رواية بين الامس واليوم -144
منصور باستغراب شديد: وش ذا الكلام الخربوطي... إذا المدربين الأجانب نعرفهم ونعزمهم على عزايمنا.. وأشلون ولد ديرتنا؟؟
إلا هو وش رتبته؟؟
أبو محمد بذات الثقة: ملابسه ماعليها رتبة أبد..
منصور تفجرت دهشته: صراحة حكي ماسمعت أغرب منه.. أنت عارف إنه كلنا ندرب فرقنا..
بس مهوب أي حد يصير مدرب جيش بالمعنى العالمي اللي أنت عارفه..
حتى أنا وأنت عجزنا نوصلها..
أبو محمد يهمس لمنصور من قرب: أنت بس لو شفت ذا المدرب أشلون يتحرك... لياقة وخفة وفوة عمري ماشفتها في حياتي..
وأنت عارف..من اللي يقدر على التدريبات اللي يأخذونها المدربين.. ؟؟
أول شيء مهيب إجبارية.. وثاني شيء ماحد يقدر عليها إلا واحد بايع عمره!!
منصور بتساؤل مهتم: ومن ذا اللي قدر عليها وحن ماعرفناه؟؟
************************************
" ها نايف وينك اليوم كلش ماكلمتني.. وش صار على موضوع البارحة؟؟"
نايف بتحكم: أول شيء اليوم مالي خلق أسمع صوتش..
ثاني شيء البارحة مشغول ونسيت الموضوع !!
عالية بمرح: أفا أفا... وش فيك مخيس النفس نويف!!
شكلك كلمت وعطوك أشكل وأنت تعزز وتقول نسيت!!
نايف بذات نبرة التحكم: قلت لش ماكلمت..
ولو كلمت مالش شغل في شي!!
عالية ضحكت: يه يه ياخال.. وين اللي أسرارانا عند بعض والبطيخ واحد..
نايف بحزم: عالية أنا الحين مشغول.. عقب بأكلمش!!
نايف أنهى الاتصال.. وألقى هاتفه جواره بقوة..
أين مشغول؟؟ وهو بالكاد ذهب لعمله صباحا وعاد لبيته!! ولم يخرج إلا لصلاة العصر ثم المغرب وعاد!!
شقيقاته أصبنه بالصداع لكثرة ما اتصلن وكل واحدة تطلب منه أن يأتي للغداء عندها.. وبعد ذلك لقهوة العصر..
ولم يستجب لواحدة منهن..
وحتى فهد اتصل به ليذهبا لزيارة كساب .. عديله!!
فرفض لأنه خشي أن يقابل تميم هناك ومازال الموقف طازجا..
فقال له أنه قد يذهب معه في الغد صباحا قبل التوجه لعمله.. على أمل أن تميم لن يكون موجودا...
فأي موقف سخيف وضعته فيه من تسمى زوجته.. وهي تحرجه بهذه الطريقة
وتجعله محرجا عاجزا عن المواجهة هكذا!!
غيظ عظيم يتصاعد في روحه عليها!!
وغيظ كذلك على عالية التي ورطته في هكذا زوجة!!
روحه مثقلة بالغيظ لأبعد حد!!
وكلما فكر في الموضوع أكثر.. تزايد غيظه أكثر!!
الغيظ يأكل روحه شيئا فشيئا وليس بيده شيئا يفعله الآن!!
**************************************
" زايد..
كساب وش فيه؟؟
صار لي 3 ساعات قاعد أنتظره يقوم بدون فايدة!!
وأم زايد جننتني تسأل عنه وتبيني أجيبها وأنا أقول عندنا زوار!!"
زايد تنهد بحزم: منصور قوم روح لبيتك.. لأنه كساب الدكتور معطيه منوم لأنه تعبان ويبي راحة..
وأنت بعد تبي راحة.. جاي من المطار على العزا على المستشفى.. حتى مالحقت تقعد مع ولدك..
روح لبيتك وطمن عفرا عليه.. وقل لها مافيه إلا ذا العافية..
منصور بغضب: وذا الخبل مايخلي خباله.. يسوي حادث سيارة.. ويرجع ماكمل علاجه..!!
كان كلمنا وجيناه هناك..
زايد بثقة موجوعة: أنت عارفه وعارف طبايعه..
منصور يهز رأسه بحزم: أمحق طبايع ..ما أدري متى هو بيعقل..
ثم أردف بحزم أشد: أنت قوم يا أبو كساب لبيتك.. كفاية عليك البارحة واليوم كله..
أنا بأمسي عنده..
زايد بإصرار حازم: وقدام تحلف.. والله ما أروح لين نطلع أنا وإياه سوا.. توكل لبيتك تريح أنت اللي تعبان!!
" يأمش بتروحين ذا الحزة؟؟ الوقت متأخر!!"
كاسرة همست بإرهاق: إيه يمه.. تميم ينتظرني برا..
اليوم ماحتى لحقت أقعد.. أكيد الحين ماعاده بجايه زوار..
أبي أقعد عنده لين بكرة.. وبكرة بدري تميم بيرجع لي..
مزون ربتت على رأسها بحنان: زين انتظري دقيقة أجيب بس غيارات عمش زايد
أنا كنت مجهزتها يوديها السواق.. بس دامش بتروحين اخذيها معش..
اليوم يوم جيته أنا ومزون طلب مني أغراض له بعد.. دقيقة وأجيبها لش كلها!!
كاسرة جلست بإرهاقها المتعاظم فهي مازالت لم تنم منذ البارحة..
ولن ترتاح حتى تطمئن عليه..
حتى أنها لم تتصل بزايد لتخبره أنها ستحضر.. لأنها تعلم أنه سيرفض أن تحضر!!
تضغط جانبي رأسها بإرهاق.. تشعر أن جسدها خال من الطاقة تماما..
ومع ذلك يستحيل أن ترتاح حتى تطمئن عليه..
وبقدر ماهي مجروحة منه.. بقدر ماهي مجروحة من أجله!!
في أحيان كثيرة تتساءل.. أ ستكون حياتها كلها هكذا؟؟
أ لن ترتاح يوما؟؟ أ لن تشعر بحبه يوما؟!!
أ يحكم عليها بهذا الحرمان طوال عمرها؟!!
وهل يكون هذا هو مصيرها الذي حكم به عليها الله عز وجل.. ويجب أن ترضى به لأنه لا يوجد سواه ؟!!
.
.
.
" ليه يابيش تجين ذا الحزة؟؟"
كاسرة تميل على رأسه لتقبله وهي تهمس بمودة:
يبه طول اليوم عندكم رياجيل.. وتميم اللي وصلني..
خلني أقعد عنده الليلة..
وبأروح بكرة الصبح بدري!!
ابتسم زايد بأبوية: خلاص يأبيش خلش عنده.. وترا الكرسي هذا ينفتح..
وأنا بأروح للغرفة الثانية أتمدد في الجلسة..
كاسرة همست بمودة وهي تشير لحقيبة كتف صغيرة: زين أمي تسلم عليك وتقول هذي أغراضك..
ابتسم زايد بلباقة: ياحي ذا الطاري من أم امهاب..
ابتسمت كاسرة بشجن وهي ترى عمها يغادر لغرفة الجلوس الملحقة بالجناح ويغلق الباب خلفه..
ثم تعيد نظرها للنائم قريبا منها وهي تقترب منه أكثر..
يا الله.. على كثرة ما أخذ من صفات والده.. على كثرة مالم يأخذ منه..
لماذا لم يأخذ من لطف عمها وشفافيته ولباقته وفخامة عباراته؟؟
مالت لتقبل جبينه برفق.. وهمست بألم وشفتيها مازالت شبه ملتصقة بجبينه:
ماشبعت نوم.. بطل عيونك خلني أتطمن عليك..
حرام عليك اللي تسويه فيني.. والله العظيم حرام!!
تنهدت بألم عميق: لذا الدرجة تعبان..؟؟!!
زين أشلون قدرت تجي البيت..؟؟وأنا أشلون ماحسيت فيك؟؟
كله منك ياكساب.. كله منك..
بتموت لو قلت لي مرة بصراحة عن اللي فيك!!
تنهدت وهي تخلع نقابها وتضعه قريبا منه..
ثم قربت مقعدها لتجلس قريبا منه.. تناولت مصحفها من حقيبتها.. وتلت كثيرا من الآيات وهي بعد انتهاء كل سورة ترفع بصرها لتتأكد من وضعه..
حين انتهت.. دعت له مطولا.. دعت له بكل العمق والقوة واليأس..
زفرت بعدها وهي تنزل شيلتها على كتفيها ثم تسند رأسها معه على ذات المخدة..
فربما بهذه الطريقة تستطيع أن تنام قليلا وهي تشعر به قريبا منها..
فهي مرهقة فعلا.. وتكاد تنهار من الإرهاق!!
.
.
صباح اليوم التالي..
كاسرة غادرت للتو بعد أن جاءها تميم..
وهاهو أيضا يفتح عينيه للتو.. لم يعلم أنه مضى عليه أكثر من يوم وهو نائم!!
فتح عينيه بإرهاق ليرى وجه والده..
لا يعلم لماذا توقع رؤية وجه آخر.. فهو طوال نومه في الساعات الأخيرة وهو يشعر برائحتها قريبة كطيف دافئ أثيري قريب بشكل غير مفهوم!!
هتف بتثاقل: يبه كاسرة كانت هنا؟؟
ابتسم زايد بخبث: لا.. ليه تسأل؟؟
تنهد كساب وهو يحاول أن يدعك عينيه ليؤلمه السلك الموصول لعروق يديه:
لا أبد.. حسبتها كانت هنا..
اعتدل جالسا.. ليلمح شعرة سوداء طويلة تغفو على عضده.. همس بذات التثاقل وهو يشدها دون أن ينتبه والده:
يبه أنت متأكد إنها ماكانت هنا؟؟
ابتسم زايد بمودة: إلا كانت هنا..وتوها راحت..
تنهد بعمق (مستعجلة..جايه تجامل وتروح.. ماحتى انتظرت لين أصحى وأشوفها!!)
ثم تحولت تنهداته لغضب حاد كتمه في روحه ( مادامت جايه مستعجلة.. ليش تحط شيلتها وتفك شعرها بعد..؟؟ )
احتفظ بغضبه لنفسه وهو يهتف لوالده بحزم بنبرته المتثاقلة:
يبه خلهم يجوون يفكون ذا الوايرات أبي أقوم أتوضأ فاتتني صلاة الصبح.. الله يهداك ماقومتني!!
هتف له والده بحزم: فاتك صلوات واجد.. قوم أقضها كلها..
كساب بجزع حقيقي: ليه كم صار لي نايم؟؟
زايد بحزم: أكثر من يوم..
كساب بذات الجزع: حرام عليكم والصلاة اللي فاتتني..
والده يهدئه: كنت بعذرك.. كنت راقد والدكتور قال لازم تخلص المضاد بدون فواصل..
كساب بغضب حقيقي: وذا كله عشان ما تخليني أحضر الدفن..
زايد بحزم صارم: قصر حسك.. أنا كنت باخليك.. بس الدكتور مارضى كلش..
وأنا ماني بخبل مثلك.. وأدري إنك لو كنت صاحي بتنط بخبالك هناك..
بنروح الحين العزا لو بغيت..
*************************************
" تعالي نوزن عند الميزان اللي هناك!!"
شعاع تبتسم: أنت صار الوزن عندك هواية..
مبسوط إنك تزيد وأنا أنقص..
علي بإبتسامة: حرام عليش.. إلا أحاتيش أنا زايد 3 كيلو.. وأنتي ناقصة 3 كيلو.. غريبة!!
ابتسمت شعاع: شفت أنت قاعد تاخذ مني..
علي هتف بحنان وهو يشد على ذراعها: إلا لأنش ما تاكلين مثل الناس.. هذا كله شوق لهلش ياقلبي..؟؟
شكلي طلعت أرخص واحد في السالفة؟؟
شعاع احتضنت ذراعه أكثر وهي تهمس بجزع: حرام عليك علي لا تقول كذا..
بس تدري أنا أول مرة أبعد عن هلي.. وأمي كل ماكلمتها صوتها يتغير..
أدري إنها تبكي.. خلاص حبيبي قربنا نكمل 3 أسابيع برا..
وأنا خاطري بعد أحضر زواج جميلة!!
علي شدها ليجلسا في أحد مقاعد مقاهي المفتوحة على الخارج المقابلة لـ(السبانيش ستبس) في روما..
أو كما تُعرف باللغة الإيطالية (Piazza Di Spanga ) وهي يشد كفها بحنان بين كفيه ويهتف بأريحية: أبشري من عيوني الثنتين...
بأشوف لنا أقرب حجز!!
*****************************************
" ماعليه جمول.. سامحيني.. ماجيت أسلم عليش على طول!!
بس كنت مشغولة بكساب..
والحين توني جايه من عنده.. وجيت عندش على طول
أدري الوقت بدري.. وإنش عادش نايمة بس ماصبرت أكثر..
الحمدلله على سلامتش!!"
جميلة تعتدل من سريرها لتتلقى قبلات مزون بمودة وهي تهمس باهتمام ودود: ياجعلني ما أبكيش قولي آمين..
بشريني من كساب..؟؟
ابتسمت مزون: لا.. أحسن بواجد إن شاء الله.. لقيته يلبس يبي يروح يعزي على ناس..
ابتسمت جميلة: أنتي جاية بروحش..؟؟
مزون ابتسمت: لا خالتي مزنة معي..ونزلت تسلم على أمش..
لا تعلم جميلة لِـمَ توترت نوعا ما..
قد تكون مزنة زاراتهم عدة مرات سابقا ولكن يكن البنات متواجدات ووالدتها مستعدة للزيارة..
تخشى من ردة فعل هذه الزيارة المفاجئة!!
لذا قفزت عن سريرها باستعجال وهي تهمس لمزون باستعجال أيضا:
عطيني دقيقتين بس أغسل وأبدل.. وننزل..
وترا الشنطة الكبيرة اللي في الزاوية لش..
مزون بدهشة: جايبة لي بروحي شنطة كاملة..؟؟
ابتسمت جميلة: بعد عروس.. وخلاص لاعاد تطمعين من وراي بهدية.. هذي هديتش وزيادة..
مزون تضحك وهي ترى جميلة تتجه للحمام: ليه حد قال لش مشفوحة..
أبي هدية عقب ذا الشنطة اللي وش كبرها..!!
لا.. وعلي يقول لي إنه ومرته جايبين لي بعد شنطة..
لو أدري أنكم بتسوقون لي ذا الكثر.. ماكان شريت شيء..
***********************************
" الله يجزاك خير يأبيك.. ويحطها في موازين حسناتك..
ماكنت عارف إنك رايح تعزي عليهم.. لأني أنا أعرف أب الشهيد الله يرحمه
وكنت أبي أقول لك خلنا نروح نعزي عليهم عقب مانخلص من من عزا الناس اللي أنت تبي تعزي عليهم!! "
كساب كان متأثرا بشدة وتأثره يتعاظم في روحه وهو يرى كيف كان وجه والد الشهيد مسودا وهو يحتضن حفيده الجالس على ساقيه..
الأبن الوحيد للراحل..
طفل عمره عامين!!
صامت وهو يستند لصدر جده.. وكأنه يستشعر روح الحزن التي سحبت حماس الطفولة من جوانبه..
وهو يجلس خادرا في حضن جده لا يتحرك.. إلا إذا أزاله جده من حضنه ليقوم لاستقبال المعزين..
وجده يرفض أن يغادره إلى مكان.. حتى مع محاولة أعمامه أن يأخذه أحدهم منه كان يرفض..
وكأنه بتمسكه به.. يتمسك ببعض رائحة الراحل علها تسكن روحه التي اخترمها الجزع والفجيعة..
كساب يتنهد بعمق وهو عاجز عن إزالة الصورة من خياله ويهتف بسكون:
ويواجرك ويجزاك خير..
زايد بنبرة أقرب للحذر: زين ترانا بنرجع للمستشفى.. الدكتور يقول تبي لك يومين بعد عندهم..
كساب هز كتفيه بعدم اهتمام: مثل ماتبي.. ماتفرق عندي!!
ليست المرة الأولى التي يشهد فيها الموت بعينيه.. أو يموت أحدهم أمامه..
بل شهد ماهو أبشع من الموت وأقسى في مهماته التي جاوزت التدريب في أحيان كثيرة..
ولكن في تلك الظروف كنت تتهيأ للموت ورؤيته وأنت تعلم أنك مقدم عليه..
لكن أن تذهب روح شابة.. لأخ قريب.. وفي ظرف كان من المفترض أن يكون آمنا... وبين يديك...
هذا ما أثقله بالأسى والحزن لأبعد حد.. مشاعر غائرة حادة يكتمها في أبعد مكان في روحه...
روحه مثقلة بالأسى فعلا.. وجسده مثقل بالآلام .. ولا يريد أن يعود للبيت هكذا.. وهو يشعر بهذا الضعف الجسدي والروحي..
لا يريدها أن تراه هكذا.. تتمنن عليه بتقديم تعاطف لا يريده منها..
وتبخل بمشاركة روحية هي مايريده منها..!!
فهو منذ موقفه القديم معها حين سألها بشكل صريح ومباشر أن تقدم له المساندة التي يحتاجها ورفضت..
وهو عاهد نفسه ألا يضع نفسه في هكذا موقف أمامه.. فرفضها.. جرحه لأبعد مدى..
وهو يعترف أن قلبه أسود..
وأنه لا ينسى.. لا ينسى !!
************************************
تجلسان مع بعضها منذ حوالي عشر دقائق..
وللتو تصل القهوة والشاي والفوالة التي أمرت عفرا الخادمات بإعدادها وإحضارها..
وهاهي تتولى صب القهوة والقيام بالضيافة كربة البيت كأفضل مايكون..
مزنة همست بلباقة: ام زايد ماكان كلفتي على نفسش.. أنا راعية محل..
عفراء بلباقة مشابهة: مافيه شك أنتي راعية محل.. بس حتى أنا مابعد ماتقهويت..
وأبي أتقهوى أنا وإياش..
مزنة بثقة راقية: أنا فديتش ما أقدر أبطي.. لأنه ما شفت إبي إلا بسرعة وطلعنا أنا ومزون لكساب..
كان مزون تبي تقعد.. خليتها تقعد براحتها.. ورجعت عليها العصر لأنها عندها بروفة لفستانها!!
عفراء شعرت بغيظ عفوي.. أنها أصبحت تعرف عن مزون مالا تعرفه هي!!
مزون هذه.. ابنة وسمية وابنتها هي !!
عفراء تحاول جاهدة تحكيم عقلها ومنطقيتها.. فربما لو كانت شخصية مزنة غير ذلك.. لربما تفجر غيظ عفراء منها.. بل وربما كراهيتها لها..
ولكن مزنة سيدة غاية في الاحترام.. وتجبر من أمامها على احترامها.. لأن تصرفاتها واثقة ومدروسة..
ربما لو رأتها يوما تعبر عن قربها من زايد لتفجر غضبها أيضا من أجل أختها..
ولكن مزنة نادرا ما تتكلم عن زايد.. وإن تكلمت عنه.. تكلمت عنه برسمية وهي تسميه ( أبو كساب)..
ربما كانت مزنة مازالت لم تمنح لعفرا عذرا حتى تكرهها بالفعل.. أو حتى تعاملها بحدة..
فعفراء سيدة متزنة وكذلك مزنة مثلها..
ولكن في أحيان كثيرة الإتزان ينتظر شرارة ما ليهتز!!
فعفراء رغم محبتها الكبيرة لأختها.. ولكنها رغما عنها حين تجري مقارنة بينها بين مزنة.. تجد أن المقارنة ليست في صالح أختها مطلقا..
وهذا الأمر يزيد في حزنها وتأثرها!!
كان الحوار يدور برسمية مختلطة بالتلقائية بين الاثنتين رغم وجود شيء غير مريح في الجو..
قبل أن تقفز جميلة وهي تلصق خدها بخد مزنة من الخلف وتهمس بمرح:
هلا خالتو.. وش ذا الصباح الحلو الي تصبحنا بوجهش..؟؟
مزنة تشدها لتجلس جوارها وهي تقبلها وتهمس بمودة صافية:
الصباح الحلو أنا أشهد إنه شوفة وجهش..
ياحظ اللي بيتصبح بوجهش عقب كم يوم!!
رغم إحساس جميلة الحقيقي بالخجل إلا أنها ابتسمت وهي تشد شعرها القصير
الذي عدلت قصته في لبنان ولكن مازال طوله لا يتجاوز منتصف عنقها..
وهمست برقة باسمة: يمه تلقينه بدوي.. ميت على جدايل جدتي.. ويوم يشوف شعري يقول وش فيه؟؟.. ماضغته الغنم؟؟
ابتسمت مزنة وهي تمسح على شعر جميلة الحريري الذي زادته القصة المدرجة كثافة وجمالا:
على إني ما أحب الشعر القصير.. ولا عمري سمحت لبناتي يقصون شعورهم أقل من نص الظهر..
بس والله العظيم وبدون مجاملة إني عمري ماشفت أحلى من ذا القصة عليش..
ثم ابتسمت أكثر لتشجع جميلة التي تعلم أنها متأثرة من قِصر شعرها الذي تم قصه في المصحة لينمو من جديد:
لولا إنهم بيقول إني استخفيت وإلا كان قصيته مثلش.. من حلات القصة عليش!!
مزون كانت من ابتسمت وهي تجلس جوار خالتها وتوجه الحوار لمزنة:
لا خالتي طالبتش.. تبين إبي ينجلط تقصين ذا الشعر كله.. بروحه مبين إنه خاق عليه!!
مزنة شعرت بخجل رقيق لم يظهر في صرامتها.. بينما عفرا شعرت بضيق متزايد لم يظهر في لباقتها...
بينما جميلة وجهت لمزون نظرة عتب حادة معناها (وش هببتي؟؟)
ومزون تنظر لها نظرة دهشة معناها ( ليه وش سويت؟؟)
بعد استمرار الحوار لدقائق وانتهاء مزنة من تناول قهوتها.. همست لمزون بمودة:
مزون يأمش بتروحين معي..؟؟
مزون برقة: أبي أقعد شوي.. مالحقت أشوف أغراض جميلة اللي شرتها من لبنان..
مزنة وقفت وهي بأمومة: براحتش متى مايغيتي تجين دقي علي أجيبش..
ولو بغيتي تقعدين للعصر.. مريتش عقب الصلاة عشان نروح تقيسين بروفتش!!
لولا أن عفراء قاطعتهم بصرامة: أنا بأوديها.. لأنه حتى جميلة عندها كم شغلة أبي أوديها لها..
رغم أن مزنة لم ترتح لمقاطعة عفرا التي بدت أكثر حدة من المفترض ولكنها همست بلباقة: براحتش يأم زايد.. أنا وأنتي واحد..
والحين اسمحوا لي.. لازم أروح لأبي..
بعد أن غادرت.. همست عفراء بضيق وهي تحمل ابنها عن مقعده: بأروح أبدل لزايد وأجيكم..
عفراء بالفعل تضايقت من نفسها لأنها لم تستطع السيطرة على نفسها.. رغم أن مزنة لم يبدر منها مطلقا مايدعو لهذا الرد الحاد..
حين غادرت عفراء.. همست مزون لجميلة باستغراب: خالتي وش فيها..؟؟
وأنتي ليه كنتي تخزينني كذا؟؟
جميلة هزت كتفيها: لأنش وحدة غبية.. إذا إنش مالاحظتي لين الحين إن أمي ماتهضم مرت أبيش؟؟
وإنش يوم تتغزلين فيها نيابة عن أبيش.. خليتي أمي تعصب وزدتي الطين بلة!!
مزون باستغراب: زين ليش ذا كله؟؟.. خالتي مزنة مرة ذوق.. وما أظني إنها ضايقت خالتي يوم!!
جميلة تنهدت: هي ماضايقتها.. بس أمي متأثرة عشان خالتي وسمية..
مزون بذات الاستغراب: وهذا أنا ابنتها.. ليه يعني خذت الأمور ببساطة..؟؟
جميلة بمنطقية: أنتي ماعرفتي خالتي وسمية.. ماتت وأنتي بزر..
بس خالتي بالنسبة لأمي كانت أمها وأختها وكل أهلها..
أمي ماظنتي إنها حبت حد في الدنيا كثر خالتي وسمية.. ولا حتى أنا وزايد الصغير..
عطيها بس شوي وقت لين تتعود على الفكرة!!
هزت مزون كتفيها وهمست بإبتسامة: بصراحة كلام ماخوذ خيره..
لأن خالتي عفرا أعقل من كذا بواجد.. وماظنتني إنه طرا عليها خرابيطش ياحرم النقيب
وقومي وريني أغراضش.. يمكن يعجبني شيء وأسرقه فوق شنطتي..
وأطلع مشفوحة وأنا كنت أنفي التهمة عن نفسي!!
*************************************
" عبدالله أنت ما تشوف أخيك ذا وش فيه منقلب حاله؟؟
معصب على طول.. والذبانة ماتمر قدام خشمه قد له كم يوم"
عبدالله همس ببساطة وهو يميل على صالح وينظر لفهد الذي كان يجلس بعيدا يشاهد الأخبار:
عادي حالة طبيعية.. أي واحد قبل عرسه يتوتر شوي..
أنت يعني ماتذكر روحك قبل عرسك.. أشلون كنت معصب على طول!!
صالح يبتسم: بس يا أخي أنا غير وفهد غير.. أنا كنت أصغر منه الحين..
وخلني أعترف إن شخصية فهد أقوى من شخصيتي.. يعني مهوب لابق عليه التوتر..
لم يعرفا الاثنان أنه لم يكن يعاني التوتر..
بل كان يعاني نوعا خاصا من الغضب يتصاعد في روحه..
وهو يشعر كما لو كان مجبرا على الزواج حرفيا... وهو من لا يستطيع أحد إجباره..
تبدو القضية معقدة تماما.. فهو لم يجبره أحد خارجيا.. ولكنه كان مجبرا فعلا داخليا..
مازال يتمنى بعمق في داخله أن يحدث شيء يعرقل الزواج.. رغم أنه لم يعد أمام الزواج شيء.. واصبح كل شيء معدا له تماما..
****************************************
" صار لي ساعة في المجلس أنتظرش
مقابلني فهد معصب.. وعبدالله لاهي يسولف على عيالي وولده
لوعوا كبدي!!"
نجلا تركب وهي تشد نفسها بإرهاق حتى استوت على المقعد.. ثم أخذت نفسا عميقا وهي تهتف بنفس مقطوع:
حلفت علي عالية أروح.. وإلا كان قعدت لين عقب صلاة العشاء..
صالح يبتسم بحنان: أنتي من جدش؟؟
أنتي عاد فيش حيل تشتغلين؟؟
نجلاء تحاول أن تبتسم ونفسها مقطوع: لا تحسسني كني منتهية الصلاحية..
خلاص هانت هذا العرس عقب كم يوم..
صالح بإبتسامة: وعقبه بتقولين لي عرس غانم!!
نجلا حينها ابتسمت بشفافية: لا عاد تجهيز غانم غير.. الله يستر بس لا أولد قبل العرس..
العرس باقي عليه أقل من شهر..
وبأكون دخلت الشهر التاسع!!
*************************************
" وأنتو ماعندكم غير مرتي تشغلونها..
والله لا يصير فيها وإلا في ولدي شيء
إني لأغرمكم أنتي وفهد ومرته بعد !!"
عالية تضحك وهي ترتب بعض الأغراض في الخزائن.. بينما عبدالله شد جوزا وأجلسها وجلس جوارها..
وهو يطل عليهما في جناح فهد الذي يتم العمل فيه على قدم وساق ويقارب الانتهاء..
بعد أن انضمت غرفة هزاع لغرفة فهد.. بعد أن كان الشابان لهما جناح مستقل بباب مغلق عليهما مكون من ثلاث غرف..
غرفتي نوم.. وغرفة جلوس... تم تجديد غرفة فهد وغرفة الجلوس بصبغ جديد.. وأثاث جديد تولته عالية بمساعدة زوجتي شقيقيها...
لأن فهد رفض أن يذهب معها بحجة أنه مشغول وأعطاها بطاقته المصرفية!!
وهزاع نزل للطابق السفلي في غرفة يفتح بابها على الباحة مباشرة.. وأنزل غرفته معه.. وبقيت غرفته القديمة خالية من الفرش بعد أن تم تجديد صبغها..
حتى يتصرف فيها العريسان كيف يشاءان فيما بعد!!
عالية تجيب عبدالله وهي تضحك: والله مهوب ذنبي إن كل واحد منكم يا أخواني مرته وارمة كذا..
أنا أساسا المفروض مالي شغل فيكم.. إسألوني عن عبدالرحمن وهله..
المفروض نسوانكم هم اللي يشتغلون لأخيكم!!
أنا وش دخلي!!
عبدالله يبتسم: لا ياقلب أخيش.. خلو أم حسون على جنب.. لا تتعبونها..
عالية بمرح: خذ أم حسن وسكر عليها في حجرتكم..
والله دامها مرتزة قدامي.. بأشغلها..
لا ومن زين النفعة اللي هي تنفعها.. أصلا أنا قاعدة أدحرجها..
جوزا بمرح: كذا ياعلوي.. أنتي مافيش طيب.. صار لي كم يوم أنطط معش في محلات الأثاث والصبغ والسيراميك..
واليوم من صبح وأنا معش وعادش بعد تسبين..
عالية بذات المرح: لا حد يبكي علينا.. هذي نجول مثلش تشتغل وهي متورمة أكثر منش.. وتوها راحت لبيتها..
عبدالله يشد جوزا وهو يهتف بمرح: والله ماتقعدين معها.. خلها بروحها..
أنتي ما أرتحتي من صبح والحين صرنا عقب المغرب..
خلي أم لسان ترتاح وإلا تشتغل بروحها..
عالية بمرح أكثر: الحمدلله فكة من الثنتين.. أنا أصلا ماني بدارية أحاتي الكروش
وإلا أرتب...
عبدالله شد جوزا فعلا خارجا وهو يهتف بمرح: خلاص اقعدي بروحش..
ثم مال على عالية بحنان: علوي ياقلبي أنتي تعبتي واجد.. البسي عباتش.
خليني أوديش لبيتش.. مافيه داعي تعنين عبدالرحمن يجي مع السواق!!
عالية بمودة صافية: لا فديتك.. أنا أصلا قايلة لعبدالرحمن إني بأمسي الليلة هنا عشان أخلص شغلي كله..
خلاص العرس ماعاد باقي عليه إلا ثلاث أيام..
أبي أخلص أتفرغ لنفسي..
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك