بارت من

رواية تناديني سيدي -8

رواية تناديني سيدي - غرام

رواية تناديني سيدي -8

وهي لا تجرؤ على ترك جانب الطريق الساحلي لئلا يتعذر عليها العودة اليه ثانية.
تذكّرت ما قالته للخادم لويس هذا الصباح , أن الصباح المشرق الساطع في أنكلترا غالبا ما ينتهي بعاصفة , وما كانت تدري أن شروق الشمس الرائع فوق هذه الجزيرة قد يتحول فجأة الى ضباب بحري كثيف , ولكن ها هي في قلب الضباب وتشعر بعجزها كذبابة سقطت في العسل , شعرت بالوحدة والبرد وتمنت لو كان معها سترة ترتديها , وأذا بصوت من ورائها جعلها تستدير لسرعة لتلقي نظرة.
ولأول مرة منذ ساعة , كانت أضواء سيارة تشق العتمة الضبابية كأنها أضواء منارة , دق قلبها من الفرح , عليها أن توقف السيارة بأي شكل وتطلب المساعدة ...... لا بد من ذلك!
أسرعت بدون تردد بالوقوف في عرض الطريق وبما أن ثوبها الأبيض كان باديا بفضل أضواء السيارة الكاشفة فأن السائق يجب أن ينحرف تفاديا للأصطدام بها , وبالفعل أستعمل السائق الفرامل ليتجنب صدمها , ولو تأخر توقفه لحظة لصدمها , ومع صرير المعدن وتكسر زجاج السيارة , أصطدمت السيارة بشجرة وتبع ذلك سكون.
أسرعت أيفين نحو السيارة في توق وذعر معا , وبدأت تعالج فتح بالها , فتحه أحدهم من الداخل , وبرغم الضباب وبصيص الضوء الصادر من مصباح سقف السيارة , عرفت الشخص القابع داخلها بجسمه النحيل , ووجهه العبوس , وشعره الأسود , ونظراته المشتعلة.
وسطهذا الضباب وتحت الضوء الداخلي الخافت حملق كل منهما بالآخر , سألت أيفين:
" هل أنت بخير؟".
أجابها:
" كلا , والفضل لك ...... أظن أنك ضائعة وسط الضباب؟".
" نعم يا سيدي".
كانت شبه باكية من الصدمة والأطمئنان ارؤيته سليما وراء عجلة القيادة , وعندما حاول تشغيل المحرك , كان صوته يدل على عدم دورانه , كانت تعلم أنه يقود أحيانا بمفرده سيارة مصممة خصيصا على نحو يتيح له مد ساقه.
وعندما تذكرت ساقة والألم الذي سبق له أن عاناه أحست بالدوار فأمسكت بمقبض باب السيارة , وسألته بصوت منخفض:
" آمل ألا تكون ساقك تؤلمك".
" كل شيء على ما يرام بأستثناء سيارتي ومزاجي , لماذا لم تقفي الى جانب الطريق وتلوحي لي للتوقف؟ الضوء الكشاف لا بد أن يكشف حتما عن وجودك بهذا الثوب الأبيض".
" لم أفكر في أي شيء سوى الحصول على مساعدة , آسفة بخصوص سيارتك.... هل تعرّض المحرك لأي ضرر؟".
حاول تشغيل المحرك مرة ثانية ولكنه لم يستجب له , ولم يصدر عنه غير صوت خلخلة في سكون الليل الكثيف الضباب , وقال بدون أنفعال :
" يظهر أن هناك ضررا لحق بالمحرك".
ألقى نظرة شاملة على أيفين , وأتّجه ناحيتها فوق المقعد الأمامي ومدّ يده وجذبها الى الداخل وقال:
" أغلقي الباب لئلا يدخل الضباب".
أغلقت الباب , وفتح هو لوحة صغيرة مجاورة لعجلة القيادة وأخرج من ورائها علبة شوكولا وناولها إياها وقال:
" أنت ترتعدين يا أيفين".
فتحت العلبة وتناولت قطعة من العلبة , وسمعته يقول:
" أنتن النساء أذا سطعت الشمس تخرجن بدون معطف , وتتجاهلن الطقس ولذعات البرد , تناولي قدر أستطاعتك من العلبة كي تشعري بالدفء". ثم أضاف: " في المقعد اخلفي بطانية للسفر ضعيها عليك".
ركعت على المقعد الأمامي وأستدارت لأحضار البطانية من الخلف , ولمست أصابعها شيئا ناعم الملمس , وسرها عندما وجدت أن بطانية السفر مصنوعةمن الفراء , وقال دون جوان:
" ثوبك بلا أكمام , هيا غطي جسمك بها".
أسرعت دقات قلبها عندما أنحنى الى الأمام ولف الفراء حول رقبتها , وأحست بأصابعه الدافئة , وقال لها:
" لقد رأيت كورتيز في الهيدالغو عصر اليوم , وسألته أين كنتما , فقال لي أنك عدت الى القلعة , ماذا جرى يا أيفين ؟ هل تشاجرتما معا؟".

أعترفت وقالت:

" أختلفنا في الرأي".

" أختلفتما على ماذا؟".
" شيء غير مهم , أنت تعرف كيف يتطور الجدل".
" بدا لي الشاب غاضبا , هل حاول أن ....... يجرح شعورك؟".
" كلا........".
" الحقيقة يا أيفين , أرجوك".
أرادت أن تهون من الأمر فضحكت قليلا , سألها:
" أظن أنك كنت تتجولين طوال اليوم...... بدون غداء!".
أحتجت وقالت:
" لقد تناولت غداء لذيذا , تصادقت مع صبي يدعى فرناندو , كان يصطاد السمك من أحد أرصفة الميناء وشاركته في صيده , شوينا السمكة على الخشب وتناولنا معها ما لديه من خبز".
" أرجو أن يكون فرناندو أقل حماسة من فارسك الآخر؟".
ضحكت وقالت:
" كان أكثر نخوة ولطفا ". ثم أبتسمت : " وقد قبّل يدي عندما أفترقنا".
" كان على هذا الشاب أن يرافقك ليطمئن على وصولك سالمة مي يكون أكثر لطفا".
بدا وجه دون جوان قاسيا فأخذت تضحك , وأمسك بكتفيها وهزّها , وسألها:
" لماذا تضحكين ؟ ما الذي يثير الضحك الى هذا الحد؟".
" لا شيء غير أن الشاب الذي شاركته الغداء على الشاطىء صبي في الحادية عشرة من عمره يا سيدي".
أشتدت قبضة بده وقال:
" أيتها اللعينة الصغيرة , هكذا تغيظينني؟".
نظرت اليه وأنقطعت ضحكتها عندما أدركت جو الألفة بينهما وهما على أنفراد , أن الضباب حجزها في سيارة رجل كان شابا لا يجاري كما يدا عليه أسمه , وهذا التيار من الوعي أشتد ببطء حتى أصبح قوة أخافتها قليلا , فسحبت نظرتها عنه وأتجهت بنظرها ناحية النافذة ,وقالت:
" ربما نكون نحن فقط هما الوحيدان اللذان عزلهما الضباب عن العالم , هل تعتقد أن الضباب سينقشع يا سيدي؟".
" ليس قبل الفجر".
كانت أجابته كمغناطيس أعادها للنظر اليه :
" هل تعني أننا سنبقى هنا طوال الليل؟".
" سننتظر بعض الوقت لعل سيارة أخرى تمر من هنا لتأخذنا معها , وإلا سنسعى لنجد مأوى نقضي فيه ليلتنا , أن زجاج السيارة الأمامي قد تكسر قليلا , والضباب يتسرّب منه".
كان الضباب يتسرب بشكل هبّات باردة وأحكمت أيفين الفراء حول رقبتها , وفتح ددون جوان علبة سكائر ذهبية رفيعة وقدّمها الى أيفين قائلا:
" تفضّلي , هذه سيكارة لعلها تهدىء من روعك ومحنة قضاء الليل وحيدة في صحبتي".
" هذا دورك لتغيظني يا دون جوان".
وقبلت سيكارة , أنها لا تدمن التدخين , ولكنها كانت تدخن خلال عملها لدى أيدا ساندل بين حين وآخر تهدئة لأعصابها كلما أثارتها مخدومتها للأسراع في تلبية طلبات زينتها .
أنحنت كي تشعل سيكارتها من المركيز , وتجمعت أمامها في تلك اللحظة غرابة أحداث تلك الأسابيع القليلة الماضية, كل ما حدث منذ الليلة التي سبقت غرق السفينة حتى الآن تراءى كأنه حلم , ولكن تلاقى دخان سيكارته بسيكارتها , وزجاج السيارة الذي تكسّر وحيوية عينيه السوداوين من وراء نفثات الدخان ...... كل هذا حقيقة وليس حلما . وسألها على غير توقع:
" هل تحبين الأولاد الصغار؟".
قالت مبتسمة :
" نعم , كان ممتعا قضاء الوقت مع فرناندو , وهذا ما أخّرني عن العودة الى البيت".
" هل تعتبرين القلعة بيتك ؟"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا احلل مسح اسمي من على الرواية ..
تجميعي : ♫ معزوفة حنين ♫..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


" أنها كذلك الآن :. وتلاقت نظراتهما فأضافت: " أرجو ألا تمانع؟".
" كلا , أطلاقا , أعتقد أن القلعة أنتظرت طويلا من أجل مجيء شخص في سن الشباب ليطرد الظلال , وعندما يحين الوقت......".
قاطعته قائلة:
" لكي أرحل؟".
لم يجب لعدة ثوان , وكانت عيناه لا تفصحان عن شيء , ثم قال :
" نعم , سيبدو غريبا لفترة من الومن , والآن علينا أن نفكر بخصوص الليلة , سيزداد البرد هنا تدريجيا , فأصطدام المحرك عطّل على ما يبدو جهاز التدفئة بالسيارة , في أستطاعتي سد ثقوب الزجاج الأمامي بأي شيء ولكننا لن نرتاح تماما هنا".
" هل تؤلمك ساقك يا سيدي؟".
" قليلا , أحيانا أتمنى لو كنت قبلت قيام منشار العظام بعمله , ولكنني عنيد ولا أحب الأشياء الأصطناعية".
" أخبرني السيد فونسكا بالحادث القديم الذي تعرضت له ". قالت له ذلك وهي شبه خائفة من أظهار الشفقة , وأضافت : " لا بد أن ذلك الحادث كان فظيعا".
" ليس أكثر مما يحدث لجندي في معركة , ولكنني رفضت فقدان ساقي , ولهذا فأن أي أوجاع وآلام أشعر الآن بها علي أن أتحملها فهي نتيجة لأرادتي الذاتية , إن الأسبان لا يتهاونون مع أنفسهم ولا مع الغير يا صغيرتي , أدرسي لوحاتنا وطالعي كتبنا , وتذكري حياة الغزاة الأسبان في أميركا".
همست قائلة:
" يوجد شعور من فولاذ ولهيب وفروسية , والمرء يشعر بذلك هنا في الجزيرة , ويراه في وجوه الناس , أنها تشبه الوجوه التي رسمها الفنان دياز , والعيون التي رسمها آل غريكو".
" أن الفنان آل غريكو فهم أسبانيا وناسها رغم أنه كان يونانيا , لعل الشخص الغريب عن ديارنا قد يفهمنا على نحو أفضل مما نفهم نحن أنفسنا؟".
تلاقت عيونهما ورأت في وجهه كل المقومات التي جعلت من أسبانيا دولة حميمة وقاسية وأخاذة , أهلها من الصخر الصلد والشمس المحرقة والظلال العميقة , أنها تجمع بين الألفة والعاطفة وتجعل المرء يفهم كنه الحياة وجوهرها.
إبتسمت وقالت:
" السيد فونسكا يعلمني كل شيء عن أسبانيا".
" وهل تحبين ما تتعلمينه؟".
" أنا مفتونة به يا سيدي".
" بسكان البلاد , أم تاريخها أم طبيعتها؟".
" بكل شيء , الناس والتاريخ والطبيعة".
نظر اليها وهو يطفىء سيكارته وقال:
" أي خليط من الحكمة والحماقة أنت".
" أنه بسبب صغر السن يا سيدي".
" طبعا".

مال الى الأمام وراح يتفحص عينيها الواسعتين , ونحولها الذي غاص نصفه في الفراء القاتم اللامع , وقال:
" أنك فعلا صغيرة في بعض الأمور , ومع ذلك يمكنني أن أدرك لماذا كان كورتيز غاضبا عندما تحدثت اليه , ماذا فعلت له , هل صفعته؟".
إبتسمت بعصبية وقالت:
" كلا , قفزت من سيارته وركضت مبتعدة عنه".
" وهل طاردك؟".
" نعم , الى أن وصلت الى الرصيف , وكان هناك بعض الناس , ولهذا كنت في أمان".
" من أهتماماته غير المرغوبة؟".
وجذبت بأصابعها بطانية الفراء وقالت:
" نعم , بعض الرجال يظن أن وجوده على أنفراد مع فتاة يعطيه الحق في معاملتها كعاشق".
" نحن على أنفراد يا أيفين , ألا تخافين من غريزتي".
" أنت وصي علي".
" ألا أجعلك تريدين الفرار مني؟".

نظرت اليه , وضاعت الكلمات منها , وفي لحظة مذهلة بدا لها كأنما وجدت نفسها على أنفراد مع دون جوان الجسور الذي كان يهوى الخيول السريعة , والذي كان يستخرج الفضة من مناجمها في البراري , ويحب صحبة الفاتنات , وكانت بسبب صغر سنها غير واثقة من دون جوان مثلما هي غير واثقة من أي رجل آخر.
أطمأنت نفسيا عندما وجدته يركّز أهتمامه على موضع القفاز في السيارة , ورأته يخرج من هذا القسم بطارية يد , وأضاءها ثم قال:
" أقترح أن نترك السيارة ونبحث عن مبيت في أحد الأكواخ القريبة من هذا الطريق , تدثّري جيدا بهذا الفراء".
خرجا من السيارة الى الطريق الذي يلفه الضباب وحملقت أيفين حولها بعصبية , كانت الأصوات كلها خرساء , والأشجار كالأشباح , وقالت:
" أليس من الأفضل أن نبقى في السيارة يا سيدي؟".
أجاب بحزم:
" كلا , قد يصيبك البرد , كما أن ساقي تؤلمني , تعالي , كوني قريبة مني وأعدك بأننا بعد قليل سنجلس بقرب نار مشتعلة ونشرب قهوة ساخنة".
كان شعاع بطارية اليد يشق الضباب , وبعد فترة وجدا أنهما فوق طريق جانبي عليه آثار أقدام لا بد أن تفضي الى مساكن من نوع ما , وعملت أيفين بنصيحة الوصي عليها فظلت الى قربه وكان يعرج أكثر من المعتاد , أنها الرطوبة تسري في عظام ساقه - وأرادت أن تضع أصابعها في الجزء المعقووف بذراعه- كما فعلت راكيل بصورة حميمة – وتمنحه بعض الراحة.
وقف بغتة وقال : " آه ! ". وولى قلق أيفين عندما رأت شعاع البطارية يشير الى بياض جدار وأطار نافذة ثم الى باب خشبي عليه حلقة حديدية تستعمل مطرقة للباب.
وأضاء بالبطارية وجه أيفين وقال:
" حسنا يا غريتل , لقد عثرنا على كوخ في الغابة , هل تظنين أن هانزل سيتجرأ ويطرق الباب ( غريتل وهانزل من الشخصيات المعروفة في قصص الأطفال )".
ضحكت أيفين ضحكة خافتة , أذ أعجبتها دعابة دون جوان التي تختبىء في صدره كعرق من الذهب , وقالت:
" قدما غريتل باردتان".
" لاحظت أنك تعرجين يا صغيرتي".
" لقد فقدت كعب الحذاء الأيمن".
ولما وصلا الى باب الكوخ , رفع الحلقة الحديدية وطرق الباب مرة ومرتين وثلاثا , وأنتظر ! ثم سمعا النافذة العليا تفتح وترامي اليهما صوت عجوز تسأل :
" من بالباب؟".
" سيدتي , نسألك المأوى هذه الليلة , سيارتنا تحطمت وقد أصحنا معزولين في الضباب".
" آسفة يا سيدي , ليس عندي غرفة ....".
" سأدفع لك مبلغا حسنا يا سيدتي".
ساد السكون بعدما ترددت العجوز وأغلقت النافذة .
تحدث دون جوان بالأنكليزية الى أيفين :
" القرويون يشعرون بالعصبية في ليلة كهذه , أن العجوز ستفتح لنا أذا أجزلت لها العطاء".
أقترحت أيفين :
" أخبرها من تكون ".
وأجابها بأبتسامة في صوته :

" أفضّل أن نبقى غرباء بالنسبة اليها".

وبينما كانت أيفين تستوعب ملاحظته , سمعت أنفتاح أقفال الباب من الداخل , وأنفتح الباب ببطء وظهرت أمرأة مغطاة بشال وفي يدها مصباح يعلو دخانه , رفعت مصباحها كي تتأمل الواقفين ببابها , وحملقت جيدا في وجه دون جوان الممدود القامة والمهاب برغم شعره المشعث , ونظرت بأهتمام الى رفيقته الصغيرة المتدثرة بالفراء , ويبدو أنها لم تتعرف عل المركيز لأنها قالت رافضة :
" لا أعرف أذا كان علي أن أفتح بابي للغرباء , كيف لي أن أعرف أنكما من الشرفاء؟".
أخرج دون جوان محفظة نقوده من جيبه وأخرج منها عدة أوراق وقال :
" تفضّلي يا سيدتي , أعتقد أن هذه تشتري لنا سقفا من أجل ليلة واحدة ؟ هيا , فالسيدة الصغيرة ترتعش من البرد".
دسّت العجوز المال في صدرها وفتحت الباب فتحة تكفي لدخولهما الى الممر الضيق , وأغلقت الباب بأحكام , وقادتهما الى المطبخ حيث توجد نار قليلة مشتعلة , تلقي بظلال حمراء على الجدران الكلسية الدهان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا احلل مسح اسمي من على الرواية ..
تجميعي : ♫ معزوفة حنين ♫..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ووضعت المضيفة المصباح على المائدة , وأضافت بعض الخشب الى النار , وعادت مرة أخرى بعدما أزدادت ألسنة اللهب لتتفحص جيدا الزائر والزائرة , ورأت أيفين أن العجوز بعينيها الحادتين ووجهها المغضن المحاط بالشال الأسود أشبه بساحرة , لقد نظرت الى أيفين وقالت شيئا بأسبانية سريعة , وتطلعت أيفين الى دون جوان تسأله العون لأنها لم تستطع فهم اللهجة اقروية.

" السيدة تسأل أذا كنت ترغبين في تناول بعض الشوربة ".

" أوه , نعم , رجاء".
رد على العجوز بالأيجاب , فذهبت الى المدفأة وحرّكت قدرا أسود جهة اللهب , وطوال الوقت كانت تلقي بالملاحظات من فوق كتفها ,وأحست أيفين فجأة بقبضة دون جوان المفاجئة وهو يرفع بيديه الفراء عن كتفيها , وأسرعت العجوز الى المائدة وأخذت تضع آنية فخارية للشوربة وملاعق وبعض الخبز , وسألته أيفين:
" ماذا تقول؟".
كان المطبخ من الطراز القديم بمقاعده الخشبية ذات القوائم الثلاث , والبساط الملون الممدود أمام المدفأة , والخزانة المملوءة باآنية المختلفة , والمزهريات ذات الورود الأصطناعية .
وأمتد ظل دون جوان الى السقف , وكان يبدو في سترته الرمادية غريبا وسط هذا المطبخ القروي , لقد أعتادت أيفين على رؤيته وسط الستائر الذهبية الفخمة والأثاث الكلاسيكي الفاخر , وشذى الورود يختلط بدخان سيكاره.
وكان يبدو مترددا , كأنه يريد عدم خدش شعورها ... بشيء كان غير أعتيادي.
" تقول المرأة أنه لا يوجد غير فراش واحد ...... وهي مستعدة للنوم هنا بقرب المدفأة ".
نظرت اليه أيفين وقد غمرها شعور يائس , كان يستند بتعب على عصاه , أدركت أن ساقه تؤلمه وأنه ما من مكان آخر يمكنه أن يرتاح فيه ...... بأستثناء غرفة النوم الوحيدة هذه ! وأبعدت بصرها عنه وحدّثت نفسها قائلة أنه ينبغي ألا تكون متشددة ..... ولكن ماذا تراه قال للعجوز ؟
كان المطبخ يفوح برائحة العدس والأعشاب عندما أخذت العجوز تملأ الصحون بالشوربة , جلست أيفين الى المائدة بدون أن تتجرأ على النظر الى دون جوان , وشعرت بضعف ركبتيها , وكانت غريزتها تحدثها بأن الأسبانية العجوز لن تسمح لهما بالنوم معا إلا أذا أعتقدت أنهما متزوجان !
صعدا درجات حجرية ضيقة الى غرفة النوم , وأضاءت الشمعة التي تحملها أيفين جدران الغرفة وغطاء السرير اللامع عندما دخلا الغرفة ذات السقف المنخفض.
كان هناك سرير واحد , وخزانة صغيرة ومقعد , وكانت الغرفة تحت سقف الكوخ , وذكرت أيفين بغرفتها الصغيرة الباردة عند آل ساندل , ولكن لم يحدث أبدا أن تقاسمت الغرفة مع رجل أسمر طويل في عينيه لمعة شيطانية .

ولمحت هذا البريق وهو ينظر من المقعد الخشبي الوحيد الى الفراش , وشعرت كأنما سكون الغرفة يمتلىء بدقات قلبها.
همس : " يبدو أنك مضطربة ".
تلاقت عيناها بعينيه , ورأت فيهما سبب أضطرابها , وقالت :
" أنني دائما أضطرب هكذا عندما أكون متعبة ". وطوّحت بشعرها فوق كتفها , وأضافت:
" أنني .... أنني لن أتصرف بسخافة لأن علينا أن نتقاسم هذه الغرفة".
" بل علينا أيضا أن نتقاسم السرير , يمكن أن أكون قديسا وأجلس طوال الليل في هذا المقعد غير المريح , ولكنني واثق أن قلبك الرقيق لن يدعني أقاسي هذا العناء".
" بالطبع لا".
ثم شعرت بالضعف مرة أخرى وودت لو تخر ساقطة على جانب السرير ذي التنجيد الجنوني , والأعمدة الخشبية المحفورة باليد , ونظرت في كل مكان بأستثناء مكان دون جوان ووجهه الذي أنعكس عليه ضوء الشمعة وزاده سحرا , عليها أن تحاول عدم أساءة التصرف لأن الظروف أضطرتهما لتقاسم الغرفة........ والفراش !
وبدون تفكير قالت :
" يمكنني الأكتفاء بالمقعد ! ".
فقال بصوت ناعم ومنخفض:
" أيفين , حسبت أنك تشعرين معي بالأمان".
" أنني فقط ......".
" فقط ماذا , يا صغيرتي ؟".
" أنني لست طفلة".
" أذا أنت كبيرة الى حد تحافظين فيه على نفسك , وتظنين أننا الآن وحدنا هكذا , وأنني سأفقد السيطرة على نفسي وأندفع نحوك مبديا أعجابي".
ولكونها كانت غير واثقة منه الى هذا الحد , فقد مرّت ثانية أو ثانيتان قبل أن تدرك أنه كان يتهكم , فأسرعت قائلة :
" أنني غير معتادة على مثل هذه المواقف".
" أنت لست طفلة حتى أضربك , ولكن هناك وسيلة تعامل أخرى للرجل مع افتاة الخائفة , هل يمكنك معرفتها؟".
نظرت الى فمه وأبتعدت عنه قدر المستطاع , كان ضوء الشمعة على عنقها وذراعيها العاريتين ينعكس أيضا على عينيها المذعورتين وشعرها الأحمر الداكن , وكان مجرد التفكير في أن دون جوان قد يسيء اليها كافيا ليعكر هدوءها , وفجأة أنهمرت دموعها من العاطفة والتعب , ثم قالت وهي ترتعش:
" أنا ...... أنا لا أود أن أتشاجر معك ".
قال وهو ينظر الى دموعها وجسمها المتوتر :
" وماذا تريدين يا أيفين , لعلك لا تعرفين بنفسك , وأنا لا أريد أن أغضبك أكثر من هذه الليلة , ستنامين تحت أغطية الفراش , وسأنام أنا فوقها على الجانب الآخر".
وكانت أبتسامته محدودة , ولكنها كانت رحيمة , وأحست مرة أخرى بمشاعر لا تكاد تفهمها , في لحظة تريد أن تتشاجر معه وتهرب , وبعدها يجعلها تريد شيئا مختلفا.
لحظة أبتسم لها أطمأنت له كل الأطمئنان , وزالت عنها كل المخاوف والأوهام .
أرتعشت ..... قد يكون ذلك من جراء أفكارها , أو برودة الغرفة , وفي الحال لاحظ ذلك فأقترب منها وهو يعرج , وأمسك بيدها وأحس برودتها , وسألها:
" هل قدماك باردتان أيضا؟".
هزت رأسها وقالت:
" أن البرودة كانت دائما مشكلة بالنسبة الي , وأعتدت أن أصاب بتقرحهما في الشتاء ... بيت ساندل الريفي كان كبيرا وباردا".
" وكانت غرفتك بدون مدفأة ". وأجلسها على حافة الفراش وقال :
" أخلعي حذاءك , وسأدفىء لك قدميك".

لم يكن ثمة سبيل للأحتجاج , وبدون الحذاء , شعرت أنها صغيرة , طفلة , لا تقوى على شيء , ولمّا أخذ قدمها بين يديه وفركها حتى سرى فيها الدفء , شعرت بالخجل والأمتنان , كان أشبه بشيء يفعله الأب الى أبنته , ولكن هذا الرجل لم يكن أبويا في تصرفاته , أحست بالنعاس بعد الدفء , رفعها فوق الفراش ولف الأغطية من حولها , ونظرت هي اليه وقد ثقل جفناها.
سألها وظله كالقوس على الحائط أذ أنحنى كي يبعد شعرها عن وجهها :
" هل هذا أفضل ؟".
" كل شيء لطيف ومريح جدا".
سحب أصابعه من فوق خدها بعد أن أبعد شعرها عنه , وخطر لها أن تمسك بيده شاكرة , ولكنها تراجعت حتى لا تفسر كل شيء , وبسرعة أبتعد عنها , وأخذت تنظر الى ظله على الحائط وهو يخلع الحذاء والسترة وربطة العنق وأزرار أكمام القميص , ووضعها على المقعد المجاور للفراش , ثم أطفأ الشمعة وتمدّد على الجانب الآخر من الفراش وقد غطّى ساقيه بقطعة الفراء.
سمعت أيفين تنفسه , ثم صدرت عنه تنهيدة الراحة بعد تمديد ساقه التي تؤلمه.
يجب ألا يعلم أحد بهذه الليلة , وعلى الأخص راكيل التي قضى معها النهار , أن عيني راكيل تكشفان الأسرار أذا أستقرتا عليه , وهي لن تصدق أيضا أن فتاة قد تقضي اليل مع دون جوان بدون أن تجد نفسها تحلم به , وسمعته بهمس :
" أغمضي عينيك الواسعتين يا صغيرتي ونامي , الليلة هي سر بيننا , وغدا نبتسم بشأنها ".
وأخيرا تجرأت أيفين وسألته :
" ماذا قلت للعجوز ؟".
" لم أقل لها شيئا عنا".
" تعني أنك تركتها تفترض أنه يحق لنا المشاركة في الغرفة؟".
" الأفتراض هو الكلمة الصحيحة ".
" إنك لخبيث حقا يا دون جوان !".
" أذا كان هذا هو رأيك , ولكن عليك الأعتراف بأن الفراش أكثر راحة من الرقاد على مقعد طوال الليل".
" هذا صحيح".
" لا تثقلي على ضميرك , وأعتبري نفسك بعيدة جدا عني وأنعمي بالنوم".
أرادت أن تقهقه عندما قال ذلك ..... أنها تحبه عندما يلجأ الى الدعابة.......

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات