رواية بين الامس واليوم -93
زايد بمباشرة صريحة: أبي أدري وش فيك نقص ماتعرس.. ناقصك يد ولا رجل؟؟
علي يضحك: ناقصني أني أكون أنا أبي أعرس.. مالي مزاج يا أبو كساب..
لا اشتهيت العرس.. جيتك بروحي وقلت زوجني.. وعد علي
وأنت ريح بالك مني.. أنا مرتاح كذا..
************************************
" هاجهزتي لنا القهوة والقناد والبزار اللي بنروح به معنا!!" (بزار=بهار مشكل)
عالية بتأفف: يعني إلا تذكرني بالمغثة.. تو الناس باقي 3 أسابيع على روحتنا..
نايف يبتسم: يا بنت أختي العزيزة.. خلني أنبهش من بدري.. لا تورطينا مثل السنة اللي فاتت..
جبتي لنا بزار اللي يعز النعمة.. سويت ريجيم بسبته..
عالية تضحك: وش أسوي.. كل سنة كانت نجلا هي اللي تولى المسئولية
والسنة اللي فاتت يوم رحنا.. كانت توها زعلانة من صالح وطافشة بيت أهلها
استحيت أقول لها.. تخيل أنا استحيت!!
إلا المسكينة طلعت مجهزة كل شيء مثل عادتها.. ويوم سافرت اتصلت فيني في زعلانة..
قالت لي يعني عشاني زعلانة مع صالح بأغير عادتي معش كل سنة..
نايف بابتسامة: واللي طاح فيها أنا المسكين..
عالية تبتسم: لا تسوي فيها شهيد بزاري.. لأنك كان باقي تلحس الصحون
ثم أردفت بتحذير وهي تتذكر شيئا: شوف قبل ما تحجز.. تأكد إن فهد بيكون رجع من دورته..
لأني مستحيل أروح ماشفته.. حتى لو أجلنا السفر شوي!!
نايف بمودة: فهد راجع بعد أسبوعين وسفرنا بعد ثلاث أسابيع..
عالية تسأله: زين بتكون خلصت موضوع البيت..؟؟
حينها هتف نايف بضيق: الموضوع تقريبا خلص.. باقي بس استلم الفلوس وأسلمها للمحكمة تقسمها..
يا الله عالية ما تخيلت أني باتضايق كذا لا بعت البيت عشان خواتي زعلانين..
عالية ترفع يديها للسماء: يارب يقعدون زعلانين ويفكونك من شرهم!!
نايف ينهرها: عيب عليش.. خالاتش ذولا.. وخواتي.. وما أحب حد يقول عليهم شر.. يعني عشان يحبوني..
عالية تهز كتفيها: هذي مهيب محبة طال عمرك.. هذا تملك..
يا أخي هم مهوب قادرين علي عيالهم ورياجيلهم..
متشطرين عليك.. عشانهم يشوفونك طيب وما تحب تحزنهم..
ثم أردفت بحماسة: خلاص لما ترجع المرة الجاية.. بتدور بيت!!
ابتسم نايف: لا من الحين بأعطي أبو صالح وكالة.. وطلبت من صالح يدور لي بيت زين على راحته..
ما أبي أشغل نفسي بذا السالفة..
عالية تبتسم: الله يانايف ماني بمصدقة إنه ماعاد باقي علي إلا فصل واحد وأخلص.. حاسة أني أدرس عمري كله..
نايف (بعيارة): هذا كله استعجال على الدكتور عبدالرحمن؟؟
نظرت له عالية بنصف عين: عندك مانع يا أفندي؟!
نايف يقف وهو يبتسم: لا ماعندي مانع.. ولو عندي مانع بتأكليني بقشوري أصلا...
عالية تقف معه وهي تهتف بابتسامة: وأنت فصل عقبي وتعرس بعد..
لا تبكي لا تبكي من الحرة...
نايف يهز رأسه رفضا: لا طال عمرش.. أنا توني.. وعاد وراي دكتوارة..
تبين يعني بعلش أحسن مني؟!!
*****************************************
" شوفي يام عبدالرحمن.. ترا من بكرة بأجيب المهندس
عشان يشيك على المكان
أبي أسوي الطابق اللي فوق كله لعبدالرحمن
وغرف البنات انقليها تحت"
أم عبدالرحمن تبتسم: تو الناس يا ابن الحلال..
أبو عبدالرحمن بحزم: لا تو الناس ولا شيء.. أول ما ترجع مرته من السفر بنحدد موعد العرس..
حينها همست أم عبدالرحمن بخجل: زين دامك تبي ننقل غرف البنات تحت..
شعاع من زمان وهي تقول إنها تبي تغير غرفتها..
أم عبدالرحمن انكمشت قليلا حين رأت انعقاد حاجبيه.. وظنت أنه سينفجر فيها
ولكن الغريب أنه أجابها بذات الحزم وبقوله: خليها تغيرها على كيفها..
بس أنا اللي بأوديها تتنقى.. ولو تبي تغير الديكور والحمام بعد ماعندي مانع..
وحتى جوزا لو بغت تسوي شوي في غرفتها مايهمها من المصاريف..
عشان لاجات عندنا أو تنفست عندنا عقب الولادة إن شاء الله.. تعين المكان اللي يريحها..
****************************************
" الحين يا اللزقة.. أقول لك بانزلك بيتك.. تقول لا..
ما يكفيك أنك رحت معي لموعد جدي.. وصدعت رأسي بهذرتك وجدي يسوي العلاج الطبيعي..
وهذا احنا راجعين.. وعادك ماتبي تتخلص..
تراني مافيني ريحة آل ليث عشان تلزق كذا؟؟"
عبدالرحمن بمرح: ياحي الطاري بس.. وش أسوي ماعندي غيرك أتسلى به..
خل بنت آل ليث لين تخلص دراستها وربي يفرج علي وأعرس
وعقبه بأتفل في وجهك!!
مهاب يبتسم: خوش دكتور.. مايعرف من الثقل إلا اسمه..
عبدالرحمن بابتسامة: أنا ما أدري وش تفسيركم للدكتور... نظارة وتكشيرة..
ماعليه النظارة ومشينا الحال.. بس عاد التكشيرة وثقل الطينة خليتهم لك..
مهاب بذات الابتسامة التي تكون حاضرة دائما مادام يتحاور مع عبدالرحمن:
تدري يا الدب.. لو خالد آل ليث عنده بنت ثانية.. كان نشبت في حلقهم يزوجوني عشان أصير عديلك وأغثك..
عبدالرحمن يضحك: غاثني بدون شيء.. ومصنع مرتي سكر عقبها لأنها نادرة..
وإلا وش رأيك يبه؟؟
قالها وهو يتقدم قليلا ليستند على مقعد الراكب الأمامي حيث يجلس الجد جابر
الذي أجابه بتأفف: رأيي.. إنه رأسي آجعني من هذرتكم.. عاد حن مبطين؟؟..
أبي الحق على صلاة المغرب في المسجد..
مهاب بمودة واحترام: خلاص يبه عشر دقايق وحن في البيت طال عمرك.. وقبل المغرب إن شاء الله..
لم يكد مهاب ينتهي من عبارته.. حتى تعالى صراخ عبدالرحمن بالتحذير الجزع:
امــــهــاب..
انـــتـــــــبــــه !!
انـــــــتــــــــبـــــــه!!!
#أنفاس_قطر#
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاصل إعلآني ^_^ / ..
جميع الحقوق محفوظة لدى : || شبكة ومنتديـآت ***** الثقــآفيـة || ..
تجميع : ♫ معزوفة حنين ♫..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين الأمس واليوم الجزء الخامس والخمسون
ست أشهر مضت.. منذ ارتحل..
تمر الأيام علي بطيئة متثاقلة..غاية في الثقل!!
هي كانت من قبله تمر بطيئة!!
وأنا أدعو الله أن يأخذ أمانته بعد وصلت أرذل العمر.. واشتقت إلى لقاء ربي!!
فكيف من بعده؟!! كيف من بعدك يا بني؟؟
أصبحت أشعر بشروق الشمس وغيابها سكاكين تنغرز في روحي..
لأني أعلم أن هذا يوم جديد يمر علي من بعده!!
عمري ضعف عمره مرتين..
والحياة كلها كانت أمامه.. بينما أنا حياتي أصبحت خلفي!!
ومع أن ذاكرتي كانت بدأت تضعف ومنذ سنين.. لكن منذ غادرني..
وذكرياتي معه.. حتى تلك التي كنت نسيتها.. تمزقني وأنا أستعيدها مرارا وتكرارا..
حفيدي الأول.. وفرحتي الأولى.. الولد الذي لم يرزقني الله به
أذكر أول مرة حملته وأنا أكبر في أذنه وادعو له بالصلاح..
وكم كان صالحا وبارا..!!
كلماته الأولى ومناغاته ترن في أذني ولا تفارقني..
حين قال (أبي) قالها لي... فلم يكن له أب غيري.. فقد وُلد يتيما..
وحتى بعدها كنت أنا فقط والده!!
حين خطا خطوته الأولى كان متجها لي..
ومنذ ضعفت وضعف بصري وهو من يقودني دون يتذمر أو يشكو.. مجرد طفل صغير حينها!!
لم يقل لي يوما أريد أن أذهب لألعب.. لم يتركني وهو جواري ملتصق بي.. فخذه الصغيرة ملتصقة بجنبي..
يا الله ماكل هذا الوجع!!
ارحم شيبي وضعفي.. ماعاد القلب يحتمل المزيد..ارحمني برحمتك..
وإن كان مازال في العمر بقية.. فمنَّ علي بنعمة النسيان التي باتت حلما بعيدا المنال..
يا الله ياكريم
إذا كنت قد أذقتني حسرة فقد ولدي..
فلا تذق أبا عبدالرحمن مثلها!!
يكفيه رؤية عبدالرحمن حي ميت طوال الأشهر الماضية..
يا الله لا تذقه الحسرة التي ذقتها!!
فإن كنت أنا أستطعت الاحتمال.. فهو لن يحتمل فراقه.. لن يحتمل!!
ست أشهر مضت منذ تركني..
حاولت الاعتصام والصبر والتجلد وأنا أقول هذا قدر الله وحكمته
وإن كان قد أخذ ابني.. فلحكمة منه سبحانه!!
وأنا مؤمنة ومصلية..
وأعلم أنه إن شاء الله في خير حال في عالم خير من عالمنا..
هكذا كنت أصبر نفسي..
ولكن كيف للقلب المكلوم أن يستوعب كل هذا الوجع؟؟
كيف له أن يستوعب خلاء المكان بعده؟؟
أيام العزاء كدت أموت لشدة ماتجلدت..
وخصوصا وأنا أرى انهيار وضحى وعيناها تتبعاني أينما ذهبت..
وكأنني مصدر القوة لها.. تنتظر انهياري لتنفجر تماما..
تجلدت وتجلدت وتجلدت.. حتى ماعاد جلدي يحتمل التجلد.. وشعرت به يتفطر كما انفطر قلبي..
أصبحت هاربة على الدوام من البيت..
غالب وقتي أقضيه في بيت أم عبدالرحمن..
نتشاطر وجع ماعاد في الاحتمال.. في خفية عن الأعين التي تراقبنا..
كلانا نبكي ابننا الذي رحل.. ونبكي جزعا أن يرحل الآخر!!
كنت أكره أن أعود للبيت...
وكيف أعود وكل شيء هناك يذكرني به..
هذه الستائر هو اختار لونها.. وهذه الأرائك هو اشتراها..
بل حتى أواني المنزل كان معي عندما اشتريتها..
هنا جلست وهو يمر علي في الصباح.. مقبلا رأسي وأنا أدعو له بالتوفيق وبحفظ رب العالمين!!
وهنا جلست أنتظره عائدا من رحلته والقلق يعتصرني إن تأخر ساعة واحدة..
وهاهو الآن لن يعود مهما انتظرته..
بدأت الحسرة تأكل روحي شيئا فشيئا..
كرهت حالة القلق الذي أثرتها في أبنائي وأنا أظنهم لا يلاحظون..
لأتفاجأ يوما بهم ثلاثتهم.. بل أربعتهم وسميرة معهم.. يأتون لأخذي من بيت عمتهم بعد رحيل مهاب بثلاث أسابيع..
ويذهبون بي إلى بيت آخر..
إنه بيت كساب الذي عرضه على تميم حين علم أنه يبحث عن بيت ليأجره..
لم يسمحوا لي أن أعود للبيت حتى.. ولم يحضروا حتى قشة واحدة من بيتنا القديم..
حتى ملابسي لم يحضروها.. وكأننا نبدأ كلنا حياة جديدة..
خيرا فعلوا.. حتى وإن كانت ذكراه أبدا ثابتة كالوسم في الروح ولا أحتاج شيئا يذكرني..
ولكني كنت فعلا على وشك الإصابة بالجنون والذكريات تخنقني من كل ناحية في ذلك البيت..
هأنا أشغل نفسي بالكثير.. ختمت حفظ القرآن الكريم..
وهأنا أقرأ كل ليلة آيات كثيرة أدعو أن يكون أجرها لمهاب..
صبرني يا الله بعده.. وأدخله فسيح جناتك..
واللهم أرضه.. كما أرضاني..
اللهم أرضه.. كما أرضاني..
اللهم أرضه.. كما أرضاني..
************************************
يا الله يا امهاب ما أقساك!!
أ لم تقل لي دوما وأنا صغيرة.. إذا ضربكِ أحد ما.. فاخبريني حتى أضربه!!
وعدتني أنك ستدافع عني دوما..
فأين أنت الآن؟؟
هاهي الحياة تضربني وتصفعني وتركلني وجعا من بعدك..
وأنت لست هنا لتدافع عني!!
ما أشد مرارة الأيام بعدك.. مرارتها كمرارة العلقم الذي سكن روحي ورفض أن يغادر..
ظننت أني في لحظة من اللحظات سأموت لا محالة..
فما كنت أشعر به وجع ظننت أنه لن يسكنه إلا الموت..
ولكن سبحان الله!!
الحياة تستمر.. والمؤمن مبتلى!!
ومهما بدت الحياة صعبة بعد أحبابنا فهي تستمر!!
هانا أعمل.. وأدفن نفسي في العمل!!
أصبحت أشعر أن حياتي تتمحور حول هؤلاء الأطفال الصم..
سعادتي رهن بابتسامتهم..
وحزني الحاضر دائما رهن بدموعهم..
أقنعت سميرة أن تعمل معي..
وهاهو وجودها معي يخفف علي كثيرا من وجع الحياة!!
***************************************
***************************************
ست أشهر مضت وهو ذات الحال.. غيبوبة أشبه بالموت..
وإن كان هناك من يموت فهو أنا..والده..
أشعر أن أجزاء روحي تتساقط شيئا فشيئا مع كل يوم جديد يمر علي وهو لا تحسن في حاله..
بل أشعر أن مابات يحول بيني وبين لفظ أنفاسي الأخيرة.. وهو وجود أنفاسه في الحياة..
حالما تختفي هذه الأنفاس سأختفي معها..
لا أفارقه أبدا.... عدا ثلاث ساعات فقط بين منتصف الليل وقبل آذان الفجر..
أترك عنده أحد الصبيان وأطلب منه أن يتصل بي فورا لو حدث أقل شيء..
أعود لأبيت في مجلسي.. حتى يرى الجميع سيارتي أمام البيت..
خوفا على أهل بيتي... ولكني لا أستطيع حتى دخول البيت من بعده!!
الكل يحاولون في أن أغادر قليلا على أن يتنابوا معي..
ولكن لا أستطيع.. لا أستطيع مفارقته..
أعلم أني أهملت بيتي وبناتي.. ولكن أوصي تميما وعبدالله دائما في أهل بيتي..
والاثنان لا يقصران..
وخصوصا عبدالله الذي أعلم أنه من يتولى مسئولية البيت التي تركتها له..
لا أفارق عبدالرحمن لأني أخشى أن أتركه فيحدث أحد أمرين..
أما أن يتحرك أو حتى ترمش عيناه وأنا غير موجود..
أما ما أخشاه أكثر.. أن تحين ساعته وأنا لست موجودا حتى أوجهه للقبلة وأتشهد على رأسه مادام لا يستطيع التشهد..
كنت أحلم بأولاده.. فإذا الحلم يتحول فقط أنني أريده جواري على أي حال كان!!
حتى وإن لم يصح من غيبوبته.. ليبق جواري..
فأي حياة لا يكون هو فيها؟!!
************************************
ست أشهر مضت وابني في غيبوبته..
والغريب أنه خال تماما من أي كسور أو أي إصابات..
كان مصابا برضوض شديدة.. ولكنها كلها تعافت..
ومع ذلك مازال لم يصحُ..
وأنا لا أمل الانتظار.. ولن أمله!!
مادامت أنفاسه وأنفاسي في الحياة.. سأبقى أنتظر!!
عبدالرحمن يا بني.. أمك تحتاجك.. حتى متى كل هذا النوم؟؟
كل يوم تشرق شمسه.. أركض للمستشفى.. أقول اليوم لعل وعسى..
أبقى أرأقبه حينا.. أتحسس جسده حينا.. وادعو له في كل الأحيان
حتى يقترب آذان الظهر ويجبرني فاضل على المغادرة..
وأنا أشعر أن روحي تركتها خلفي..
حتى تفكيري طوال اليوم شارد.. ليس معي.. حتى أعود إليه!!
ماعدت أشعر بطعم أي شيء في الحياة..
فأي طعم للحياة هو لا يتذوقه..؟؟
حتى حسن الصغير الذي كنت أرى الحياة في ابتسامته..
يجلس في حضني.. يتمسح بي.. يشد برقعي.. يريدني أن ألتفت له..
سامحني ياصغيري.. ليس نقصا في غلاك.. والله يعلم..
ولكن ماعدت أشعر بشيء..
وكأن كل شيء رهن بعودة هذا النائم!!
************************************
ست أشهر مضت وعبدالرحمن على حاله..
لا أعلم هل هذه رحمة به حتى لا يعلم برحيل امهاب ..
فأنا مازلت لا أتخيل كيف ستكون ردة فعله حين يصحو ويعلم..
أصبحت الحياة باهتة باردة..
والغريب أنها ليست كذلك بسبب غياب عبدالرحمن فقط..
بل ربما كان السبب الأكبر هو غياب والدي..الذي حتى في تواجده تشعر أن روحه غائبة هذه الأيام!!
البيت ماعاد به حياة بعدك يافاضل!!
عبدالرحمن كان كالنسمة الهادئة.. في كثير من الأحيان لا أشعر حتى بوجوده في البيت..
ولكن والدي كان اعصارا يشعل البيت بالحياة..
أتخيل ارتعاشي حين أسمع صوته الغاضب أو حتى صوت صفق الأبواب تعبيرا عن غضبه..
يا الله كم اشتقت لتلك الأيام!!
ربما من الأشياء التي كنت أجهلها عن نفسي..
أنني لم أكن أنام حتى أسمع صوت خطواته يطل علي ليلا ويتأكد أنني نائمة قبل أن يغلق الباب..
رغم أني في تلك الأيام كنت أرتعب حين أشعر بدخوله.. وكأنه إعلان عن حضر تجول..
وكنت أجهل سبب الأرق الذي يصيبني حين يكون غائبا في رحلات القنص.. ولا أعرف لذلك سببا..
الآن أصبحت أعرف السبب!!
حين أزور عبدالرحمن لا تتوقف دموعي عن الانهمار..
بداية كان من أجل عبدالرحمن.. ولكن عبدالرحمن حالته استقرت تماما..
ودموعي الآن هي لحالة والدي..
لا يجلس حتى.. وعيناه تتبعان كل سنتيمتر مربع من جسد عبدالرحمن.. يبحث عن بادرة حياة..
أو يحرك أصابعه أو مفاصل قدميه ويديه.. لأنه يخشى حين يصحو أن يعاني من تصلبهما.. لذا يريد أن يحافظ على مرونتها..
بقدر مابكيت وارتعبت حين أصاب عبدالرحمن ما أصابه.. وأنا أخشى أن يتركنا وحيدين مع والدي..
بقدر ما أبكي الآن.. لأني أريده يصحو من أجل والدي..
تبقى شهرين على تخرجي..
لا أعلم حتى كيف استطعت الحضور والدراسة والنجاح.. ولكن لأقل أنني فعلتها من أجل والدي فقط.. حتى لا أخيب ظنه بي!!
فقد كنت أريد الاعتذار عن الفصل بعد حادث عبدالرحمن.. ولكن والدي كان من رفض وبشدة..
استغربت حتى اهتمامه بالموضوع في خضم انشغاله بعبدالرحمن..
ظننت أنه لن يهتم أبدا.. ولكني قلت لابد من إستئذانه..
لذا فوجئت برفضه وهو يبرره أنه من الأفضل أن تكون شهادتي بيدي لأني لا أعلم مايكتبه الله في الغيب!!
************************************
ست أشهر مضت..
أصبح عمر حسن الآن أربع سنوات.. وهو يمضي للخامسة..
يا الله ياعبدالرحمن أ لم تشبع من كل هذا النوم؟؟
حسن يسأل عنك دائما.. ويسأل متى ستصحو؟؟
موجوعة ياعبدالرحمن من بعدك.. وإحساس اليتم يخنقني..
لن تتخيل كم أثر فيني غيابك!!
ستكون سعيدا عندما تصحو و ترى كم أصبحت قذرة..
قذرة بمفهومي!! ومتوازنة بمفهومك!!
فلكثرة الساعات التي تمضي وأنا أرأقبك بسكون.. أنسى أن أغسل يدي كل ساعة..
ولا أستحم ولا أستبدل ملابسي سوى مرتين.. مرة حين أعود من عندك ظهرا والأخرى ليلا ..
وستكون أسعد حين تعلم أني قصصت كثيرا من طولة لساني من أجلك..
فلساني ماعاد فيه إلا الدعاء لك..
وأخشى أن أضايق به أحدا فيغضب مني الله ولا يستجيب دعائي..
أما التغيير الأكبر ياعبدالرحمن فهو تغيري من ناحية عبدالله..
التغير الذي أنا أشعر به.. ولكن لم أسمح لنفسي أن أشعره هو به..
أنا لست ناكرة جميل ياعبدالرحمن..
وأعترف أنه لولا وجود عبدالله ماذا كنت سأفعل أنا ووالدتي وشعاع من بعدك أنت وانشغال والدي معك..
أتخيل لو أن هذا الحادث حدث وعبدالله لم يظهر..
كنت سأترمل مرتين وأتيتم مرتين!!
كيف كان حالنا سيكون؟؟
عبدالله الآن من يتولى مسؤولية بيت والدي كاملة.. تميم أيضا لا يقصر أبدا..
ولكن تميم لديه من المشاغل والحزن مايكفيه...
الحياة بيني وبين عبدالله ساكنة تماما..
ماعدت أعارضه.. أو أضايقه.. أو اشتمه.. ولكني أيضا أعلم أني لا أريحه..
فبقدر ما يغمرني بعاطفته وحبه وحنانه بقدر ما أعاني من الجمود والتبلد..
لا أنكر أنني حاولت الخروج من شرنقة جمودي.. ولكن لم أستطع لم أستطع.. فهذا أرث ليال متطوالة من الألم..
أصبح أكثر ما أخشاه أنه سيأتي يوم ويمل مني.. أنا مللت من نفسي.. لا أعلم كيف مازال يحتملني..
وما أخشاه أكثر أن يكون قد ملَّ مني فعلا.. ولكنه صابر علي لإحساسه بالمسئولية تجاهي وتجاه أسرتي!!
فأنالم أعد أتخيل للحياة معنى ولا نكهة بدون عبدالله ووجوده..
ولو تركني.. لا أعلم ما الذي سيحدث لي.. قد أموت!!
وهذا القلق بدأ يتصاعد في روحي من عدة أشهر.. أخشى بالفعل أن يتركني..
أريده أن يبقى بجواري.. وأريد أطفالا آخرين منه..
يشبهونه كما يشبهه حسن.. لا أريدهم أن يشبهوني أنا..
ولكن الحمل تأخر.. والغريب أنني أساسا لم أتناول حبوب منع الحمل..
فقد كنت أنتظر دورتي الشهرية الأولى بعد زواجي والتي لم تأتِ إلا خلال أيام حادثة عبدالرحمن وعزاء مهاب..
نسيت الموضوع تماما في خضم انشغالي بك.. لأكتشف أنه ثلاثة أشهر مرت بعد حادثك وأنا لا أتناول مانعا ولم أحمل..
حينها أصبت بما يشبه الجنون.. أريد أن أحمل.. أريد طفلا آخر يربطه بي.. ويمنعه من تركي!!..
ولم يخيب الله رجائي ودعائي..
أنا حامل ياعبدالرحمن.. حامل.. أنا الآن في الشهر الثاني..
ومازلت لم أخبر أحدا.. بودي أن أخبر عبدالله..
ولكن لا أعلم هل الوقت مناسب أو لا؟؟
أو ربما كان الحاجز الذي بنيته حول نفسي هو مايمنعني!!
*****************************************
ست أشهر مضت على تحولها..
لا أعلم هل أحمد الله على الهدوء الذي نعيش فيه..
أم أشتاق لأيام جنونها وتناثر حممها!!
مطلقا لم تعد لصفعي بموال كراهيتها بعد ماحدث لشقيقها وانشغالها الدائم به!!
ويكون بودي أن أسألها كل يوم:
إن كنتِ لا تكرهينني فلماذا لا تقولين أنكِ تحبينني مادمت أصدح بمشاعري لكِ ليلا ونهارا؟؟..
وهاهي ساكنة.. رقيقة.. غاية في العذوبة.. وغاية في البرود والجمود!!
الغريب أنه كلما زدت أنا ولعا بها.. كلما شعرت أنها تزداد جمودا!!
ما أخشاه أن جمودها ماهو إلا كراهيتها بدأت تتحول لكراهية أعمق تكتمها في داخلها..
حبي لها يتزايد بصورة غريبة مضاعفة.. ماعدت أعترض.. فهذا ماكتبه لي رب العالمين!!
ولكن جمودها يقتلني!! شيء في روحي يذوي كلما رأيتها تصفع لهفتي بالجمود..
مشروع إكمالها لدراستها تأجل عن غير رغبتي!!
أتمنى أن تكمل دراستها لأني حينها سأشعر أنني أصلحت كل أخطائي..
وربما ينهار حينها كل مايبعدها عني!!
ومازلت مصرا أن تكمل.. ولكن مع حالة عبدالرحمن الفكرة بأكملها مؤجلة حتى يمن الله عليه بالشفاء..
حتى الحمل.. لم أطلب منها أن تترك المانع.. لأني لا أريد اجبارها على الحمل في ظروفها الحالية..
وبقدر ما أتمنى طفل آخر منها.. أكون معها في حمله يوم بيوم..
بقدر ما أنا قلق ألا نكون مع حالتنا غير الطبيعية أهل لهذا الأمر..!!
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك