رواية بين الامس واليوم -134
أن علي شاب تجاوز عبثه كل حدود.. لدرجة الانغماس في الخطيئة التي من المؤكد أنها نقلت له مرضا خطيرا معديا.. ناتج عن علاقاته غير المشروعة..
وإلا كيف تفسر هجومه عليها إلا بكونه شاب لا يهمه غرائزه..؟؟
ولأن مزنة كانت تخاف عليه منه.. أو أن يجرها معه أو يصيبها بالعدوى..
حذرتها بطريق غير مباشر أن لا تسمح له بلمسها..
لا تشك في نوايا أهله.. أو أنهم زوجوها ابنهم وهو مريض بهكذا مرض..
فمن المؤكد أنهم لم يكتشفوا مرضه إلا في الأيام الأخيرة.. وسيكون إلغاء الزواج فضيحة مدوية..
لذا أخبرتها مزنة بشكل غير مباشر.. فعلي لم يبدو لها مريضا للدرجة التي وصفتها لها مزنة..
لكن لأنها خائفة عليها.. ألفت كل هذه الحكاية عن أن صحته لا تحتمل.. حتى تحميها منه..
ومازاد في بشاعة الصورة أمامها.. أنه أراد منذ اللحظة الأولى أن يجرها معه لإشباع رغباته دون اهتمام بما سيجلبه لها من مصائب..
بل ويؤلف لها حكاية لا تصدق عن عشقه لها ليقنعها بما يريد..
فأي رجل بشع هذا!!
أي رجل بشع !!
**************************************
" مزنة.. اشفيش الليلة؟؟ مزاجش كنه مهوب رايق..أول مرة أشوفش كذا"
مزنة تترك المشط الذي كانت تمشط بها شعرها وتضعه على التسريحة لتلتفت لزايد الذي كان يجلس على طرف السرير
وتهمس بنبرة مقصودة: لا أبد.. وليش مايروق مزاجي..
أنت سويت شيء يعكر المزاج يا أبو كساب؟؟
ليس جاهلا كي يجهل أن نبرتها تحمل الكثير من الغضب.. هتف بحزم بالغ:
وأبو كساب وش سوى يعكر مزاجش؟؟
توني كنت عندش اليوم الصبح ومافيش شيء..
حينها أكملت بذات النبرة المقصودة الحادة:
إيـــــه !! اليوم الصبح !! قلت لي كلام واجد اليوم الصبح..
تدري من كثرته.... نسيته!!
حينها وقف زايد ليقترب منها (هذي وش فيها الليلة؟؟ أبد مهيب عوايدها!!) وهتف بغضب حازم:
مزنة عندش شيء تقولينه.. قوليه لا تلفين وتدورين كذا!!
بروحي تعبان من الصلبة في عرس علي..
حينها وقفت مزنة لتقابله وهي تهمس بحدة حازمة: ليه أنت قلت لي شيء..
عشان أقول لك شيء..
ثم حين أنهت عبارتها استدارت لتغادر.. لتوقفها قبضة زايد التي انتزعت عضدها بقوة وهو يشدها ليديرها ناحيته بطريقة حادة آلمتها في عضدها
وهو يهتف بغضبه الحازم المتماسك:
ما اسمح لش تعطيني ظهرش وأنا أكلمش..
حينها تفجر غضب مزنة المتجمع منذ بداية الليل وهي تشد عضدها بقوة من يده وتهتف بغضبها الحاد المتفجر:
وأنا ما أسمح لك تمسكني بذا الطريقة.. وذا المرة بأعديها عشان خاطر علي بس وأنك تعبت في عرسه...
لكن لو تكررت إنك تمد يدك علي بأي طريقة.. بيكون تصرفي شيء مايخطر على بالك أبد..
مهوب أنا اللي تنمد علي يد عقب ذا السنين كلها..
وإن كنت عديتها لك وأنا بزر..
ما أعديها لك الحين!!
بعثرت الصدمة تفكير زايد وهو ينظر لها بذهول حقيقي: مزنة تهدديني..؟؟
مزنة ابتعدت لتجلس على طرف السرير وهي تهمس بحزم واثق:
ما أهددك.. محشوم يا أبو كساب.. بس أحط النقط على الحروف..
ثم أردفت بذات الحزم الواثق وبنبرة مقصودة جدا:
ومتى ما بغيتني أرتب شنطتك قل لي.. إلا لو أنت مرتبها من زمان ومخليها في المطار!!
حينها علم زايد سبب غضبها.. ولكنه بالفعل مازال مذهولا.. مذهولا بمعنى الكلمة.. ذهوله منعه من التصرف كما يجب..
فهو من ناحية ... كان يشعر بدغدغة لذيذة ما..
وهو يرى حدتها القديمة وسلاطة لسانها تتدفق أمامه.. تماما كما كانت في صباها..
وكأن الأيام لم تنقضي!!
كأنها لم تنقضي!!
ولكن الغريب.. الغريب..!!
من ناحية أخرى..أن تصرفها المتحدي مطلقا لم يرضيه ولم يعجبه..
يكره أن تتصرف معه زوجته بهذه الطريقة الحادة وهي تضع رأسها برأسه..
وخصوصا أن مزنة عودته الأيام الماضية على أقصى درجات اللطف والاحترام بل والتبجيل!!
فأين كانت تخفي هذه الحدة كلها؟؟
" عسى ماتعبتي الليلة؟؟ "
كان هذا سؤال كساب لكاسرة التي تمددت جواره بعد أن أنهت قيامها ووردها..
أجابته بسكون: لا ماتعبت.. بالعكس.. العرس كان رايق ويجنن مثله مثل المعاريس..
مد ذراعه لها دون أن يتكلم.. فاقتربت هي أيضا دون تتكلم ووضعت رأسها على عضده.. ليحتضنها بخفة..
لا فائدة من المعارضة.. فهذا الرجل غير قابل للإصلاح...
عدا أنها تعلم مهما كان فرضه لرأيه يضايقها.. فهي لن تستطيع النوم براحة إلا قريبا منه..
وإلا فأنها ستعاني الأرق والكوابيس التي تعانيها بعيدا عنه!!
همست برجاء ووجهها يختبئ قريبا من عنقه: كساب قل لي تكفى.. ليش انسجنت؟؟
والله العظيم ما أقول لأحد.. تشك إني ممكن أطلع أسرارك..؟؟
بس تكفى ريحني..
كساب أجابها بحنان مرهق وهو يمسح على شعرها: أدري إنش ماراح تقولين لأحد..
بس صدقيني السالفة كلها ماتهمش.. لا تلحين يا بنت الحلال..
أنا ما أدري متى بتصيرين تأقلمين مع طبايعي..
أنتي تدرين إني لو عندت في شيء ما أحب حد يناقشني.. ليش دايما تبين تطلعيني من طوري؟؟
حينها همست كاسرة بعمق: وأنت متى بتفهم إني ما أقدر أتأقلم مع حياة الغموض اللي أنت معيشني فيها..
أشلون نعيش حياة طبيعية وأنت حاط بيننا ذا الحواجز كلها؟؟
كساب صمت بيأس وهو يشدها أكثر لصدره..
وهي متى ستفهم أن يريدها أقرب من أنفاسه دون أي حواجز..
ولكن هذا مايقدر عليه..!!
فعلا هذا مايقدر عليه مع كل التعقيدات في شخصيته وحياته!!
********************************************
كانت مستغربة من طول صلاته فعلا..
فهي استحمت وصلت وقرأت وردها.. وهو مازال قائما يصلي..ويدعو ويبتهل.
ومضى له أكثر من نصف ساعة الآن وهو يقرأ القرآن
كيف يستوي أن شخصا عابثا مثله يصلي هكذا صلاة ويعرف الورد؟؟
" تمثيل يا الخبلة.. يمثل.. وإلا واحد مثل هذا يعرف صلاة وإلا قرآن!!"
كانت تجلس على الأريكة وهي ترتدي لها قميصا حريريا بأكمام طويلة بأطراف من الدانتيل..
فهي يستحيل أن تلبس عند هذا المخلوق المنحط الهمجي قميص نوم أو حتى بيجامة!!
هو كان يختم ورده وصلاته بعد أن أكثر من شكر الله الذي منّ عليه بالمغفرة وبنعمة وجود شعاع جواره..
ثم التفت لها.... ليبتسم وتبتسم روحه وهو يراها كزهرة ندية في غلالتها الزهرية وشعرها المبلول مازال يتناثر على كتفيها..
بدت له أشبه بلوحة خيالية لا يمكن أن توجد على أرض الواقع!!
فكيف يكون على أرض الواقع هذا الحسن.. وهذه البراءة.. وهذه الفتنة؟؟
اقترب ليجلس قريبا منها.. لتتأخر هي بجزع..
حينها تأخر هو قليلا وهو يشعر أنه يقهر روحه لأقصى درجات القهر ليبعد نفسه عنها..
بينما يشعر أنها كالمغناطيس الذي رغما عنه لابد أن يلتصق به..
همس علي بيأس: شعاع ياقلبي أنتي.. يانور عيوني.. أدري إني غلطت يوم خوفتش مني.. بس غصبا عني..
لا تخلين ذا الشيء حاجز بيننا.. تكفين.. أنا ماهقيت إني بشوفش قدامي..
لا تخربين علينا شهر عسلنا عشان غلطة صغيرة والله ماقصدت أضايقش فيها..
شعاع بصدمة: غلطة صغيرة؟؟ وشهر عسل؟؟
أي عسل هذا اللي في ظنك إني ممكن أعيشه وياك؟؟
ثم أردفت برجاء طفولي عميق: تكفى علي.. أنا بسافر معك لعلاجك.. وماراح أقول لأحد شيء..
بس تكفى لا تجي جنبي.. وإذا رجعنا طلقني.. تكفى!!
علي قفز وهو يرتعش بشدة.. وكلماته تتبعثر بصدمة كاسحة: نعم .. نعم؟؟
أطلقش؟؟ أنتي صاحية؟؟
أخليش عقب ما لقيتش؟؟
شد له نفسا عميقا وهو يحاول التماسك رغم أنه يشعر أنه سينهار..
وكل الطاقة التي في جسده كما لو كانت سُحبت فجأة ككقنديل سُحب ضوءه فجأة..
همس بنبرة تهدئة مرهقة: اسمعيني زين شعاع..
ماراح أجي جنبش إلا برضاش...
بس تكفين طاري الطلاق ذا ما تجيبينه حتى لو كنتي ماتقصدينه.. سمعتيني..
لا تستعجلين.. يمكن تكونين أرملة أقرب..
شعاع انتفضت بجزع..
" يعني عارف إنه مريض لدرجة إنه ممكن يموت
ومع كذا يركض وراء شهواته لين آخر لحظة!!
أعوذ بالله من مثل ذا الإنسان!!
أعوذ بالله!! "
علي أنهى عبارته ثم توجه للسرير وأندس فيه وهو يتمتم بالأذكار..
مثقل بإرهاق غير طبيعي...
إرهاق نزع منه إحساس الحياة المذهل الذي شعر به يتدفق إلى عروقه إلى درجة الأمتلاء المتفجر حين رآها أمامه..
فالطاقة الروحية المتدفقة التي شعر بها جابهها الآن رغما عنه يأسه وصدمته وضعف جسده فعلا..
فآخر غذاء دخل لعروقه هو الجلوكوز الذي عُلق عليه هذا الصباح!!
"يا الله.. وش فيها عليّ؟؟
يعني تهورت وضميتها وحبيتها.. يكون سبب عشان تطلب مني الطلاق؟؟..
والله العظيم ما أبي منها شيء.. تكفيني شوفتها..
بس شوفتها برضاها وهي مبسوطة .. مهوب وهي مجبورة وتبكي!!
يا ربي...
تكون وافقت علي مغصوبة؟؟!!
أو زعلت لأني مهما كان عرضت على وحدة الزواج وهي على ذمتي؟؟!!
بس هي ماقالت لي وش سبب زعلها؟؟
ما على لسانها إلا.. لا تقرب مني!!
ياقلبي ما أبي أقرب..
.
إلا أبي أقرب وأبي أكون أقرب أنفاسش!!
يا ربي بأستخف.. بأستخف "
تنهد بعمق وهو يحاول إراحة جسده المنهك..
ورغم كل شيء.. كان يغلق عينيه وعلى شفتيه إبتسامة شفافة..
فهو لم يتخيل ولا حتى في أكثر أحلامه جموحا وبعدا عن التصديق أنه قد ينام وهي معه في ذات المكان..
إنه قد ينام وروحه قد سكنت بمعرفتها.. بل بضمها لصدره بعد كل أيام الشقاء والقهر واليأس..
لا بأس.. لتخف منه الليلة..
الايام طويلة.. ومادامت أنفاسه تردد..
تكفيه بالفعل رؤيتها أمامه رغم كل التضادات والتعارضات!!
******************************************
كان يهز كتفها برفق وهو يهمس قريبا من أذنها:
" مزنة.. مزنة !! "
انتفضت بعفوية وهي تهمس بحميمية عفوية ناعسة: لبيه حبيبي..
ابتسم هو أيضا بشكل عفوي عميق عميق عميق.. وهو يراها تعتدل بحرج أو ربما بعتب عليه وعلى نفسها قبله..
وهي تشد روبها من جوارها لتلبسه.. شد روبها من يدها وهو يقبل رأس كتفها ثم يهمس في أذنها بدفء:
أول مرة تقولين لي حبيبي..!!
مزنة شدت الروب من يده وهمست بحزم وهي ترتديه: وحدة قايمة من النوم نعسانة وماعليها شرهة..
ابتسم زايد وهو يحيط كتفيها بذراعه: زين خلي الشرهة علي..
وأنا آسف لأني ماقلت لش على السفر.. بس السالفة جات بسرعة
توها ترتبت أمس عقب ماطلعت من عندش ومالحقت أقول لش..
مزنة شدت نفسا عميقا لتهمس بعدها بحزم مختلط بالرقة:
أنا ما أبيك تعتذر زايد.. بس أنا جد تضايقت إني سمعت الخبر من بنتي!!
يعني كساب لقى وقت يقول لها.. وأنت مالقيت..؟؟
أنا اللي آسفة.. بس أنا لا قفلت.. صرت شينة ومخي يقفل..
ابتسم زايد وهو يشدد احتضانه لكتفيها: وعسى التقفيلات ذي مهيب واجدة بس؟؟
ابتسمت مزنة وهي تحتضن خصره: الله كريم.. أنت وحظك!!
" أما إنك غريب يازايد..!!
مهوب هذا اللي تبيه.. مزنة المقفلة الحادة!! مثل مزنتك في شبابها!!
ليه الحين ماعجبك تصرفها؟؟
.
ما أدري.. ما أدري..
مـــــا أدري!!..
يمكن ما قدرت أتقبل ذا الشيء من مزنة الحين
اللي عرفتها رايقة وهادية ورزينة!!
وبشكل عام ماقدر أتقبل إن مرتي ترادني.. وتطول صوتها عندي..
صدق إنك غريب يازايد!! "
زايد هتف بحزم حان: زين مزنة.. أبيش تتصلين بشعاع وتسألينها عن حال علي لو زين.. أو بأمر أوديه المستشفى..
لأني لو كلمته بيقول مافيني شيء...
ابتسمت مزنة وهي تقف: شوي زايد بأتصل فيهم عقب ساعة..
يمكن مابعد قاموا الحين!!
************************************************
تنهدت بعمق وهي تنهي اتصالها مع مزنة..
أكثرت مزنة عليها من الوصايا التي أرهقت روحها البريئة الشفافة..
" علي مريض.. وما يأكل
وهذا سبة مرضه..
حاولي فيه يأكل.. لأنه لو ماكل بيجي أبيه يوديه المستشفى يركبون عليه مغذي.."
مع إنهاءها للاتصال كان علي يخرج من الحمام وهو يستند بإرهاق على باب الحمام..
كان يبتسم بإرهاق وابتسامته تتسع وهو يراها أمامه إشراقها أكثر من إشراق شمس هذا الصباح..
وبهجة رؤيتها تبعث في روحه سعادة أكثر من أقطار الأرض الأربعة!!
كان على وشك سؤالها من كان يتصل بها .. لولا أنه ترنح ثم سقط مغشيا عليه دون مقدمات..
شعاع قفزت بجزع ناحيته وهي تجلس على الأرض وترفع رأسه إلى حضنها..
كانت تربت على خده برفق وهي تهمس برفق جازع: علي.. علي..
لا تعلم كيف بدأت الأفكار المتعارضة تتوارد إلى بالها بجنون وهي تنظر لملامح وجهه وتحاول إيقاظه بجزع روحها المتزايد:
" ياربي أشلون واحد له ذا الوجه الحلو السمح اللي ماينشبع من شوفته ويكون كذا؟؟
صدق إنه تحت السواهي دواهي!!
.
يا ترا المرض اللي معه ممكن يكون ينتقل بالنفس؟؟!!
لا... لا ما ظنتي..
لأنه أكثر الأمراض هذي ما تنتقل إلا بالإتصال!!
.
يا ربي هذا وش فيه ما يقوم؟؟"
همست برقتها الجزعة: علي.. علي تكفى قوم..
فتح عينيه بضعف ليجد رأسه مسندا لحضنها وقريبا من صدرها..
كان بوده أن يدير رأسه ليدفن وجهه في ثنايا صدرها.. ولكنه منع نفسها حتى لا يخيفها منه ..
كل ما أستطاع فعله أنه همس بيأس مثقل بالولع:
ليتش تعرفين بس وش كثر أحبش...
أنا مهوب بس أحبش.. أنا أتنفس هواش..
عشان كذا الفترة اللي راحت كلها ماكنت قادر أتنفس..
توني قدرت أتنفس من البارحة بس!!
يا الله ياشعاع حرام عليش اللي سويتيه فيني قبل.. واللي تسوينه الحين..
رغم أنها تعلم أنه يكذب.. ولكنها لم تستطع منع قلبها البريء الغبي من الارتعاش..!!
فهي لأول مرة تسمع مثل هذا الكلام.. وبهكذا نبرة تذيب القلب فعلا!!
همست بتوتر خجول: ما تبي تتريق؟؟
ابتسم بإرهاق: ما أبي.. تكفيني شوفة وجهش قدامي ياقلبي!!
حينها شعرت شعاع بالصداع وهي تهمس له بنبرة خجولة رقيقة:
خلاص ما تبي تأكل.. ماني بماكلة.. مع إني بأموت من الجوع..
حينها همس بحنان وهو يعتدل جالسا: لا خلاص بأتريق بس تعالي سنديني مافيني حيل أقوم..
لا يعلم هل هو فعلا يحتاج لمن يسنده؟؟ أم هي حيلة العاشق غير المقصودة؟؟
شعاع همست بخجل عميق وهي تخشى أنها قد لا تستطيع أسناده:
خلاص حط يدك على كتفي..
أحاط كتفيها بذراعيه.. وهو يقف معها متوجهان للجلسة..
الرحلة القصيرة كانت بالنسبة لها أشبه برحلة عذاب كريهة وهو ملتصق بها هكذا..
وماخفف عنها لا تعلم كيف.. رائحة عطره.. كانت رائحة تسبب الدوار الأشبه بالغيبوبة العذبة..
شمت رائحة عطور والدها وعبدالرحمن وكلها من العطور الفخمة الفاخرة..
ولكن لم يكن لهما ذات تأثير عطره... شفاف.. أثيري.. فخم.. حنون!!
فما هو سر عطره؟؟؟ ماسره؟؟
هو كان يشعر أنه سيذوي فعلا وهو يشتم عبق رائحتها من هذا القرب...
ويشعر بليونة عظامها تحت ذراعه..
تمنى هو ألا تنتهي هذه الرحلة أبدا..
ولكنها انتهت وهي توصله للمقعد وتبتعد عنه هاربة وهي تجر أنفاسها المحتبسة!!
كانت تنظر له بيأس..
يبدو اليوم مريضا فعلا..
ستقوم بواجبها ناحيته كما يفترض من اي زوجة..
لكن كل ماتريده ألا يفكر أن يقترب منها أبدا!!
همست برقتها التلقائية وهي تقرب طاولة الفطور : دام أنك ماكنت تاكل الأيام اللي فاتت..
كل بس شيء خفيف.. واشرب حليب طازج وبس..
ابتسم علي بولع شفاف: إذا شفتش تأكلين.. بأكل اللي بتعطيني إياه..
حتى لو عطيتيني المخدات كليتها بدون ما احس!!
********************************************
" وش عندش مصحبتنا من بدري يا المزعجة؟؟
إيه وش عندش سريتي البارحة من بدري مع أبو الشباب وجيتي تزعجينا الحين..
مهوب كفاية توني خلصت من أختش البارحة واقول بأسيطر على الشيبان ألاقيش ناطة!! "
جوزاء تضع حقيبتها وهي تشد حسن لتجلسه وتهمس لعالية بخفوت:
ياكثر بربرتش..
أمي شأخبارها؟؟
عالية حينها هزت كتفيها وهمست بسكون: ما أدري ماشفتها.. أنا قاعدة هنا من بدري عشان أقهويها.. بس هي مانزلت من غرفتها..
واستحيت أطلع لها..
بس مر علي أبيش يهاد ذبان وجهه..
جوزا بتاثر: إذا أبي يهاد وجهه.. أجل أمي وش مسوية؟؟
أنا بأطلع أشوفها.. حطي عينش على حسون..
عالية تشد حسن لحضنها وهي تهمس بنبرة مرعبة تمثيلية مضحكة:
خليه عندي لأني أبي أكله.. جوعانة ماتريقت!!
جوزاء صعدت لغرفة والديها وهي تسمع صوت ضحكات حسن المتعالية لأن عمته كانت تدغدغه...
طرقت باب الغرفة بخفة.. وفتحت الباب فلم تجد أحدا..
حينها علمت أين ستجدها..
توجهت لغرفة شعاع.. لتجدها هناك فعلا.. تضع ملابس شعاع المتبقية في حقائب.. وتبدو عيناها الباديتان من خلف فتحات برقعها متورمتان من البكاء..
جوزا جلست جوار والدتها على الارض وهي تضم كتفيها وتقبل رأسها وتهمس بتاثر عميق:
يمه الله يهداش ترا بنتش ماهاجرت.. ترا كلها خطوتين..
ثم حاولت أن تردف بمرح فاشل: الظاهر اشعيع أغلى مني بواجد..
ماسويتي كذا يوم رحت أنا..
أم عبدالرحمن لم تجبها حتى وهي مستمرة في وضع الملابس في الحقائب..
همست حينها جوزاء بذات النبرة المتأثرة:
زين أنتي الحين وش تسوين؟؟
أم عبدالرحمن أجابت باختناق: أبيش كان يفكر يسوي الطابق الثاني كله لعبدالرحمن.. بس حادث عبدالرحمن أجل الفكرة..
خلاص خليني الحين ألهى في ذا السالفة لا أستخف!!
بأنزل أغراضنا كلها في الغرف اللي تحت!!
جوزا تشد أمها بلطف: زين فديتش خلاص أنا والخدامات بنرتب الأغراض ونخلي العمال ينزلونهم..
أم عبدالرحمن برفض حازم: لا أنا أبي أشتغل بروحي!!
***************************************
" ياربي عليش ياجميلة..
يعني إلا تجيبني هنا وصباحية عرس أخي..
حاسة إني بأموت من التعب"
جميلة تبتسم وهي تخلع نقابها وتضعه جواره: أي صبح حن الحين عند الظهر..
وبنشرب الحين كوفي وبتصحصحين..
مزون بتأفف: تدرين بعد إني ما أطيق اللاندمارك بكبره..
جميلة تبتسم: شأسوي متعودة أفصل عباياتي في المتحجبة هنا.. تعودت شأسوي..
خلينا الحين نتقهوى.. وعقب نأخذ عباتي ونمشي على طول..
مزون تبتسم بإرهاق: زين ماكان ينفع بكرة.. أنا عطلت خلاص بأوديش أي وقت..
جميلة تبتسم: لا ماينفع.. بكرة رفيقاتي مسوين لي بارتي صغير..
كانوا ينتظرون يخلصون امتحانات الجامعة وتوهم خلصوها.. وأبي ألبس عبايتي الجديدة..
مزون بذات النبرة المتأففة: زين كنت بأوديش الصبح.. والبارتي أكيد عقب العشاء..
ابتسمت جميلة: لا البارتي العصر.. لأنه أمي مارضت يكون في الليل..
وبعدين أنا بكرة من الصبح مشغولة..
أبي أسوي لنفسي حمام مغربي وأدلع نفسي صايرة خبيرة حمامات مغربية من القعدة البطالية..
وعقب بتجيني الكوافيرة تسوي شعري وتسوي لي بديكير منيكير يالله ألحق أخلص على العصر..
ضحكت مزون: أما أنا بصراحة ماشفت وحدة تهتم بنفسها كثرش..
وش الحمام المغربي اللي صايرة تسوينه لروحش كل أسبوعين..
لو منتي بملاحظة جلدش قرب يسيح من النعومة.. وانتي أساسا ذايبة على روحش من خلقتش!!
قالتها مزون وهي تشد معصم جميلة البالغ النعومة تتحسه بمرح.. جميلة شدت معصمها وهي تهمس بمرح: الله أكبر عليش..
قولي ماشاء الله.. خليني أهتم بنفسي وش وراي..
أنا أساسا كنت أنتظرش تخلصين جامعة عشان أستلمش شوي..
إذا ماخليت كابتن غانم يستقيل ويقعد جنبش.. قولي جميلة ماقالت!!
مزون بخجل: صدق قليلة أدب.. تحشمي يا بنت.. أنا أكبر منش بـ3 سنين ياقليلة الحيا!!
كان الحوار مستمر بين الاثنتين وهما ترتشفان قهوتيهما في مقهى أوبرا القسم النسائي..
كانتا على وشك الانتهاء حين دخلت فتاتين.. أحدهما تدفع عربة طفل صغير عمره حوالي 9 أشهر..
انتفضت جميلة بشفافية وهي تتعرف على الطفل..
الذي عرفته من الصور الكثيرة التي رأتها.. وعرفته كذلك من عربته وملابسه!!
فهذه العربة بل حتى الملابس التي يرتديها والتي تشكل طقما مع العربة هي من اشترتها له من محل لايوجد أبدا في قطر !!
والغريب أنهما جلستا في أقرب طاولة لمزون وجميلة..
مزون همست لجميلة باستغراب: وش فيش كن القطوة كلت لسانش؟؟
جميلة باختناق متوتر: مزون خلاص خل نحاسب ونطلع..
أشارتا للنادلة أن تأتيهما بالفاتورة..
بينما كانت الفتاة الثانية تهمس بتأفف رقيق لأم الطفل: الله يهداج أم أحمدوه.. أخاف أطول على خليفة.. قلت لج خل نأخذ أغراضي ونطلع..
بس أنتي إلا تيين هني..
جميلة شعرت بالصداع وهي تسمع حوارهما بهذا الوضوح ومع سماعها لاسم خليفة زاد صداعها..
ابتسمت أم أحمد: يعني أنتي ساحبتني معاج تقولين تبين أغراض.. وحتى قهوة حرام تشربيني..
أنتي مامليتي من مجابل ويه خليفة طول هالأسبوع اللي فات.. حتى سفر ماسافرتوا..
خلاص فكي عنه خله يتوله عليج يا المسبهة..
ابتسمت العروس برقة: ياربي منج.. صج الرازق في السما والحاسد في الأرض..
ما ألوم جاسم يشرد من ويهج النكد..
جميلة قفزت وهي ترتدي نقابها وتهمس لمزون باختناق: خلاص أنتي ادفعي وتعالي لي في المتحجبة..
مزون كانت تنظر لها باستغراب وهي تهرب متعثرة في خطواتها.. وهي تركض باتجاه الدرج..
كانت تهمس في داخلها.. " لن أبكي.. لن أبكي.."
(خلاص الله يهنيه!!
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك