رواية بين الامس واليوم -133
كما لو كان أحدهم يجبره على استعمال شيء مستعمل..
كما لو أن أحدهم يطلب منه مثلا أن يغسل أسنانه بفرشاة استعملت قبله عشرات المرات.. ومع ذلك ليس حقه الرفض.. بل لابد أن يقبلها..
رغم بشاعة المثال... ولكن هذا ماشعر به فهد هذه اللحظة!!
شعور بالقرف يتزايد في روحه إلى درجة الاختناق!!
يعلم أن مثل هذا التفكير لا يجوز.. ومثل هذه المقارنة لا تجوز.. ولكن هذا هو تفكيره.. وهو هكذا!! هكذا خلقه الله!!
هو يرى نفسه كصقر حر لا يقبل بالفضلات.. وتأبى نفسه أن يلمس شيء لمسه سواه..
وحتى بعيدا عن كونها مطلقة.. وعن كونها ختاما من قبيلة مختلفة تماما..
هي.. كيف هي؟؟
فهو رجل على حدود الثلاثين بشخصية حادة جدا..
وأكثر ما يكرهه في العالم هي الأنثى المدللة .. لا يستطيع ابتلاعها حتى..
بينما هي من أطراف الحديث الذي كان يصله من منصور بدون قصد يعرف أنها مدللة جدا..
بل إنه في أحد المرات وهو مع منصور في سيارته اتصلت بعمها ففتح منصور الميكرفون دون قصد.. فوصله صوتها:
" عمي حبيبي وينك؟؟ تأخرت علي.. صار لي ساعة لابسة وأنتظرك!!"
منصور أغلق الميكرفون بغضب وهو ينزل من السيارة كاملة.. ولكن صوتها وصله بوضوح وأثار قرفه..
صوت بالغ النعومة إلى درجة تثير الغثيان.. وطريقتها في الحديث مدللة إلى درجة تثير الصداع..
فكيف يبتلي بمثل هذه في بيته؟؟
ومن ناحية ثالثة أو ربما رابعة.. يتخيل شكل من تضطر حضرة العقيد أن يتنازل عن كبرياءه وبرجه العالي ليخطب لها..
لابد لأنه يعلم أنها يستحيل أن تجد عريسا لبشاعتها.. لذا قرر أن يصتاده لها..
هذه التي فر زوجها منها وهما مازالا في المطار..
لابد أنه كان لزوجها المبرر القوي ليفعل ذلك في ابنة عمه!!
"مطلقة وشينة ودلوعة !!
والله العظيم ثلاث ضربات في الرأس مهيب توجع
إلا تذبح !!"
كانت هذه أفكار فهد التي غرق فيها الثوان التي تلت عرض منصور عليه قبل أن يقطع منصور عليه أفكاره بحزمه: فهد وشفيك سكتت؟؟
فهد نظر لمنصور بمودة غامرة واحترام جزيل..
رغم كل شيء هذا حضرة العقيد.. لو طلب منه أن يلقي نفسه في النار سيفعلها دون تردد..
فكيف والمطلوب أهون من ذلك.. زواج !!!... من أجله مستعد أن يتزوج الغولة حتى!!
لذا هتف بحزم بالغ: وليش ننتظر أسبوعين... عقب أسبوع تخلص عدتها ونكون عندك نخطب ثاني يوم..
*************************************
" يمه الله يهداش.. بسش دموع.. شعاع بروحها متوترة.. تكفين لا تشوف دموعش تحوس الدنيا"
أم عبدالرحمن بتأثر: هذا أنا قاعدة برا عشان ماتشوفني..
جوزاء بتأثر رقيق: بس هي كل شوي تسأل عنش.. وتقول أمي وينها.. تكفين يمه تعالي بس عقب ما تمسحين دموعش..
أم عبدالرحمن تنهدت بحرارة: زين يأمش خلني أروح الحمام أغسل وجهي وأجيش..
.
زاوية أخرى من حفل النساء..
" تدرين ماهقيت الأحمر بيطلع عليش يجنن كذا"
مزون تبتسم: ولا أنا..
ماتعودت صراحة على الألوان الجريئة كذا..
جميلة برقة: ياحلوه الأحمر.. ولو أنه ما يناسبني.. بس عليش خيال ورب العالمين..
مزون بمرح: يعني أروح أتمصلح عند أم غانم..؟؟؟
جميلة بمرح مشابه: تمصلحي والئلب داعي لك والعتبة خضراء
وكلها على قولت هريدي خال سميرة..
مزون بتردد: جد شايفته حلو علي؟؟
جميلة بابتسامة: ياملغش بس!! يجنن وربي يا البايخة!!
.
.
.
.
في غرفة العروس الملحقة بالقاعة
.
.
" يالبي قلبها طالعة تجنن.. تجنن !!"
سميرة بتأفف باسم تجيب وضحى التي كانت تنظر لشعاع بتأثر بالغ والدموع تترقرق في عينيها:
هذا كله معجبة ببنت عمتش..
لوعتي كبدي هذي المرة العشر طعش عقب الألف اللي تقولينها..
يأختي خلي للعريس شيء يقوله.. خلصتي الغزل كله عليه!!
وإلا تدرين خلصي الكلام على العريس لأنه المسكين يقولون مريض..
يشوف شعيع الليلة.. بيطب ساكت..
وضحى باستنكار: يمه منش.. فاولي على المسكين..
سميرة تضحك: أنا الحين اللي أفاول عليه.. شعيع دارية المسكين تعبان وقلبه مايستحمل وشو له تكشخ كذا..
ما ألومه يطب ساكت!!
على قولت خالي هريدي: دا يبئى موت وخراب ديار..
وضحى بغضب مرح: لو أن الله يفكنا منش أنتي وأمثال خالش كان حن بخير!!
.
.
" شعاع ياقلبي.. ترا ابي كلمني.. يقول اطلعي فوق
العريس واصل بعد شوي"
حينها أمسكت شعاع يد جوزا بقوة وبدأ ذقنها يرتعش: أمي وينها؟؟ أمي وينها؟؟
" هذا أنا يأمش هنا.." جاءها صوتها الحاني ولمسة يدها الأحن .. شعاع حينها أمسكت ذراع والدتها بقوة وكل مافيها يرتعش..
أم عبدالرحمن ربتت عليها بحنو وهي تسمي عليها وتدعو لها وتقرأ عليها آيات من القرآن الكريم..
ثم التفتت وهي تهمس بحزم أمومي حتى تمنع نفسها من البكاء: جوزا هاتي عباة أختش..
وأنتي ياوضحى روحي ادعي أمش تطلع معنا فوق..
**********************************
دقائق مرت منذ غادرهما الجميع وأغلقوا باب الجناح خلفهم..
وكلاهما معتصم بمكانه دون أن ينظر للآخر مطلقا..
حين دخل للجناح تلقته خالته وأخته وعمته مزنة وأجلسوه بجوار العروس..
التي كانت وصلت قبله بدقائق ورتبوا شكلها وجلست..
ولم يبق معها سوى والدتها التي كانت توصيه بابنتها بصوت بالغ الاختناق..
لم يستطع حتى أن يتكلم.. شعر أنه يختنق فعلا.. لذا هز رأسه بهزة حاول جعلها واثقة..
كانوا يباركون له وهو يشعر أنه في عالم آخر.. آخر!!
أبعد مايكون عنهم... وعن أجواءهم..
لم يرد على أحد..
خشي أن ينفجر..
أن يقول لهم لماذا تباركون لي؟؟ المفترض أن تعزوني لأن روحي تموت.. تموت..!!
كان كلاهما يجلسان على المقعد الطويل.. يشعر بأطراف ثوبها الأبيض المتسع بعفوية تلامس بشته الأسود..
ومع ذلك يشعر أن بينهما مسافة ككل محيطات الأرض!!
لم يستطع حتى أن ينظر ناحيتها..
كان كل ما اقتحمه منها هو رائحة عطرها وبخورها الفاخر تزكم أنفه من هذا القرب!!
أما كل مالمحه منها فهو عضدها النحيل المطرز بنقوش الحناء..
شعر حينها بألم غير مفهوم يغوص في حناياه..
كل شيء يعود ليذكره بها رغما عنه!!
فهي أيضا كان عضدها نحيل.. وعظامها غاية في الرقة..
حينها عاوده الشعور بالذنب يعتصر روحه..
يعتصره من الناحيتين.. هاهي حلاله جواره... وهو يفكر في حلال سواه..
"يا الله ما كل هذا الألم!! ماكل هذا الألم!!
يارب ماعاد في القلب مكان!!
ماعاد في القلب مكان.. ارحمني
ارحمني!!"
هي مازالت تعتصم بمكانها ترتعش بخجل شديد.. لم تستطع مطلقا أن ترفع عينيها له..
وهي تمسك بمسكتها وتفرغ توترها فيها.. وهي تشدد قبضتها حولها
وحين جلس جوارها كادت تقفز من مكانها خجلا وهي تشعر بحفيف بشته يلامس عضدها العاري..
وتشعر أنها ستنتختنق فعلا.. وعاجزة عن سحب الأكسجين !!
ففستانها كان برقبة عالية (هاي نك) على الطريقة الفيكتورية يزين منتصفه (بروش) دائري من الألماس..
وأسلاك الكورساج الحديدية تشعر بها تطبق على أضلاعها و أنفاسها أكثر وأكثر..
ورغم بساطة الفستان ونعومته ورقيه إلا أنها شعرت أن كل مافيه يطبق على أنفاسها ويخنقها..
ومازادها اختناقا.. تجاهل هذا الجالس جوارها لها..
لا تعلم لِـمَ قفز لذاكرتها برعب ليلة جوزاء الأولى مع عبدالله...
أ يعقل أن يكتب عليها ذات المصير الذي قلب حياة أختها؟؟
كانت الدقائق تمر وتمر وتمر وهو يتجاهلها.. دون أن يتحرك من مكانه أو يوجه لها كلمة واحدة..
بينما هو لم يكن مطلقا يقصد تجاهلها ولكنه لم يشعر بمرور الوقت وهو غارق في أفكاره.. ويخشى أن يقول لها شيئا فيضايقها!!
مشاعره الرقيقة ممزقة بين عمق مشاعره في تلك الآخرى..
وخوفه من إيذاء من تجلس جواره!!
شعاع حين يأست أنه قد يبادر بشيء.. قررت أن تنهض فهي ماعادت قادرة على احتمال الفستان..
شعرت بضيق عميق أنه دفعها لتجاهل خجلها الطبيعي..
بينما هو حين رأى خيالها يعبر أمامه ... كان بوده أن يقول لها أي شيء حتى لو كانت مجاملة باردة لا تقدم ولا تؤخر..
فهي مهما يكن صبية ليلة زفافها.. ولا تستحق التجاهل..
لكنه حين رآها تتجه للحمام.. قرر أن يتركها حتى تنتهي من الحمام قبل أن يحاول محادثتها..
شعاع دخلت الحمام.. استندت للمغسلة بكفيها وهي تشد لها نفسا عميقا..
وتهمس لنفسها بتجلد عذب:
ماني باكية.. ماني باكية.. لازم أقدر إنه تعبان ونفسيته تعبانة..
وأكيد الموضوع اللي قالته لي خالتي مزنة متعب نفسيته أكثر..
لازم أراعي ذا الشيء..
شعاع لا تعلم إن كان رأى زينتها حتى.. لكنها تتوقع أنه رآها حين دخل..
كان بودها أن تجلس معه بزينتها قليلا.. فلمن تزينت هذه الليلة؟؟
لكنها خشيت أن يسيء فهمها وخصوصا مع تجاهله لها..
لذا خلعت ثوبها رغم صعوبة الأمر..
ثم مسحت زينتها بعناية بالغة.. ثم فككت تسريحتها اللولبية لتتناثر اللفات بنعومة على كتفيها..
كانت تريد أن تستحم ولكنها رأت أنها بذلك ستستغرق وقتا طويلا.. ولا يليق أن تتركه كل ذلك..
ارتدت فستانا أبيضا ناعما خفيفا من الشيفون يصل طوله لمنتصف ساقها كانت طلبت من جوزا أن تعلقه لها في الحمام..
ولكنها حين رأت كشفه ساقيها تمنت لو أنها اختارت فستانا طويلا..
ولكن لم يكن هناك سواه هو وقميص نومها الذي لم تكن تريد أن ترتديه أبدا..
لذا لبست صندلها الشفاف الذي يكشف عن نقوش الحناء التي كانت تصل
لأسفل ركبتيها ..
ثم وضعت ماسكرا وأحمر شفاه مشمشي اللون واكتفت بهما.. وقررت الخروج..
وقفت لوقت طويل أمام باب الحمام الذي كانت فتحته أساسا.. ولكنها لم تستطع الخروج عبره لشدة إحساسها بالخجل..
حتى سمعت الهمس الرجولي العميق الهادئ والقريب: شعاع تعالي لا تستحين..
بدا لها الصوت مألوفا لحد ما.. لكنها لم تستطع التعرف عليه..
ولكنها تعترف في ذاتها أنها شعرت برعشة حادة دافئة وهي تسمع اسمها بنبرته الرجولية العميقة!!
خرجت وهي تكاد تتعثر في خطواتها..
هو كان قد خلع بشته وغترته ويجلس بثوبه فقط في الجلسة القريبة من الحمام..
عاود الهمس لها بذات نبرته الهادئة العميقة: تعالي اقعدي.. قلت لش لا تستحين!!
صرت جبينها قليلا "الصوت غير غريب.. كأني قد سمعته قبلا.. لكن لا أعلم أين!!"
تقدمت باستيحاء وجلست مقابلا له على الأريكة...
هو لم يكن يشعر بأي رغبة لا في محادثتها ولا في النظر إليها ولكن إحساسه بالذنب من ناحيتها كان يجبره على ذلك..
حينها رفع عينيه لها بينما كانت هي تخفض رأسها بشدة.. فلم يرى إلا خصل شعرها الملتوية بعذوبة تتناثر للأمام..
لا يعلم حينها لِـمَ شعر برعشة حادة صارخة تجتاح روحه حتى أقصاها حين نظر لها..
شيء غير مفهوم يحصل له.. !!
شيء لا يعقل يحصل له!!
لماذا ترتعش يداه هكذا؟؟
وريقه لماذا جف هكذا؟؟
وأنفاسه لماذا تتثاقل هكذا؟؟
ودقات قلبه لماذا تتزايد بعنف هكذا؟؟
إحساس شعر به مرة واحدة فقط.. واحدة فقط في حياته كلها!!
المرة الثانية التي تبع فيها حبيبته المجهولة في ممر المستشفى!!
فلماذا يعود له الآن؟؟ لماذا؟؟
حينها همس باختناق لا يعلم له سببا: ترا العشا جا من أول مادخلتي الحمام.. تعشين؟؟
همست باختناق خجلها الرقيق دون أن ترفع رأسها: شكرا.. ما أبي..
كلمتان..
كـــــلــمتــــان
كــلـــمـــتــــــان فقط!!
أحرف معدودة من بين شفتيها..!!
بل لو همست بحرف لعرفها.. بينما هي سمعت كل هذه الجمل ولم تعرفه..
فكيف تعرفه وهي نحرته ومضت..؟؟
كيف تعرفه وهي ارتكبت جريمتها فيه ثم ارتحلت؟؟
كان يكفيه حرف واحد من صوتها الذي سكن روحه ليعرفها..
كان يكفيه همسة واحدة من همساتها التي رافقت أحلامه ويقظته طيلة الوقت الماضي ليعرفها..
كيف كانت جواره طوال الساعة الماضية ولم يعرفها..؟؟
كيف لم يتعرف على رائحتها حتى لو غطتها أطنان البخور والعطور؟؟
كيف كانت جواره ولم يروي ضمأ روحه لروحها منذ الدقيقة الأولى؟؟
كيف سمح أن يضيع دقيقة واحدة من بين يديه؟؟
لم يسأل لحظتها كيف ولماذا؟؟
فالحقيقة بدت واضحة كوضوح الشمس.. وهكذا كان يجب أن تكون منذ البداية..!!
هي له منذ البداية ولم تكن أبدا لسواه..
وكان يستحيل أن تكون لسواه!!
هكذا العدالة تقول.. وهكذا الحق يقول..
يستحيل أن يحبها كل هذا الحب.. ويعشقها كل هذا العشق.. وترتبط روحه بها إلى درجة التمازج ثم تذهب لغيره..
فهو لم يعشقها هكذا إلا لأن روحه نادت نصفه الثاني في حناياها!!
كانت له.. له وحده.. منذ البداية.. لــــــه!!
لـــــــــــه هو فقط!!
هي أنهت همستها القصيرة وصمتت لتتفاجأ بعد ثانية واحدة بيديه الأثنتين تنتزعانها من مكانها ليوقفها..
شهقت برعب لأنها لم تعرف لماذا تصرف هكذا.. وهي ترفع عينيها له..
وبقدر الرعب الصارخ الذي ارتسم على ملامحها وهي تتعرف على الواقف أمامها..
على الضد كانت ترتسم على محياه أضعاف مضاعفة من مشاعر الشجن والوجع واليأس والألم والولع والعشق اللامحدود..
وعيناه تلتهمان بعطش قرون وقرون تفاصيلها تفصيلا تفصيلا..
تلتهم بشوق سرمدي لا نهائي كل انحناءات وجهها التي حُفرت في روحه وعلى مجاري دمه..
هي ..بدأت ترتعش بعنف.. حين رأته ينقل كفيه من عضديها إلى وجهها ويتحسسه بأصابع يديه الأثنتين..
كانت روحه تبكي وتنزف طوفانا تلو طوفان.. وهو يتحسس مخمل وجهها بأنامله المرتعشة..
يريد أن يتأكد أنها أمامه فعلا.. أمامه فعلا!!
"يا الله.. ما أكبر رحمتك.. ما أكبر رحمتك!!
أنا كنت على أبوب قبري خلاص"
كان ارتعاشها يتزايد وعيناها الجزعتان تمتلئان بالدموع..
أ يكون هذا هو نصيبها؟؟ ومع هذا الرجل بالذات؟؟
بينما هو كان مشغوف بالنظر لها وكأنه لن يشبع مطلقا من النظر..
وهو ينقل يديه من وجهها ليدفنهما في طيات شعرها ..
وهو يقترب منها برفق.. ليدفن رأسه بين خصلاتها ويتنفس..
يتنفس بعمق موجوع.. وكأنه يتنفس كل أكسجين الحياة بعد اختناق..
يتنفس بعد التصقت رئتاه من الجفاف واليأس..
يتنفس بعد أن جف الهواء في مسارب جسده وروحه!!
" يالله.. أشعر أني سأموت الآن..
أحقا هاهي بين يدي؟؟"
حينها شدها بحنو ليحتضنها بكل قوته.. وهو يدفنها بين أضلاعه.. بين حناياه..
بين خلايا جسده الذي جف شوقا لها.. وآن له يزهر ويرتوي برؤيتها وقربها!!
" هي.. هي..
ملمسها.. وعظامها.. وعبق روحها..
هي.. هي!!"
شعاع بدأت تشهق بخفة وهي تحاول إبعاد نفسها عنه دون جدوى..
لم تعد المشكلة لديها أنه شاب عابث أو يطارد الفتيات..
ولكن المشكلة أصبحت أنه اقتحم خجلها دون تمهيد.. وأنه كسر حياؤها الرقيق دون اهتمام!!
أما حين أفلتها ليمسك بوجهها بين كفيه ليقبلها بكل شغف العالم وولعه..
شعرت أنها ستنهار فعلا من شدة الصدمة والخجل..
بينما هو كان يحلق في عالم آخر..آخر..
يشعر أنه يعود ليتنفس الحياة عبر أنفاسها الداخلة إلى صدره..
رائحة أنفاسها التي تربعت في روحه ولم تغادر أبدا.. وهي تستنزف الحياة منه رويدا رويدا..
هاهي تعيد له الحياة الذاهبة مرة أخرى!!
شدت نفسها بقوة من بين ذراعيه لتسقط للخلف على الأريكة..
وهي تتراجع لأقصى الخلف وترفع قدميها للأعلى وهي تضمهما لصدرها وتنتحب..
حينها زالت الغيبوبة اللذيذة التي كان غارقا فيها إلى مافوق أذنيه..
انتبه إلى أنه صدمها بتصرفه غير المعقول بالنسبة لها..
فالصورة التي ظهرت لها أنه هجم عليها دون مقدمات..
شعر أنه عاد للتعبثر وهو يسمع نحيبها الذي عاد لتمزيق روحه من جديد..
" لا يمكن أن أسمح للدموع أن تجدا طريقا لعينيها!!"
علي جلس جوارها وهو يضع كفيه على كتفيها المنحنيين على ركبتيها ويهمس بوجع عميق مغلف بسعادته الأعمق:
شعاع حبيبتي.. لا تلوميني.. والله العظيم ماحسيت بنفسي..
أنا ماكنت في وعيي.. أنا ماصدقت أشوفش..
أنا من عقب سالفة الأصنصير وأنا لا ليلي ليل ولا نهاري..
أنا كل المرض اللي جاني من سبة فرقاش.. مادريت إنش أساسا مرتي وحلالي..
ياقلبي أنا كنت مثل واحد ميت عطش وعقبه لقى الماي قدامه...
تكفين لا تبكين!!
شعاع هزت كتفيها لتبعد كفيه عنها.. وهي ترفع رأسها وتبتعد أكثر لطرف الأريكة..
بينما علي اقترب أكثر منها وهو يتناول كفيها ويدفن وجهه بينهما
وهو يغمرهما بقبلات ملهوفة وموجوعة ومشتاقة ويهمس بمقدار وجع قبلاته وشوقها:
حبيبتي تكفين لا تبكين.. واللي يرحم والديش لا تحرقين قلبي..
سوي فيني اللي تبينه.. أنا ما أبي إلا شوفتش قدامي..
بس تكفين لا تبكين.. لا تبكين..
شعاع تراجعت أكثر وهي تشد كفيها منه وملامح الرعب تتزايد على وجهها..
لم تعد المشكلة لديها أنه عابث أو يطارد الفتيات!!
ولم تعد المشكلة في اقتحامه الجريء لخجلها الرقيق..
بل المشكلة باتت أخطر... أخــطــر من ذلك بكثير..!!!
والفكرة تقفز لبالها بكل وضوح ومنطقية... ورعب !!!
#أنفاس_قطر#
.
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاصل إعلآني ^_^ / ..
جميع الحقوق محفوظة لدى : || شبكة ومنتديـآت ***** الثقــآفيـة || ..
تجميع : ♫ معزوفة حنين ♫..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين الأمس واليوم/ الجزء الثامن والسبعون
مازالت تنظر له برعب متزايد..
بينما هو ينهمر بالكلمات بيأس.. ماعاد حتى قادرا على الصمت..
ولماذا يصمت وكيف يصمت؟؟
تعب من الصمت.. تعب من الكتمان..!!
تعب من الحرمان!!
يعلم أنه تهور في تصرفها معها.. ولكن أ يمكن أن يُلام على ذلك؟؟
فالذي حدث له لا يمكن تخيله ولا تصوره...
كما لو أنك سافرت لبلد بعيد.. وبقيت تعمل في هذا البلد لـ 40 عاما متواصلة بلا راحة..
وتواصل الليل بالنهار.. وحرمت نفسك من كل متع الحياة وأنت تعاني بصمت لا تشتكي حتى عما تعانيه.. لتجمع لك مالا يريحك حين تعود لبلدك..
ثم في رحلة العودة.. فقدت حقيبة المال وسط شارع مزدحم..
فكيف سيكون حالك وأنت تبحث وتبحث وتبحث وتمر الأشهر ولا تجد مالك..؟؟
ثم تعود لبلدك البعيد مقهورا منحورا يائسا.. أشبه بجسد ميت أنهكه العمل دون فائدة!!
ثم تفتح باب غرفتك......
لتجد حقيبة المال تتربع على سريرك..
كيف ستكون ردة فعلك؟؟ كيف؟؟
فرحة هذا الرجل بماله.. لن تكون قطرة واحدة في محيطات فرحة علي برؤية شعاع أمامه..
أ تلومه حينها على تعبيره عن فرحته؟؟!!
فهو كان مخنوقا على آخر رمق يزفر أنفاسه الأخيرة.. فأرسلوا له الهواء!!
كان عطشانا تشققت روحه من العطش.. فأرسلوا له أعذب ماء في الكون!!
كان محموما تجاوزت حرارته الأربعين.. ووضعوه في درجة حرارة تجاوزت الخمسين..
وحين تحمص من الحرارة.. سكبوا عليه ثلجا رقيقا باردا !!
فكيف ستكون ردة فعله؟؟ كيف؟؟
يعلم أنه فاجاءها وصدمها.. ولكن هل كان بيده شيء آخر!!
مازال حتى الآن لم يروي حتى واحدا من مليارات شوقه لها وهي مرعوبة منه هكذا..
فكيف لو سكب لها ما تبقى!!
اقترب منها أكثر وهو يلتصق بركبتيها المطويتين ويهمس بكل وجعه ويأسه وولعه:
سامحيني يا قلبي.. والله العظيم غصبا عني.. ماقصدت أخوفش كذا..
بس أنا كنت ميت بكل معنى الكلمة..
فاهمة أشلون ميت؟؟ ميت من تفكيري فيش وشوفي لش..
وأنا كنت أظنش حلم مستحيل مستحيل ألقاه يوم!!
تكفين لا تخافين مني..
مازالت تنظر له بذات الرعب والجزع..
وهي في داخلها لا تصدق حرفا واحدا مما يقول.. فهناك فكرة مرعبة واحدة اجتاحت تفكيرها وتغلغلت فيه ولم تسمح لها بالتفكير بشيء آخر سواه!!
مد يده بيأس ليمسح طرف خدها بظهر أنامله..
سيموت ليضمها إلى صدره.. ليتنفس رائحتها من قرب.. ليرتشف أنفاسها التي أضناه الشوق لها..
ولكنها قفزت عن الأريكة كاملة وهي تهمس بارتعاش:
أنت الدكتور ماقال لك لا تقرب مني..؟؟
لا تقرب مني!! لا تقرب مني!!
حينها قفز علي بغضبه المتفجر المصدوم المفجوع: من اللي قال لش ذا الكلام؟؟ من؟؟
شعاع بدأت تنتحب: مهوب مهم من اللي قال لي.. بس أنت لا تقرب مني..
لا تقرب مني..
والله العظيم لو حاولت تقرب مني مرة ثانية.. إني لأصيح مع الدريشة.. وأفضحك في الأوتيل كله!!
علي تنهد بعمق وقهر عظيم يتصاعد في روحه.. كيف يسمحون لأنفسهم أن يتدخلوا في حياته ويفسدوها بهذه الطريقة؟؟
تنهد بعمق أكبر.. لا يريد منها شيئا.. يكفيه رؤيتها أمامه..
لكنه تمنى أن تسمح له ببعض القرب فقط.. بعضه.. لا يريد شيئا أكثر..
بعضا من القرب يروي روحه المجدبة..
بعضا من القرب ينسكب بنداه على صحراء خلاياه القاحلة..
ولكن كيف يقترب وهي جافلة هكذا!!
تنهد وهو يهمس لها بحنان عميق:
خلاص حبيبتي لا تخافين.. ماني بجاي جنبش.. أنا الحين بأتوضأ أصلي قيامي..
وأنتي هدي.. هدي..
حين غادرها عادت للانهيار على الأريكة وهي تنفجر في النحيب بصوت مسموع..
" قال يصلي.. تعرف ربك أنت؟؟
يا الله.. ليه ياربي كذا.. ليه؟؟
اللهم لا اعتراض.. سامحني يارب..
بس ماسويت في دنيتي اللي أستاهل عليه تعاقبني بواحد مثل هذا..
يارب سامحني..
اللهم لا اعتراض..
إنا لله وإنا إليه راجعون!! "
لم يعلم زايد ومزنة أن تدخلهما الحاني.. قلب الأمور رأسا على عقب..
فربما لو لم تقل مزنة لشعاع ماقالته.. لربما كان لعلي بصيص أمل في مسامحتها له..
فهي كانت ستظنه شاب عابث ككثير من الشباب.. ولكنه حين تسمع تبريراته قد تصدقها بحسن نيتها..
أو ربما تغضب منه لأيام..وترضى مع تعرفها على شخصيته العذبة الشفافة..
ولكن ماسمعته من مزنة.. مع ماحدث الليلة.. مع أحداث مرضه.. مع ماحدث لها معه في مقابلتهما الأولى في المستشفى ...
مع معرفتها بعمله في الخارج لسنوات...
كل هذه المعطيات صنعت من علي شخصية بشعة.. بل غاية البشاعة في عينيها..!!
فالصورة التي تكونت لديها..
أن علي شاب تجاوز عبثه كل حدود.. لدرجة الانغماس في الخطيئة التي من المؤكد أنها نقلت له مرضا خطيرا معديا.. ناتج عن علاقاته غير المشروعة..
وإلا كيف تفسر هجومه عليها إلا بكونه شاب لا يهمه غرائزه..؟؟
ولأن مزنة كانت تخاف عليه منه.. أو أن يجرها معه أو يصيبها بالعدوى..
حذرتها بطريق غير مباشر أن لا تسمح له بلمسها..
لا تشك في نوايا أهله.. أو أنهم زوجوها ابنهم وهو مريض بهكذا مرض..
فمن المؤكد أنهم لم يكتشفوا مرضه إلا في الأيام الأخيرة.. وسيكون إلغاء الزواج فضيحة مدوية..
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك