القدر.. فكيف بإنضاجها؟؟
مر على زواجي سبعة أشهر..
وأقصى ما أتمنى الآن هو طفل!!
لأني أعلم أن حياتي مع كساب سيأتي لها لحظة ما وتتوقف عند نقطة معينة..
لا أريد طفلا لأجبر كساب على يرتبط بي..
فأنا يستحيل أن أفكر هكذا..
وحتى لو فكرت فأنا أعلم أن كسابا لو أراد تركي.. فلن يربطه بي ولا حتى عشرة أطفال!!
أريد جزءا من روح كساب تبقى معي حين يتركني.. لذلك أريد طفلا منه..
كل شهر يمر تزداد لهفتي لهذا الطفل.. وكل شهر يمر يخيب ظني..
ومالم أخبر به أحد أني أجريت الفحوص لأتأكد من حالتي..
وقلت لكساب أني ذاهبة مع فاطمة لأنها هي من تريد إجراء فحوص..
وهأنا أنتظر النتائج بقلق !!


**********************************
**********************************


ستة أشهر مرت على ليلة زفافي..
ستة أشهر مرت على صفعته لي..
يا الله كم يبدو ذلك الزمن بعيدا..!!
وكأن تلك الليلة كانت بوابة ولوجي لحياة جديدة..
عدنا في الليلة التالية مباشرة حين علمنا بالخبر..
ويا الله ما كان أقسى تلك الأيام..!!
ومرارة الفقد تحول كل شيء عداها إلى شيء تافه حقير..
صفعة تميم لي وحتى شكوكه ماعاد لهم قيمة أمام كم الحزن الذي اخترقني وأنا أرى وضحى في انهيارها..
وأمي مزنة في تماسكها الهش.. وحتى كاسرة في صمودها الموجع..
والجد في حزنه الصامت العميق!!
وحتى تميم في انهياره الضائع..
حين أتذكر الحالة الهستيرية والقهر المرعب بل حالة الجنون التي أصابتني حين أخبرتني وضحى بشكوك تميم..
أجدها تبخرت أمام حزن تلك الأيام!!
ماعدت أستطيع أن أفكر دقيقة بنفسي وأنا أركض من مكان لآخر ونقابي على وجهي لأخفي آثار مابوجهي..
والجميع يظنه خجل عروس ماعاد يوجد مثله!!
كنت أقول سأبقى معهم حتى تمضي بهم سفينة الحياة قليلا..
فلا يمكن أن أكون قليلة الأصل وأتركهم وهم على هذه الحال..
ولكن الأشهر مرت ومازلت هنا.. وأنا أتولى مسئولية البيت كما هو مفترض من زوجة صاحب البيت..
والغريب أنني أبقى من أجل أمي مزنة فقط..
أصبحت أسعد لحظاتي حين أرسم ابتسامة على وجهها.. أو حين تنهرني بحنان "بس يا الخبلة!!"
من أجلها مستعدة أن أرتكب كل الحماقات.. وأروي كل النكت السخيفة حتى أرى واحدة من ابتساماتها المتباعدة!!
كنت أحبها منذ أيام صداقتي مع وضحى.. ولكن كانت محبتي لها كمحبة أم صديقتي اللطيفة بدون تمييز..
لكن حين سكنت معها وعرفتها... شيء عميق ربط بيننا..
باالتأكيد أحب أمي بجنون.. ولا أحد يشارك أمي مكانتها..
ولكن أمي هي الأم كما نعرفها جميعا.. حنونة.. متفانية.. بذلت كل جهدها لتربيتنا أفضل تربية !!
ولكن مزنة شيء مختلف.. مختلف.. شيء تريد التعلم منه والتماهي به
مزنة مقاتلة حقيقية..
واكتشفت أنها أورثت أبنائها كلهم ذات الروح المقاتلة..
حتى وضحى التي كنت أظنها لينة مهادنة.. هأنا أكتشفها من جديد في الحياة العملية..
لا يستطيع أحد أن يدوس لها على طرف.. أو أن يقلل من قدرها.. أو حتى يسيء إلى أحد من طلابها..
حينها من فعل ذلك سيندم على أنه تجرأ على مجرد التفكير بذلك..
العمل هناك متعة حقيقية.. وأنا أكتشف عالما جديدا كان مجهولا بالنسبة لي..
فرغم اهتمامي الغبي بتميم لكني لم أفكر مطلقا بتعلم إشارة واحدة..
لأني كان لدي حلم أكثر غباء أنه هو من سيعلمني لغته.. إشارة إشارة..
رسمت أحلاما ساذجة لليالي طويلة نقضيها سويا.. وهو يعلمني الإشارة ويكتب لي معناها..
ولكن الآن رغم أني أصبحت أعرف الكثير من لغة الإشارة وتعلمتها بصورة سريعة أثارت العجب..
إلا أنني يستحيل أن أشير بإشارة واحدة لتميم.. فذكرى إشارتي الاولى له لا أستطيع إزالتها من عقلي..
حتى وإن كنت ماعدت أحقد عليه بسببها.. ولكن ألم كهذا يصعب نسيانه!! يصعب نسيانه بالفعل!!
بيني وبين تميم لا يوجد شيء إطلاقا.. لا تواصل حميم بيننا كزوجين ولا بأي طريقة..
و الغضب... ماعدت غاضبة منه..
فمرارة الحزن طهرتني تماما.. فتميم كاد يموت من شدة الحزن لفراق أخيه..
وما رأيته فيه من الحزن والقهر جعلني أشفق عليه..
ولكن ليس إلى درجة إحياء مشاعري البريئة التي كانت له..
فهذه المشاعر ماتت واندثرت..
هانحن.. أنا وهو نتشاطر جناحا.. وأنا أهتم بكل مايخصه وترتيبه كزوج يفترض علي القيام بواجباته.. لكن عدا ذلك لا شيء بيننا..
أعلم أن أسرته تلاحظ ذلك.. فوضحى تعرف الحقيقة.. وأمي مزنة ليست غبية لتعلم أن هناك أمرا ليس طبيعيا..
والغريب أنه لا مانع لدي من المضي في هذه الحياة..
ماذا أفعل؟؟
أطلب الطلاق لأعود لأسرتي.. ثم ماذا؟؟
يجبر عمي خالد فهدا أو حتى هزاعا على الزواج بي ؟!!
أعلم تماما أن هذا ماسيحدث..
حالي هكذا أفضل بكثير... أعيش حياة استقلالية مع أسرة أحبها كثيرا.. أعني وضحى وأمي مزنة..
بل حتى تميم لو أراد أن نبني حياة زوجية كاملة معا فلن أمانع.. ولن أمنعه شيئا هو من حقه..
فلسنا أول زوجين ينشئان أسرة ولا وجود لأي حب بينهما..
وأنا أعلم أنه سيكون والدا جيدا.. فهو حنون ومتحمل للمسئولية من الطراز الأول..
وهذه صفات الوالد المفترض!!
ولكن تميما متنازل عن هذا الحق.. فربما يخشى أن يُصدم أنه ليس الرجل الأول كما يظن بي فتنهار مشاعره الهشة الرقيقة..
حتى أفكاره المريضة ماعادت تهمني..
ليفكر كيف مايشاء..
فأنا أصبحت أؤمن بالمقولة التي تقول "واثق الخطوة يمشي ملكا" مثل أمي مزنة تماما!!


*********************************


ستة أشهر مضت..

ستة أشهر مضت وأنا أشعر كما لو أن روحي شُطرت.. وجسدي شُطر
وكيف لا أكون من بعد "عضيدي" ؟!!
أصبحت أعرف الآن ألم من لا أخ له.. وإحساسه بالوحدة دون سند أو عضيد..
أصبحت أفهم جيدا المثل الموجع القائل : يد واحدة لا تصفق..
سابقا لأني أعلم أنه في البيت لم أكن أقلق على أمي وشقيقاتي إلا حين يسافر..
لكن أنا الآن في حالة قلق دائم..
رجل وحيد في بيت من النساء.. وأنا أوزع جهدي بين بيتي وبيت عمتي التي لها من قلقي نصيب وافر..
مرهق على الدوام.. ومشغول بعشرات الأشياء.. بين عملي وأسرتي وبناء بيتي!!
ولكن مايرهقني أكثر من كل الأشياء.... هــــي..
ســــمـــيــــرة..
حين أدخل للبيت أعلم اني سأجدها تضحك.. أو ربما تقفز على المقاعد..
أو تثرثر على أمي حتى تطردها أمي..
ولكني أعلم أيضا أنها فور رؤيتها لي ستنطفئ ابتسامتها المشرقة..
وتنزل عن المقاعد.. وتتوقف عن الثرثرة..
كما لو أنني جالب للكآبة من الطراز الأول!!
لا ألومها..فأنا حين أتذكر مافعلته بها.. أجدني عاجزا عن مسامحة نفسي..
فكيف تسامحني هي وأنا حتى لم أطلب السماح..
وكيف أجرؤ على طلب السماح؟؟
كما لو أنك تقتل إنسانا ثم تقول له أنا آسف.. سامحني..
كنت أتوقع أنها بعد مرور شهر أو شهرين على الأكثر ستطلب الطلاق
وكنت مستعدا لذلك..
ولكن الأشهر مرت.. وارتباطها بالبيت يتزايد.. وارتباط من في البيت بها..
وأنا على رأسهم..!!
لم أعد أستطيع تخيل بيتنا من غيرها..
فهي من تجعل أمي تبتسم..
وهي من تشعرني أن كل همومي تتضاءل حين أراها
وأنا أعلم عمق الجرح الذي تحمله في روحها ومع ذلك تبتسم!! وإن لم تكن الإبتسامة لي..
لو حدث وابتسمت لي يوما.. سأسجل ذلك التاريخ ضمن أهم التواريخ في حياتي..
مع تاريخ ميلادي ربما!!
فابتسامتها ستكون ميلادي الجديد الذي انتظره بشغف وقلق..
قلق لأني أعيش في رعب أنها سيأتي يوم تقرر فيه تركي.. وقبل أن تبتسم لي!!
أريدها أن تبقى في حياتي بأي صورة هي تريدها..
أنا حتى لم أجرؤ على تكدير طهرها بقبلة خوفا أن تتخذها عذرا لتهرب مني..
طهرها الذي ماعدت أشك فيه مطلقا.. بل أراهن عليه بحياتي!!
لو أن وضحى فقط لم تتدخل بيننا.. لا بإشارتها السخيفة.. ولا بإفشاء شكوكي بعد ذلك..
كنت لأعلم بعد العشرة أي مخلوقة طاهرة هي.. فمن يعرفها ويعيش معها يستحيل أن يتطرق إلى ظنه أي شك بها!!
ولكن مابت أشك فيه.. أنها أصبحت خبيثة بل مجرمة خبيثة!!
وإلا فما معنى تباسطها في اللباس أمامي في الأونة الأخيرة..؟؟
بعد أن كانت طول الأشهر الأولى بالكاد أرى اطراف أصابعها وهي في بيجامات طويلة واسعة..
لا أعلم هل تتصرف بعفوية لأنها اعتادت عليّ وعلى وجودي.. أم أنها تتصرف بخبث مقصود أو غير مقصود؟؟
الآن أصبحت العودة المسائية للبيت بمثابة الاستعداد لليلة جديدة من التعذيب
رغم أن كل ماترتديه هو محض بيجامات تشبهها فعلا بشقاوتها وحيوية ألوانها وقصاتها..
بعيدا عن تلك البيجامات الكئيبة التي انا أشتاق لأيامها الهادئة..
مع أنني حتى في كنت في تلك الأيام أحترق وأتصبر..
ولكني الآن أترمد... أترمد وأخشى أنه ماعاد للصبر عندي مدى طويل!!
أما أغرب مايحدث بيننا.. أنها ترفض أن تستجيب لإشاراتي مع أني أعلم أنها أصبحت تفهم لغة الإشارة بشكل ممتاز وتشير بشكل جيد..
بل تصر أن نتواصل عن طريق الكتابة !!
وهذا التواصل اساسا هو في حدوده الدنيا..
" أين ساعتي الفلانية؟؟
أين وضعتِ أوراق عملي التي أحضرتها بالأمس؟؟"
وهكذا...
لا أعلم ماذا تقصد من ذلك..
ربما هي رسالة أنها لن تتواصل معي بطريقتي.. لأنها لا تريد صاحب الطريقة بل تنتظر الفرصة للتخلص منه!!


*******************************
********************************


هأنا أكاد أدخل شهري التاسع..

وأخيرا.. يا الله هونها علي!!
مضت علي أشهر الحمل الماضية ثقيلة طويلة..
فحملي كان غير مستقر.. والأطباء منعوني من الحركة..
لذا حتى عملي الذي تخاصمت مع منصور من أجله لم أستطع أن أذهب إليه وأنا أقدم على إجازة طبية مشفوعة بالتقارير..
وكأن منصور يهتم؟!!..
أشك في أحيان كثيرة أن منصورا نَسيني!! رغم أنه عن بالي لا يغيب مطلقا!!
لم يحاول مطلقا مصالحتي حتى بعد انتهاء أيام وحمي المريعة.. وحاجتي له مع حالتي الصحية المتدهورة..
لم يكلمني ولو لمرة واحدة ليسأل عن حالي..
أعلم أنه يكلم الجميع حتى جميلة ولكن أنا لا..
بل أنه ذهب لزيارة جميلة ست مرات خلال الأشهر الماضية.. مرة كل شهر.. وكأنه يريد أن يغيظني لأني عاجزة عن السفر..
والغريب أن جميلة باتت مفتونة به تماما.. ولا يغيب عمها منصور عن لسانها لدقيقة واحدة طوال مكالمتي لها..
هذا ماكان ينقصني.. أن تقف ابنتي في صفه!!
بل هي الآن أصابتني بالجنون لكثرة ما تتهمني أنني من أخطأت في حق عمها العزيز منصور وأني من يجب أن أعود له..
لأنها تريد ان ترانا سوية حين تعود للدوحة...
ماذا أقول لها؟؟
أ أقول أنه لم يبذل أي محاولة لنكون سويا؟؟
رغم أني تعبت وأنا أنتظر تذكره لي!!
يبدو أنها حين تعود للدوحة ستضطر لرؤيتنا كلا على حدة..
يا الله لا أتخيل أنني سأراها أخيرا.. أكاد أموت شوقا لها..
مضت ثمانية أشهر منذ آخر مرة رأيتها..
أشعر أن الأيام القليلة المتبقية على عودتها لا تريد أن تمضي أبدا..
أريد أن أراها.. أخبرتني أنها استعادت وزنها بالكامل..
كنت أريد أن أراها عبر كاميرا الحاسوب ولكنها رفضت..
قالت أنها تريد مفاجئتنا...
وكم طال اشتياقي لهذه المفاجأة!!


*******************************


هذه الليلة أنا غاضب..
غاضب من الجميع.. من زايد ومن علي ومن مزون ومن جميلة..
كلهم كانوا يعلمون بحال عفرا الصحي السيء ومع ذلك لم يخبرني أحد..
كلما سألتهم عنها أجابوني باللباقة المقيتة "على خير حال!!"
وأما من كنت أتحاشى سؤاله.. فهو من أخبرني بالحقيقة..
طوال الأشهر الماضية لم أسأل كساب عن حال خالته.. كنت أسال الجميع إلا هو..
لأنني أعلم إن سألته.. سيجدها فرصة ليسمني بكلامه الملغوم وفي النهاية لن أخرج بفائدة.. فلماذا أسأله أساسا...
لكن الليلة لم أجد سواه في المجلس..
ولم أطق صبرا ألا أسال..
لينظر لي بطريقته التي أكرهها لأنه تشبه طريقتي الباردة المتكبرة:
مهتم يعني ياعمي؟؟ بصراحة ماقصرت!!
أجبته بغضب: أنت بتحكي مثل الأوادم وإلا ليتتك كف على وجهك أعلمك السنع..
أجابني ببرود ساخر: لا كف ولا شيء.. وليش الخساير.. كلها كلمة ورد غطاها..
خالتي تعبانة واجد مثل ماكانت طول الشهور الماضية.. وأنت زايدها عليها باهتمامك الواضح فيها!!
حينها قفزت وأنا أصرخ بغضب أشد: أشلون تعبانة واجد على قولتك وأنا كل يوم مافيه حد ماسألته..
وكلهم يقولون إنها طيبة..
نظر لي بنصف عين : مافيه حد ماسألته عنها ؟!!
وأنا يا ترا كنت من ضمنهم؟؟ أو أنت سألتني أنا عنها؟؟
أنا ماني بمسؤول عن اللي هم قالوه لك..
حينها لكزته في كتفه بغضب: أنت أكيد تكذب علي.. مستحيل كلهم يكذبون وأنت الصادق..
حينها اعتدل وهو يهتف بغضب مشابه لغضبي:
أنا ماقلت إلا الصدق.. وأنت صدق اللي تبي..
خالتي حملها كان غير مستقر.. وممنوعة من الحركة بعد..
يعني لو خالتي طيبة على قولتك.. وش لدّها تروح لبنتها وهي كبدها تقطع عليها؟؟
وش لدّها ماتروح لشغلها؟؟
حينها صمتت.. كانت هذه الأسئلة تدور برأسي..
وجرحني لأبعد معرفتي أنها لم تذهب لمدرستها.. وأنا أقول:
كانت المدرسة مجرد عذر اخترعته للهرب مني!!
سعيدة بتركي بينما أنا أموت في اليوم ألف مرة بعيدا عنها..!!
أما عدم سفرها لجميلة.. فجميلة قالت لي أنها حلفت عليها ألا تحضر من أجل حملها..
ولم أتخيل أن هناك تفسيرا آخر..عدا مصاعب الحمل العادية!!
انتفضت بغضب عارم وانا أصرخ في كساب:
قوم ادع لي خالتك تجيني في مجلس الحريم الحين...


*********************************


مضت ثمانية أشهر بالتمام والكمال..

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات