بارت من

رواية تناديني سيدي -9

رواية تناديني سيدي - غرام

رواية تناديني سيدي -9

" ماذا قلت للعجوز ؟".
" لم أقل لها شيئا عنا".
" تعني أنك تركتها تفترض أنه يحق لنا المشاركة في الغرفة؟".
" الأفتراض هو الكلمة الصحيحة ".
" إنك لخبيث حقا يا دون جوان !".
" أذا كان هذا هو رأيك , ولكن عليك الأعتراف بأن الفراش أكثر راحة من الرقاد على مقعد طوال الليل".
" هذا صحيح".
" لا تثقلي على ضميرك , وأعتبري نفسك بعيدة جدا عني وأنعمي بالنوم".
أرادت أن تقهقه عندما قال ذلك ..... أنها تحبه عندما يلجأ الى الدعابة.......
تحبه؟
ظلت بلا حراك وأصغت الى أنفاسه , وشعرت بنقاة ساقه الى وضع أكثر راحة , وأذا بها تستعيد في ذاكرتها كلمات قديمة : كم أحبك ؟ أحبك بالعاطفة التي تحركها أحزاني الماضية وطفولتي البريئة أحبك مع أنفاسي وبسماتي ودموع حياتي !
وأغمضت عينيها ونامت .
أستيقظت قبله في الصباح ووجدت الشمس تملأ الغرفة ذات الجدران البيضاء , حيث تعشعش الطيور وتغرد , وتذكرت في الحال أحداث الليلة الماضية , وتأملت الوجه النائم الى جوارها , تأملت سواد شعره وكبرياء أنفه , وأدركت مدى أطمئنانها له.

تركت الفراش وأتجهت الى النافذة , وفتحتها على آخرها وأنحنت الى الأمام , وأستنشقت هواء الصباح ووجدت الشمس دافئة بعد الليلة الماضية الباردة , وكانت آخر آثارها الضبابية يمكن رؤيتها وسط أشجار الصنوبر والأعشاب الندية التي تملأ الهواء بشذاها.
وأذا كان للمرء أن يتعلق بلحظة من أختياره لا يريد الأفلات منها , فها هي لحظتها , وهي الآن تختار أن تظل أسيرة هذا الصباح الجميل وأن تكون الفتاة الوحيدة في حياة دون جوان , كل الكلمات أو الوعود التي سبق أن رددها لغيرها لا يمكن أن تزيل سحر هذه اللحظة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا احلل مسح اسمي من على الرواية ..
تجميعي : ♫ معزوفة حنين ♫..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

7- أكثر من حب حياتي

أهتمت أيفين في الأيام التالية بالتصرف كأنما لا شيء يشغلها غير دروسها مع فونسكا , كان السائق يقودها كل صباح الى البلدة حيث توجد الفيللا , وأحيانا ترى راكيل في الحديقة أو خارجة في طريقها الى النادي ليتفرج على التنس أو لتناول الغداء مع أحد الأصدقاء.
وكانت راكيل كلما رأت تلميذة والدها تتظاهر بعدم الأهتمام كثيرا , وذات صباح قالت لها وقد وجدتها قرب طاولة في الحديقة منهمكة في دراستها :
" أنت مخلوقة صغيرة جادة , بالأمس فقط كان مانريك كورتيز يسأل عنك , وقد قلت له أن في أمكانه أن يلقاك هنا على الرحب والسعة ".
أجابت أيفين :
" آمل ألا يفعل , قد يلهيني عن الدراسة وأنا أهتم بالدروس".
قطفت راكيل وردة صغيرة ووضعتها فوق ثوبها الجميل:
" أرى هذا بوضوح , ولكن أليس من الأجمل أن تتزوجي شابا لظيفا , بدلا من دراسة هذه الكتب وحشو فكرك بالحقائق والتواريخ؟".

" أنا أحب التعلم , ووالدك أستاذ رائع".

قالت راكيل بأبتسامة الموافقة:
" أنه محبوب , وهناك رجل آخر فقط يجاريه في عمله وذكائه وجاذبيته الأسبانية , هل تجدين رجالنا جذابين لطفاء يا آنسة بلغريم؟".
رفعت أيفين نظرها ووجدت راكيل تتفحص ثوبها الأخضر الهادىء وشعرها الأحمر الداكن المنساب كذيل الحصان , وقالت وهي تبتسم:
" أجل أحب جاذبيتهم ولطفهم , أن للأسبان بالتأكيد سحرهم ولطفهم".
" أذن من الغريب أنك لم تحبي أحدهم يا آنسة بلغريم , بالطبع , إنني سمعت عن هدوء أعصاب الجني االبريطاني وإنهم لا يكشفون عن شعورهم".
" أرى أنك تلمّحين الى شيء يا آنسة فونسكا , أرجوك كوني صريحة معي ".
" أن دون جوان لا يمكن أن يظل دائما مسؤولا عنك ..... هل صراحتي هذه كافية ؟ وأنت لست طفلة حتى لو كان جوان يعتقد ذلك؟".
نظرت أيفين الى عيني الفتاة الأخرى وقالت :
" كلا يا آنسة أنا لا أحلم بالأعتماد على كرم دون جوان أكثر مما يلزم , والدك يعرف مدير أحدى صالات الفن في مدريد وآمل أن أذهب عمّا قريب للعمل هناك كمساعدة له".
" مدريد؟ لا بد أن هذا سيناسبك بخصوص صداقتك مع مانريك كورتيز , يبدو أنه مهتم بك , ونصيحتي اليك هي ألاّ تغالي في التشدد , أن الرجال يحبون أثارة المطاردة , ولكنهم يحبون أيضا اللحاق بالطريدة ".
أرخت راكيل أصابع قفّازيها ثم أضافت : " هل تخافين قليلا من الرجال؟".
أحتجت أيفين وقالت :
" أنا لست بنفسجة خجولة".
" يبدو أن مانريك يعتقد بأنك متواضعة وخجولة , وأنه ربما أزعجك في المرة الأخيرة التي كنتما فيها معا".
" لقد ضايقني".
وبدت راكيل فضولية أذ سألتها:
" ماذا أفعل يا عزيزتي؟".
وعادت أيفين تتذكر نزهة السيارة مع مانريك ووجدت أن تفاصيلها قد طمستها الأحداث التي أعقبتها في الكوخ ليلة الضباب , آه , لو أن راكيل علمت بتلك الليلة ! أن ذلك يمكن أن يزلزل كيانها , فهي ليست من النوع الذي يصدق أن فتاة يمكن أن تظل بريئة بعد قضاء ليلة مع رجل , لا شك أنها ستتكدر من كون دون جوان يميل الى واحدة غيرها .
آه لو كان ذلك صحيحا.


شعرت أيفين بالأضطراب مجددا , وشعرت كذلك برغبة في أن تثور , أن راكيل بالمقارنة مع دون جوان سطحية , أنها تقضي أيامها في متع تافهة , وحبها له ليس عميقا.
كانت عودة السيد فونسكا الى الحديقة حاملا معه كتابا به مستنسخات من روائع الفن يريد منها دراسته , بمثابة خلاص لها من راكيل , أذ سأل أبنته:
" أتنوين البقاء ومشاركتنا الدراسة؟ ظننت أنك كنت في طريقك للغداء في هيدالغو مع واحد من المعجبين بك".
أبتسمت راكيل مبدية شفقتها على أيفين , وأجابته:
" أنه لن يمانع في أنتظاري , أشفق عليك يا عزيزتي لأنك مضطرة للعمل, عليك أن تأخذي بنصيحتي وتبحثي عن زوج".
سألها والدها بجفاء:
" وهل وجدت أنت زوجا لك".
" نعم يا أبي , هناك شخص خاص".
وأبتسمت في غموض وهي تقبل والدها على خده , وكانت لا تزال تبتسم وهي تلوح لأيفين مودعة , خرجت من باحة الحديقة , وأنتشر عطرها في الهواء ولم تفارق كلماتها أيفين بقية الصباح , كان دون جوان هو هذا الشخص الخاص , الذي يجب أن يتزوج ليكون له أبن يحمل لقبه ووصايته على الجزيرة.
تناولت أيفين الغداء مع معلمها تحت شجرة ظليلة , بينما الطيور تغرد والزهور تتعرّض لهجمات النحل.
" يبدو أنك حزينة , هل أنت متعبة؟".
" كنت أفكر يا سيدي أنني لا أستطيع البقاء في القلعة الى ما لا نهاية , متى تعتقد أنه يمكنني أن أعمل في غاليري مدريد؟".
أبتسم وهو يقطف خوهتين من الشجرة القريبة من الحائط بواسطة سكين ذات مقبض عاجي وقال :
" أن الصغار لا يصيرون , وهم يتوقون للمغامرات الجديدة , هل مللت بسرعة من مدرسك ذي اللحية والكتب السميكة التي يريد منك دراستها؟".
أسرعت الى القول:
" كلا , ليس هذا هو الأمر أنني أستمتع بكل لحظة هنا , وألعق كل ما تعلمني أياه كقطة عطشى , ولكنني أتوق الى الأعتماد على نفسي ..... لا يمكنني أن أعتمد دائما على دون جوان في مأكلي ومسكني".
أخرج فونسكا بذرة أحدى الخوختين ثم وضعها في صحن أيفين , وقال :
" أنا متأكد من أنه مسرور بتوفيرهما لك , أن جوان أسباني أصيل وهو كريم جدا , والقلعة خالية بالنسبة اليه وأنت تساعدين على شغلها , تعالي , تناولي لخوخة ولا تتصوري أنك عالة على أحد".
" متى يتزوج يا سيدي ؟".
" لا أظن أن االيوم الكبير قريب يا صغيرتي".
" ولكنني أريد أن أرحل يوم حدوثه".
ركّز السيد فونسكا نظره على أيفين وقال :
" هذا مفهوم , يوم يتزوج جوان , ستتغير الحياة بالنسبة اليك , ولكن أستمتعي حاليا بأيامك وأنت تحت وصايته".

أبتسمت وأكلت الخوخة وقالت :

" هذه هي الحياة".
" أجل يا صغيرتي , ما كتب علينا سنراه , وليس لنا جميعا غير الرضى بقدرنا مهما كان شكل هذا القدر".
" هذا يجعلني كورقة خريفية لا تدري متى تسقط".
" أنت تشعرين كذلك لأنك في سن الشباب , وللشباب أحلامه وآماله وأحزانه أحيانا , أن أفضل الشعراء والفنانين هم من الشباب , يجدون في الحب العذاب أكثر مما يجدون فيه من الراحة , والحب يتغلغل في كل شيء ..... لا مفر منه".
" لم أحب أبدا , وأعجب كيف يعرف المرء..........".
تأملها فونسكا للحظة طويلة ثم قال :
" يشعر المرء كأنما يموت ميتة صغيرة في كل مرة يودع فيها شخصا معينا بالذات , ويبتعد عنه ويكون مراده هو فقط البقاء الى جانبه , الحب شيء أساسي يا أيفين , أنه الرغبة لأن نكون جزءا من ذلك الشخص , ليس لساعة واحدة وأنما كل يوم , صدقيني , ستعرفين عندما تحبين , فأنت حساسة وعاطفة صادقة".
ضحك بهدوء على الطريقة التي تطلّعت بها اليه , كانت عيناها في صفاء العسل , وتنبأ قائلا:
" ستجدين سرورا عظيما أو حزنا كبيرا , ولا يمكن أن تكون حالة وسطى للفتاة التي يجب أن تعطي كل شيء لرجل واحد ".
قالت شبه ضاحكة :
" بدون هذا التفاني لا تصبحين طالبة ممتازة ".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا احلل مسح اسمي من على الرواية ..
تجميعي : ♫ معزوفة حنين ♫..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

" شكرا لك يا أستاذ , ومتى ستعطيني الدبلوم؟".
" في الوقت المناسب يا أيفين , أذا أصبح زواج دون جوان وشيكا فسأكون من بين أوائل العارفين به".
طبعا ,

 والد راكيل أول من بعلم بأن عليه أن يتوقع زواج أبنته من دون جوان في يوم معين في كاتدرائية الجزيرة , و
 على العروس أن ترتدي ثوب العرس الطويل المطرز وتحمل بيدها باقة الزنبق , وستعلو الأبتسامة شفتيها الناعمتين , وسيتم أعلان يوم الأحتفال للجزيرة كلها , والجميع سيتمنون السعادة للمركيز , وسيقولون أنه أحسن الأختيار.
مرّت بضع دقائق قبل أن تتذكّر أيفين أن السيد فونسكا قد تركها لينام القيلولة بعد الغداء , أن محادثتهما قد جعلتها تشعر بالقلق , ووجدت نفسها ترسم وجوها في دفترها ..... وجوه أسبان بشعر كثيف , وضعت قلمها جانبا وبدافع مفاجىء خرجت من باب جانبي في الحديقة , وهكذا تغيبت من دروسها.
شقّت طريقها في الشوارع ذات الدرج صوب الساحل , حيث تقبع مراكب الصيد والزوارق الشراعية وقت العصر في حرارة الشمس الخفيفة , قلة من الناس هنا وهناك , وبعض القطط تتمدّد في ظل قناطر الطرق , والنوافذ الضيقة تغلق ستائرها الخشبية لدرء حرارة الشمس , والبحر يفوح برائحة السمك والورود , وكانت هناك نخلة تلقي بظلها على جدار , وأيفين وحيدة بثوبها الأخضر وشعرها يلمع بأشعة الشمس.
قادتها السلالم الحجرية الى الشاطىء الرملي , ورأت قاربا مقلويا جففت الشمس قعره الذي كان يختبىء تحته سرطان خرج من مخبأه عندما جلست أيفين على هيكل القارب , كل شيء هادىء , البحر ساكن , وجبال أسبانيا البعيدة بدت كسلسلة من الحديد الأزرق عبر الأفق.
بالتأكيد لن يطول الوقت كثيرا حين يحين اليوم الذي تعبر فيه تلك الجبال راكبة الباص الذي يقطع الطرق البيضاء الى أن يدخل مدينة مدريد حيث ستشتغل هناك , حاولت أن تشعر بالفرح والأمل أتجاه المستقبل , ولكن عندما تخيّلت الوحدة التي ستعانيها في مدينة كبيرة , أحست بالأنقباض وأنكمشت فوق هيكل قارب الصيد كأنما تشعر بالب
أن الأحساس بالوحدة يوحي بالبرودة , وبدا كأن عليها طوال حياتها أن تترك ما تحب وتذهب الى مكان آخر , لقد أحبت كوخ والدها في كومب سانت بليز , ولكن بعد وفاته لم تتمكن من البقاء فيه , وها هي تحب هذه الجزيرة وتحب القلعة , ولكن بعد أن يتزوج الوصي عليها لا بد أن تغادرها أيضا لتعيش وسط غرباء , طرفت عيناها وأحست بالدموع تبلل رموشها , وشعرت بالوحدة الى حد أنها تاقت الى صوت يحدّثها وتكون له شاكرة.
وعندما سمعت الصوت عرفته بدون أن تدير رأسها ناحيته , إنه صوت الأسباني عازف الغيتار.
" كنت أفكر فيك يا أيفين , ولا بد أن أفكاري قادتني اليك".
مدّت له يدها , كأنما تريد لقبضته الدافئة أن تخرجها من برودة أفكارها , وقالت:
" مرحبا ريك , نحن والقطط وحدنا هنا".
أمسك يدها ووضع أصابعه بين أصابعه , كان شعره قاتما كالظلال , وأبتسامته كالشمس المنعكسة على جدران البيوت البيضاء المطلة على الشاطىء , ولمسته دافئة , ولم تتأفف هذه المرة من صراحة نظرته الجريئة , سألها:
" ما الذي أسال دمعك , الشمس المنعكسة على الماء , أم الطريقة التي هربت بها مني بدون سبب حقيقي؟".
قالت بسخرية ولكن بصوت فيه سرور لرؤيته:
" ربما من البكاء عليك , أجلسي وحدثني يا ريك".
" هذا ما أريده".
وجلس الى جانبها على القارب وتابع:
" ماذا فعلت بعدما تركتني الأحد الماضي ؟ آمل ألا يكون تجوالك في الشاطىء قد طال , لأن الضباب ملأ الجو".
وكيف لها أن تنسى الضباب ؟ ولكنها قالت:
" دعنا من الحديث عن تلك المشاجرة السخيفة".
" كانت سخيفة يا أيفين , ما الذي فعلته وكان بغيضا؟".
" أرجوك , دعنا نبدأ من جديد أنطلاقا من أول لقاء لنا , كنت لطيفا جدا , مثل تروبادور الزمن الماضي".
" أفضل شعور شباب الجيل يا صغيرتي , ترى هل قال لك المركيز أن عليك الأهتمام بدروسك وعدم تشجيع الشباب على مقابلتك؟".
" أنا في حاجة ماسة الى التعلّم ".




" وماذا ستدرسين الآن , هل ستكتبين مقالة عن قوارب الصيد؟".
أعترفت قائلة :
" أوه , لقد هربت من الدراسة , أذ شعرت فجأة بعدم قدرتي على التركيز , فتركت كتبي طلبا للراحة نحو ساعة".
شدّ ريك قبضته على يدها وقال:
" كتب , دروس ! لا بد لك من المرح واللهو , ولو كنت المركيز لأعطيتك دروسا من نوع آخر".
" ريك!".
ضحك بدون خجل :
" هل حضرت عرسا أسبانيا يا عزيزتي , بالطبع لا , سآخذك اليوم الى زواج في الساعة السادسة , العروسان سيذهبون الى الكنيسة , وبعد مراسم الزواج ستقام حفلة , وقد وعدتهم بالعزف فيها , وقيل لي أن أحضر مع فتاة".
تمهّل ريك قليلا ثم تأمل ثوبها الأخضر وقال:


 من دواعي سروري أن أصحبك الى هذا العرس".
" أود ذلك يا ريك , ولكن السيارة ستأتي لأعادتي الى القلعة ".
" يمكنك أن تقولي للسائق أن يعود فيما بعد".
وافقت وقالت:
" يمكنني , ولكن هناك دون جوان......".
وسألها ريك ساخرا :
" وهل يسجنك في القلعة بقية اليوم , وهل أنت خاضعة لنفوذه وسحره فلا تجدين الجرأة على أرضاء سواه ؟ أنا أريد أن أعاملك كأمرأة يا أيفين وليس كطفلة , أريد أن أعطيك الموسيقى والضحك وليس جدران القلعة الحزينة والعشاء الرزين داخل غرفة تحجبها ذكريات الماضي , إنه بسبب عجزه عن الرقص يظن أنك لا تريدين الرقص , ويتوق لأن تكوني طفلة طوال النهار , وعانسا غير شاكية في الأمسيات !".
أحتجت قائلة:
" ريك , ما هذا التقريع , دون جوان ليس كما تقول أطلاقا , إنه سيسمح لي بالذهاب الى العرس أذا كنت أريد ذلك".
إبتسم ريك وقال:
" أذن ليست هناك مشكلة , نعود الى افيللا في الرابعة , وبذلك يمكنك أعطاء السائق رسالة الى المركيز , ثم نذهب الى نادي هيدالغو لكي آخذ غيتاري , لا عمل لي في النادي هذا المساء , وبذلك نظل معا هذا المساء لنقضي وقتا ممتعا , ألا تجدين الأحتفال بعرس تحت النجوم فيه رومانسية؟".
" أنتم الأسبان لديكم أستعداد للرومانسية".
" أن الفتاة الأسبانية تعيش لأرضاء الرجل الذي تحبه ".
" أظن ما من شيء سيجعلني أسبانية ".
أقترب منها وقال:
" أنت مخطئة أذا تزوجت أسبانيا تصبحين أسبانية ".
" سأظل دائما أنكليزية في أعماقي , ولن تكون عندي الروح الأسبانية الحقيقية".
" أن لك سحرك الذاتي".
ثم سرح نظره على وجهها وأستقر على شعرها الأحمر الداكن مثل أوراق الخريف فوق الثوب الأخضر الهادىء , وهمس بالأسبانية وهو يقرّب يدها من خده:
" باردة هي يد الفتاة ذات القلب الدافىء , في الأسبوع الماضي , تمنيت مغازلتك فقط , والآن سأعاملك على نحو مختلف".
أشتدّت دقات قلبها فقالت:

" كلا يا ريك , دعنا نظل هادئين".

" سنكون كالأجراس والموسيقى وضوء القمر".
" ريك , لا تستعمل سحرك أتجاهي , ربما لا أستطيع مقاومته , وقد نتأذى ".
" لهذا كانت الحياة , أن نتأذى وأن تندمل جراحنا , وأن نسعد , أيفين , لا تقاومي تيار الحياة".
ما أسهل ألا تقاوم لون أن القدر تركها تقع في حب عازف الغيتار , لم تستطع الأبتسام فقالت:
" أن الأسبان خطرون أذ يمكنهم أن يكونوا لطفاء . سأرقص في عرس صديقك ,

 شيئا من ذكرياتي بعدما أغادر الجزيرة".
" لا تعتزمين البقاء هنا ؟".
هزّت رأسها وقالت:
" كان مجرد تدبير نؤقت , عما قريب أذهب الى مدريد للعمل".
" آه في مدريد الكثير االذي يجب التفرج عليه معي , القديم والحديث , العتيق والجميل , سنكون سعداء هناك".
نظرت اليه وأرادت أن تصدق أنها يمكن أن تكون سعيدة على بعد أميال من جزيرة زهور الدفلى العطرة وأشجار الصنوبر , جزيرة الشمس والأبراج تحت السماء الزرقاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا احلل مسح اسمي من على الرواية ..
تجميعي : ♫ معزوفة حنين ♫..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

" يبدو كأنك ستحزنين لمغادرة الجزيرة يا أيفا".
أخذت تتأمل شباك الصيد وصواري المراكب الشراعية , ثم أستدارت نحوه وفي عينيها نظرة مروعة:
" سميتني أيفا؟".
" ألم يعجبك ؟".
" بلى أعجبني ".
" والأكثر من هذا يا أيفا أن أسم التصغير علامة أعجاب من الأسباني بك ".
ضحكت وقالت :
" لقد أوقعتني في الفخ عندما جعلتني أسميك ريك منذ البداية !".
" آمل ذلك".
تلاقت نظراتهما , ورأت في عينيه حنانا , وأرادت أن ترجوه بألا ينظر اليها هكذا , ولا بد أنه فهم مرادها , أذ أخذ يحدّثها عن أشياء أخرى , عن طفولته في تلال أسبانيا , وطموحه لأن يكون أكثر من مجرد عامل يقطع اللوز والزيتون , وعن هربه من البيت في الخامسة عشرة من عمره وذهابه الى برشلونة حيث أشتغل خادما في أحد المطاعم , ثم أصبح تلميذا لعازف غيتار يشبه الملاك ولكنه يعيش كالشيطان.
وقال ريك:
" لدي فقط نصف مواهب ذلك الرجل , ولكنني أستغلها كل الأستغلال , وعندي طموحي أيضا , أفكر في جمع المال حتى أذا صرت غنيا أشتريت بيتا كبيرا فيه أشجار اللوز وفيه نوافير , وسأكون رجلا له زوجة وعائلة".
أبتسمت أيفين وقالت:
" أنت تذهلني يا ريك".
" أنت نظنينني بلاي بوي , أنني أسباني قبل أي شيء آخر , ونحن نأخذ الحياة بروح جادة برغم أننا نغني ونحتفل كلما سنحت لنا الفرصة , الليلة سترين كيف نمرح , وسأعلمك كيف ترقصين كأسبانية".
" هل سنذهب الى الكنيسة لنرى حفل الزواج؟".
" سنذهب طبعا يا عزيزتي".
كانت الشموع الطويلة تضيء فوق مذبح الكنيسة , ونورها يرسم هالة حول العروسين الواقفين أمام القسيس وهما يتمتمان القسم , وكان كل شيء داخل الكنيسة يوحي بالخشوع , وأخذ الحضور يركزون أبصارهم على العروسين.
وتأملت أيفين وهي صامتة ومأخوذة , بينما كانت طرحة العروس البيضاء تنبسط فوق كتفي العريس الواقف بجوارها , وذلك جزء رمزي من الأحتفال , معناه الوعد بأن تخضع العروس له بالمحبة والوفاق , بعد ذلك وضع في يدها خاتم الزواج , وبنظرة خجولة الى وجهه وضعت خاتما في يده , هذا التبادل للخاتمين رمز تحالفهما , وأذا بتنهيدات الرضى تعلو وسط جموع الحضور.
كان دخان الشموع يختلط برائحة القرنفل عندما أعلن القسيس أنهما أصبحا رجلا وزوجة , وأبتسم الشاب الأسمر وضغط على اليدين اللتين تحملان زهر البرتقال , وكتاب صلاة مغلف بالصدف ومسبحة , كانا خجولين الى حد لم يقبّل أحدهما الآخر أمام الناس , ورأت أيفين أن العروس تمسح دموعها بمنديلها , أن قسم الزواج رباط مقدس , ولا أفتراق فيه عند الأسبان , وقد نظر كل من العروسين للآخر نظرة أمل وثقة وفرح.
كانت الشمس عند الغروب في لون البرتقال والذهب المتوهج , عندما خرج الضيوف من الكنيسة سعداء وركبوا العربات الغريبة اللامعة التي أستأجرها والد العريس , وكانت الأجراس ترن حول رقاب الخيل وهي تتبع عربة العروسين الى بيت العريس , وكان بيتا قوقازيا ريفيا في التلال , بجدران عالية وفناء فسيح تضاء فيه القناديل أول الليل وتزدان أغصان شجر الدفلى والسرو بأضواء خافتة.

يتبع ,,,

👇👇👇
تعليقات