رواية بين الامس واليوم -145
ثم مال على عالية بحنان: علوي ياقلبي أنتي تعبتي واجد.. البسي عباتش.
خليني أوديش لبيتش.. مافيه داعي تعنين عبدالرحمن يجي مع السواق!!
عالية بمودة صافية: لا فديتك.. أنا أصلا قايلة لعبدالرحمن إني بأمسي الليلة هنا عشان أخلص شغلي كله..
خلاص العرس ماعاد باقي عليه إلا ثلاث أيام..
أبي أخلص أتفرغ لنفسي..
عبدالله غادر فعلا مع جوزا التي كانت رافضة للمغادرة ولكن عالية حلفت عليها أن تغادر..
وهي تقول لها إنه لم يبق إلا شيء قليل ستنادي الخادمات لينهينه معها..
فور مغادرتهما..
سارعت عالية لإغلاق باب الجناح..
عادت للداخل..
ثم انفجرت في البكاء بشكل مفاجئ.. كما لو كانت تكتم طوفانا من الدموع والشهقات ينتظر الانهمار..
بكاء رقيق من روح مثقلة بالأسى فعلا..
فهي منذ الصباح تتحين لها فرصة للاختلاء بنفسها لتبكي..
ولكن وجود نجلا وجوزا منعها..
كانت تتحاول أن تتلهى بإغراق نفسها في العمل عن التفكير بما حدث هذا الصباح..
ولم يكن ماحدث هذا الصباح شيئا عارضا.. بل كان نتيجة متفجرة لتأزم الوضع بينها وبين عبدالرحمن طيلة الأيام الماضية!!
.
.
.
هذا الصباح...
" حبيبي أبي أروح لبيت هلي؟؟"
عبدالرحمن بهدوء ودود: تو الناس.. الساعة الحين سبع الصبح..
عالية بحماس عذب: لا فديتك مهوب تو الناس.. اليوم بتجي الستاير وفرش الغرف.. وعفرا في الليل قالت تبي ترسل بعض شناط بنتها..
يا الله ألحق أرتب..
حتى يمكن أحتاج أمسي هناك الليلة.. ما أدري!!
عبدالرحمن بصدمة: تمسين بعد؟؟
عالية بعذوبة: أقول يمكن.. لو ماخلصت شغلي!!
عبدالرحمن هز كتفيه بضيق: مافرقت .. انتي كل يوم طالعة من شغلش على تجهيز أخيش.. ويا الله ترجعين آخر الليل..
عالية احتضنت رأسه بحنان باسم: حرام عليك لا تبالغ كذا..
وبعدين هانت.. ماعقب فهد إلا هزيع وبيبطي..
كان قلت لك نايف بعد.. بس نايف بيته جاهز..
عبدالرحمن بذات الضيق: براحتش.. أمسي هناك.. أحسن بعد..
يا الله عشان نخلص من التدريب الليلي اللي ماترجعين إلا عشانه!!
عالية همست بصدمة حقيقية: عبدالرحمن أنا ما أرجع إلا عشان التدريب..؟؟
عبدالرحمن بثقة جارحة ومجروحة: ولولاه يمكن مارجعتي!!
عالية تراجعت بصدمة حقيقية من هذا التخريف الذي يقوله..
لا تعلم كم بات هذا الموضوع جارحا له ولمشاعره..!!
فهي تغيب طوال اليوم.. وحين تعود في وقت متأخر.. تصر على قيامه بالتدريبات..
يصرح لها بشفافيته كم هو مشتاق لها للجلوس معها.. لسماع حديثها.. لقربها..
ولكنها تصر عليه أن يتدرب أولا وقبل أي شيء!!
يشعر أنه يريد أن يمشي بالفعل من أجلها..ولكن هو ليس بحاجة للمشي كما هو بحاجة لها..
وهي تضغط عليه كثيرا.. وكأنها لا تريده إلا إن كان سيمشي..
بات يجرحه بشراسة ووحشية إحساسه أنها قد تتركه حين تمل من عجزه عن المشي..
وهو لا يعلم كم تشعر بالذنب لأنها باتت تهمله رغما عنها هذه الأيام .. وهي بالفعل في حاجة أكبر للإحساس بقربه والاستمتاع بحديثه..
لكنها ترى أن استمراره في التدريبات هو أولوية يجب تقديمها على هذه الرغبات..
كل منهما بالفعل مجروح من الآخر ومن تفكيره..
أما ما فجر رغبة عالية في البكاء فعلا أن عبدالرحمن حين أوصلها صباحا..
ماكادت تصل للبيت حتى وصلتها رسالة منها:
" يمكن يكون أحسن لكل واحد منا
إنش تقعدين في بيت هلش لين موعد عرس فهد!!"
عالية تمنت بالفعل حينها أن تنفجر في البكاء.. ولكنها لم تستطع وهي تجد والدها في وجهها.. الذي استقبلها بترحيبه الحاني الفخم!!
والكبت يتعاظم في نفسها وهي لا تجد دقيقة لتختلي بنفسها وحزنها.. وتعمل بلا توقف منذ الصباح..
جرحها بشدة أنه لم يقل ذلك لها مباشرة.. لأنه لو قالها لها مباشرة لرفضت..
ولكنه ألقاها عليها في محض رسالة باردة قاسية..
بينما هو عجز فعلا أن يقول لها بشكل مباشر شيئا هو فعلا لا يرغب فيه..
ولكنه يرى نفسه مضطرا له لأنه يراها ممزقة بين تجهيزها لشقيقها وبينه..
وربما كانت تحتاج للراحة منه ومن مسؤولياته..
وربما حينها تستطيع أن تعود له بروح متفهمة أكثر لمشاعره وحاجاته بعد أن يخف الضغط عليها..
" الله يهداك.. اليوم كله ما تريحت"
كانت عفراء تهمس بذلك وهي تتناول غترة منصور منه. وهو يجلس وهو مرهق بالفعل ويهتف بإرهاق:
عادي حبيبتي.. أصلا ماعندي دوام لين عقب عرس جميلة..
ابتسمت عفرا وهي تجلس جواره: الله لا يخلي جميلة منك..
ماخليت شيء ماجبته لها.. اليوم أرسلت بعض شناطها لبيت فهد..
وبكرة الصبح بأطلع جلابياتها وعبيها.. وبأخذ باقي شناطها وبأروح أرتبها في الليل..
منصور هتف باهتمام حان: لو علي ودي إني شريت لها أكثر من كذا..
بس هي اللي عيت..
قولي لي عساها مبسوطة؟؟ لأنها تقول لي دايم مبسوطة.. وأنا حاس إنها داسة علي شيء..
عفراء برقة: مبسوطة الحمدلله..
كانت عفراء هي من تخفي شيئا الآن.. فهي غير مرتاحة مطلقا لنفسية جميلة التي تبدو مرهقة ومتوترة..
قلقها يتعاظم من أجل ابنتها..
وشوقها لها لا يهدأ منذ الآن!!
توتر متبادل تعانيه مع ابنتها.. وكل منهما تخفي توترها عن الأخرى حتى لا توترها أكثر!!
****************************************
" خالي نايف صار له فترة يبي يأتي معي..
بس مالقى وقت إلا الحين.. فسامحونا على ذا الزيارة المتأخرة"
زايد بترحيب وأريحية: يا حياكم الله أي وقت.. منتو بغرب عشان تعذرون..
نايف بلباقة: بس الساعة قد هي قريب الساعة 11 وخفنا إنكم تبون تريحون عقب الزيارات طول اليوم..
كساب الذي كان يجلس معهم في غرفة الجلوس والمحلول معلق في ذراعه السليمة هتف بإبتسامة:
أفا عليك ياعديلي.. أنت تجي أي وقت!!
شعر نايف حينها بالامتغاث وهو يتذكر مايتناساه ومامنعه من زيارة كساب..
كونه عديله.. وخشيته من مواجهة تميم بعد الموقف السخيف الذي وضعته فيه زوجته المبجلة..!!!
لذلك تقصد أن يأتي متأخرا حتى يضمن أنه لن يقابل تميم..
ولكن دائما مانهرب منه نجده أمامنا... فمع استعداد فهد ونايف للخروج وهما يسلمان على كساب ووالده..
كان تميم يدخل..
نايف كره جدا شعوره بالاضطراب الذي داخل روحه رغما عنه..
تزايدات ضبابية مشاعره وتعقيدها ناحية من جعلته يشعر بالامتهان هكذا..
رغم أنه سلم على تميم بطبيعية كاملة وكأنه لم يحدث شيء..
ولكن ما أثار استغرابه وراحته في آن.. أن تميما كان أكثر من عفوي.. وهو يتصرف معه بعفوية تامة.. دون نظرات قارصة..
ولكن مع ذلك سارع في الاستئذان والخروج بما أنه كان خارجا أساسا..
بعد خروجهما أشار تميم أن كاسرة في الانتظار خارجا سيناديها ويذهب لأنه لابد أن يعود لبيته فالبنات هناك لوحدهن..
مشاعر كساب الغامضة العميقة عادت لاخترام روحه.. مع سماعه لاسمها..
لا ينكر أنه منذ الصباح يشعر برغبة موجعة لرؤيتها..
ولكنه في ذات الوقت يشعر بعتب موجع في روحه عليها.. لأنها مطلقا لم تتصل به..
ألا يكفي أنها لم تفكر في زيارته إلا مرة واحدة.. وعلى عجالة.. وهو نائم أيضا؟!!
"لماذا جاءت الآن؟؟ بل وتريد أن تنام عندي أيضا!!
لم أعهدها تتصرف تصرفا لا تريده من قبل!!
ماذا لديكِ ياكاسرة؟؟
أ تريدين أن تمثلي أمام عمك العزيز دور الزوجة المحبة المتفانية؟؟"
تميم غادر لتدخل هي بعد دقائق..
بدت لكساب الدقائق الثلاث التي تلت مغادرة تميم حتى دخولها طويلة طويلة جدا.. وكأنها لا تريد الانقضاء..
بثوانيها الثقيلة وهو يجلس بكامل ثقته رغم إرهاقه الشديد..
زايد تلقاها أولا وهي ترفع نقابها لتقبل رأسه..
لم يقل زايد شيئا عدا الترحيب المعتاد وهو يتجاوزها ويخرج..
لم ينتبه أحد منهما لخروجه أساسا..
فهناك خيط غريب عميق من النظرات اتصل..
كان جالسا على أريكة في غرفة الجلوس وهي واقفة..
اقتربت لتميل عليه وهي تلصق خدها بخده.. في سلام أرادته أن يكون عفويا سريعا.. فهي لابد أن تسلم عليه كما هو مفترض!!
ولكن هذا السلام كان أبعد ما يكون عن العفوية لكليهما..
هو كان يتنفس بوجع واشتياق غريبين عبق رائحتها الخاص..
وهي تعجز عن الابتعاد وتشعر أنها مجهدة عاجزة عن التحرك وأنفاسها تتصاعد بتوتر..
وهي تشعر بحفيف لصقات وجهه الطبية يخدش حرير خدها باللمس.. ويخدش ثقل روحها بالألم..
لم تكن تريد أن تبتعد وسحر غير مفهوم يشدها نحوه..
ولكنها ختاما شدت نفسها بقسوة بعيدا عنه وهي تحاول التقاط أنفاسها المحتبسة..
ولكنه لم يتركها تبتعد.. وهو يشدها برفق ليجلسها جواره.. كان عاجزا عن تخيل فكرة بعدها مع شوقه الذي ماعاد بالاحتمال..
نظر لها مطولا.. وكأن عينيه لا تشبعان نظرا.. قبل أن يهتف بعمق:
شكلش تعبانة.. وش فيش؟؟
(هذا غبي وإلا يتغابى؟؟ يسألني ليش تعبانة!!) همست بهدوء: مافيني شيء..
سألها بهدوء مشابه: رحتى الدوام اليوم..؟؟
تنهدت (لا شكله يتغابى من قلب!! متى أروح الدوام وأنا عندك من البارحة ومارحت إلا اليوم الصبح؟؟) تنهدت بذات الهدوء:
لا مارحت .. عندي إجازة..
حل السكون لثوان..ليقطعه أنامله ترتفع برفق إلى وجهها كان يتحسس إرهاق وجهها البادي..
مدت يدها بجزع لتنزل يده.. خشيت أن يؤلم نفسه فيده هذه معلق فيها المحلول.. عدا عن جروح متفرقة في مفاصلها..
أنزلت يده برفق إلى حضنها وهي تمسك بها بين كفيها برفق شديد..
همست بألم لم تستطع إخفائه: عادك مستوجع؟؟
هتف ببساطة عميقة موجوعة: بسيطة.. والواحد يقدر يستحملها..
البلا من أوجاع مايفيد فيها الصبر!!
كان الجو بينهما كثيفا محملا بمشاعر غاية في الكثافة والتعقيد.. وكأن كل منهما أمام الآخر صندوق أسرار استعصت عليه مغاليقه!!
قطع هذا الجو بقوله بإرهاق: انا تعبان وودي أنسدح شوي.. تقوميني أصلي عقب ساعة..؟؟
همست بثقة حانية: إلا بأقومك قبل صلاة الصبح بساعة.. عشان تصلي قيامك.. ثم تصلي الصبح.. عشان تلحق ترتاح شوي وما أقومك مرتين!!
توجها كلاهما لغرفته.. وهي تدفع حامل المحلول.. حتى جلس على سريره..
حينها أزالت نقابها عن رأسها ثم خلعت شيلتها وهي تلقيها على المقعد..
وهي تحرر شعرها من ربطته التي كانت تؤلمها لانها عقدتها باستعجال..
هتف كساب بنبرة حادة: كاسرة إلبسي شيلتش..
همست كاسرة بعفوية: كساب من اللي بيجي ذا الحزة.. خلاص..
كساب بحدة أقسى: كاسرة قلت لش البسي شيلتش.. تدرين باللي يضايقني.. تسوينه ليه؟؟
كاسرة شدت لها نفسا عميقا: حاضر إن شاء الله..
تناولت شيلتها وهي تضعها على ذراعها وتجمع شعرها لتعقده من جديد..
في تلك اللحظة تماما.. فُتح باب غرفته ليقف رجل في فرجته وهو يهمس بقلق:
السموحة من ذا الجية المتاخرة.. بس كان عندي رحلة وتوني جاي من المطار..
الرجل تراجع للخارج بحدة وهو يرى المرأة الكاشفة عند كساب.. ويغلق الباب خلفه..
بينما كساب قفز عن سريره ليقف بغضب متفجر..متفجر.. متفجر لأبعد حد..
في الوقت الذي دخل زايد مستعجلا مع الباب الآخر.. لأنه رأى غانما من بعيد ورآه يتجه لغرفة كساب..
وكان زايد يظنهما مازالا في غرفة الجلوس...
ليصل وصراخ كساب يتعالى مرعبا حادا قاسيا: عاجبش الحين؟؟ عاجبش؟؟ ارتحتي؟؟
يا الله اتصلي في تميم وفارقيني للبيت.. ما أبي أشوف وجهش..
كاسرة مازالت مصدومة من رؤية الرجل لها وإحساسها العارم بالذنب وهي تستغفر الله في ذاتها..
ليفاجئها كساب بهجومه..
وهو يشد نفسه بعنف من حامل المحلول.. لينـتـزعه من يده دون أن يشعر..
والدم يتدفق بغزارة عبر الوريد المفتوح..
كاسرة أصبح انتباهها كله مع الدم المتدفق وهي تمسك بكفه وتحاول إيقاف الدم وتهتف بغضب حقيقي:
أنت صاحي وإلا مجنون؟؟
كساب ماعاد يرى أمامه من الغضب وهو يشد يده منها ويمسك العرق بنفسه وهو يضغط عليه بفوطة كانت جوار سريره:
أنتي خليتي في رأسي عقل.. أقول لش فارقي للبيت.. فارقي.. قدام أكسر وجهش الحين..
زايد يتدخل بحزم جازع: أنتو استهدوا بالله. اذكروا الله..
وانت يا الخبل اقعد خلني أدعي حد يشوف المصيبة اللي سويتها في روحك..
كساب يصرخ بغضبه الأسود المتفجر: يبه خذها من قدامي الحين.. قدام أرمي عليها اليمين.. تراني مافي رأسي عقل ذا الحين..
كاسرة حينها تقدمت نحوه بثبات.. وهي تهمس بثقة حازمة صارمة متحكمة عكس غضبه المتفجر:
ارمي علي اليمين.. خلصني وخلص روحك..
أنا ما أبيك وأنت ماتبيني.. وش جابرنا على ذا الحياة؟؟
خلك قد كلمتك.. يا الله طلقني.. هذا أنا قدامك!!
#أنفاس_قطر#
.
.
. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاصل إعلآني ^_^ / ..
جميع الحقوق محفوظة لدى : || شبكة ومنتديـآت ***** الثقــآفيـة || ..
تجميع : ♫ معزوفة حنين ♫..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين الأمس واليوم/ الجزء السادس والثمانون
كساب ماعاد يرى أمامه من الغضب وهو يشد يده منها ويمسك العرق بنفسه وهو يضغط عليه بفوطة كانت جوار سريره:
أنتي خليتي في رأسي عقل.. أقول لش فارقي للبيت.. فارقي.. قدام أكسر وجهش الحين..
زايد يتدخل بحزم جازع: أنتو استهدوا بالله. اذكروا الله..
وانت يا الخبل اقعد خلني أدعي حد يشوف المصيبة اللي سويتها في روحك..
كساب يصرخ بغضبه الأسود المتفجر: يبه خذها من قدامي الحين.. قدام أرمي عليها اليمين.. تراني مافي رأسي عقل ذا الحين..
كاسرة حينها تقدمت نحوه بثبات.. وهي تهمس بثقة حازمة صارمة متحكمة عكس غضبه المتفجر:
ارمي علي اليمين.. خلصني وخلص روحك..
أنا ما أبيك وأنت ماتبيني.. وش جابرنا على ذا الحياة؟؟
خلك قد كلمتك.. يا الله طلقني.. هذا أنا قدامك!!
قبل أن يبدر من كساب أي تصرف.. كان زايد هو أول من تكلم وهو يتدخل بقدرته الفائقة على السيطرة ويشد كل واحد منهما بقوة من عضده
ويهتف بغضب شديد وحزم بالغ:
أص ولا كلمة.. والله ثم والله ماحد منكم يفتح ثمه بكلمة..
أنا واقف بينكم مالي حشمة وتقدير..
ثم أفلت كساب الذي كان ينتفض من شدة احتكام غضبه ومع ذلك أسكته شيء أقوى منه.. لم يكن والده.. ولكنه شيء آخر!! آخر!!
ثم شد زايد كاسرة من عضدها برفق وهو يهتف بحزم: يا الله يأبيش أنا بأوديش..
حينها كانت الممرضة تدخل بناء على الجرس الذي ضغطه زايد.. زايد أشار لها أن تتوجه لكساب..
وهي تنظر برعب ليده.. بينما زايد شد كاسرة لغرفة الجلوس وأغلق الباب بينه وبين كساب.. قبل أن يتكلم أحد منهما..
حـــيــنــهـــا...
سمع كساب بوضوح تام.. صوت انفجارها في البكاء.. شهقاتها المكتومة التي علم أنها تسكبها الآن بين أضلاع والده وهي ترتمي في حضنه..
تلك القوة الهائلة التي كانت تتسربل بها أمامه قبل ثوان انهارت كلها..
كانت بالفعل تبكي بانهيار على صدر زايد الذي كان يهمس لها بحنو: بس يأبيش خلاص..
لا تشرهين على كساب.. تعبان ومتضايق من أشياء واجد..
كاسرة بين شهقاتها التي كانت تئن بينها فعلا: وأنا ما أنا بتعبانة..؟؟
أنا تعبت يبه تعبت.. والله العظيم تعبت ووصلت آخري..
حدني على أشياء عمري ماهقيت إني ممكن أقبلها على روحي..
زايد احتضنها بحنو أكبر وهو يهمس لها بحنو حازم:
المرة اللي فاتت ماسويتي لي خاطر.. ذا المرة أقول عديها عشان خاطري أنا كن لي خاطر عندش..
عشاني يأبيش.. طالبش ما ترديني..
كان كساب يتمزق تماما وهو يقف قريبا من الباب الفاصل بين غرفتي الجناح.. ويرفض أن يستجيب لرجاءات الممرضة أن يجلس..
يتمزق من غيرته.. ومن غضبه..!! ويتمزق أكثر من أي شيء من صوت بكاءها!!
يرهف السمع.. وكأنه يريد تعذيب نفسه بصوت أنينها الباكي..
لا يحتمل صوت بكاءها..
وما لايحتمله أكثر.. أنها تبكي على صدر سواه..!!
يتخيل أنه كان قاب قوسين أو أدنى من قطع كل مابينهما..
يتخيل أنه كاد يفصل بين روحيهما بكلمة..
يتخيل أنه كاد يفسد حياته كلها بكلمة في لحظة غضب لولا تدخل والده!!
ولكن تبقى هي السبب.. هي السبب في كل شيء!!
أخبرها أكثر من مرة.. أن غيرته مُرة.. ومع ذلك تقصدت أن تجربها!!
وهاهي تجربها في أقسى وأصعب موضع من كل النواحي!!
************************************
" مزنة انزلي تحت..
تعالي اخذي كاسرة.. عشان أبي أرجع لكساب للمستشفى"
مزنة وقتها كانت تستعد للنوم فعلا.. شدت روبها على جسدها وهي تهتف باستعجال: نازلة الحين..
لم تسأل لماذا عادت كاسرة وهي كانت ستبات عند زوجها.. لأنها علمت أن هناك مصيبة ما..
حين وصلت للأسفل.. كان وجه كاسرة محمرا من أثر البكاء.. ومع ذلك هتفت بجمود صارم:
عمي الله يهداك مافيني شيء عشان تروع أمي وتنزلها وهي كذا.. أنا بأطلع بروحي..
قالتها وهي تتجاوز والدتها وزايد لتصعد..كما لو كانت شبحا لا صوت لخطواته وهي تسحب نفسها سحبا للأعلى!!..
بينما مزنة مالت على زايد وهي تهمس بقلق عارم:
زايد وش صاير بين كساب وكاسرة..؟؟
زايد أمسك بقماش الروب من ناحية عضدها بين سبابته وإبهامه وهو يهتف بحزم مقصود:
شكلي أعصب عليش عشانش نازلة كذا.. عشان تعرفين وش سبب اللي صار بين كساب وكاسرة..
مزنة تراجعت بحرج.. لأنها انتبهت أنها نزلت بروب من الشيفون الخفيف دون أن تنتبه لشدة شفافية القماش..
ومع ذلك هتفت بثقة: البيت مافيه إلا بناتي.. حتى كساب بسلامته في المستشفى..
زايد تنهد بحزم: روحي لكاسرة.. وهديها.. وهي بتعلمش وش اللي صار..
بس طالبش يامزنة تعقلينها..
زايد غادر بينما مزنة توجهت لكاسرة..
وخلفها مزون التي شعرت بشيء غير طبيعي يحدث.. فخرجت من غرفتها..
لترى مزنة تتوجه لغرفة كساب فتوجهت خلفها بقلق أن يكون حدث لكساب أي شيء..
مزنة حين وصلت لكاسرة... كانت كاسرة تجلس على الأريكة قريبا من باب الجناح ومازالت بعباءتها..
مزنة جلست جوارها وهي تربت على كتفها وتهمس بأمومة حانية: شاللي صار يأمش...؟؟
كاسرة بجمود حقيقي وهي تنظر لشيء غير مرئي أمامها: كان يبي يضربني ويطلقني عشان نسيبه غانم آل ليث شافني بدون شيلة..
الطرف الثالث الذي سمع الحوار عن غير قصد... تراجع بحدة للخلف ثم هروبا إلى داخل غرفته..
بينما مزنة مازالت غير قادرة على استيعاب الموضوع كاملا.. ومع ذلك هتفت بتهدئة:
يعني أنتي الغلطانة؟؟ وأنتي تعرفين وش كثر هو يغار عليش..
كاسرة بذات الجمود: أدري إني غلطانة.. بس هو كأنه ماصدق عشان يلقى له سبب يهيني..
أما على الغيرة. فيه فرق كبير يمه.. بين غيرة للحب.. وغيرة للتملك..
مزنة تنهدت: يأمش هو بعد حاله ماهو مستقر.. لازم تراعينه.. وتحسين فيه!!
حينها صُدمت مزنة أن كاسرة انفجرت في بكاء مفاجئ غير مسبوق.. وهي تدفن وجهها بين كفيها وتشهق بعنف:
وهو متى بيحس فيني ويراعيني؟؟ متى؟؟
تعبت يمه.. تعبت.. وهو مستحيل يحس فيني يوم.. مستحيل!!
يمه وش ذا الحياة؟؟ والله العظيم تعبت..
لو ماكنت أحبه.. كان عادي عندي أتقبل كل شيء ولا يهمني..
بس على قد ما أحبه.. على قد ما يوجعني اللي يسويه فيني...
ياربي تعبت.. تعبت!!
تـــــعـــــبــــــت!!!!
**************************************
مازال جالسا في سيارته أمام المستشفى.. عاجزا عن استيعاب ماحدث أمامه..
وما يؤلمه ويحرجه معرفته أنه تسبب بمشكلة كبيرة.. وهو يسمع صراخ كساب مع مغادرته للمكان كاملا..
ثم رؤيته لنزول زايد ومعه امرأة ومغادرتهما..
للحظات حين فتح الباب وقبل أن يلاحظ الوجوه.. شعر بدغدغة لذيذة ما أن تكون هذه التي أمامه هي مزون..
وأن الله أراد إهدائه هدية هذه الليلة برؤيتها!!.. وهو على كل حال كان سيتراجع في الحال ويغلق الباب..
لكنه ما أن لمح وجه المرأة حتى تراجع بجزع كبير.. لأنه عرف أنه يستحيل أن تكون مزون..
فهو يعلم أن مزون –كما قيل له- عادية الجمال.. وهو هيأ لنفسه لذلك وراضٍ به تماما..
لكن هذه رغم أنه لم يدقق في الملامح ولكن جمالها بدا له مرعبا ومخيفا..!!
ثم حين سمع صراخ كساب الناري... علم أنها زوجة كساب..
تمنى أنه لم يحضر..!! ولو أن الأرض انشقت وابتلعته لشدة شعوره بالحرج!!
يتخيل منظره لو قابل كساب المرة القادمة..
كيف سيتبادلان النظرات!!
يحاول وضع نفسه مكان كساب.. ليتخيل موقف كساب وغضبه.. ويزيد على ذلك معرفته بحدة شخصية كساب..
لتصبح النتيجة أمامه كارثة!!
والكارثة أنه من تسبب بالكارثة!!!!
.
.
.
مازالت ساهرة وتفكر...
إذن ( غانم رأى كاسرة )...
آذاها معرفتها لذلك بشكل شديد بالغ الشفافية والوجع..
تعلم يقينا أن غانما وفي مجال عمله رأى من الجميلات أشكالا وألوانا.. فهذا الأمر ليس غريبا عليه..
ولكن ما آذاها أنه رأى زوجة شقيقها..
فهل سيعقد مقارنة ما حتى لو كان لا يقصدها؟؟
أما الأذى الحقيقي.. فهو إحساسها بكساب.. الأقرب لروحها..
تتخيل أن زوجها كان سيكون سببا لطلاق كساب لزوجته!!
ومازالت حتى الآن لا تتخيل كيف ستكون تداعيات الموضوع ونتائجه..
تعرف حدة شخصية كساب.. وتعرف عناد كاسرة..
وكلما تجددت المشكلة ومناقشتها سيكون التفكير بسبب المشكلة حاضرا..
وسبب المشكلة هو زوجها...
فكيف ستصبح حساسية العلاقة بين غانم وكساب..؟؟
وهي أساسا كان سبب موافقتها على غانم هو رضى كساب في المقام الأول!! فغانم بذاته لم يكن له ذلك الاهتمام عندها!!
فكيف ستصبح العلاقة بين شقيقها وزوجها مع كل هذه الحساسية؟؟
هم رقيق حاد يختلج جوانحها بلا هوادة..!!
وحزن غريب بدا يغزو روحها كجيش ضخم لا يعرف الهزيمة!!
*************************************
قلب ساهر آخر في هذه الليلة التي لا تريد الانتهاء..
" ماصدقت أقول لها نامي في بيت هلش..
حتى اتصال ما اتصلت فيني من صبح!! "
" مهوب أنت اللي تبي كذا؟؟
الحين زعلان؟؟
صدق إنك غريب!!"
" أنا أبي أعطيها فرصة ترتاح من الضغط..
بس مهوب لدرجة إنها حتى اتصال ما تتصل فيني
لكن هي ماصدقت!! "
مضى أكثر من شهر على زواجهما.. اعتاد عليها لأبعد حد رغم قصر المدة..
وكأنه كان حياته كلها ينتظرها..!!
عاجز عن احتمال طول وثقل هذه الليلة التي لا تريد الانتهاء فعلا..
والآن كيف سيحتمل الثلاث أيام المتبقية على زواج فهد؟؟
تمنى لو يستطيع الاتصال بها فقط.. ولكن بدا له هذا الأمر معقدا وغير قابل للتنفيذ حتى مع شفافية شخصيته..
فما بات يظنه في عالية يجرح إنسانيته قبل رجولته..
أن يكون كل ما بينهما معتمدا على قدرته على المشي..
أ هو في نظرها محض ساقان تتحركان؟؟
أ كل العلاقة المتينة بينهما تختزل في محض ساقيه.. وكونه يمشي؟!!
أين روحه؟؟ وقلبه؟؟ وعقله؟؟
وإذا أراد الله عز وجل له ألا يمشي.. فكيف ستكون حالهما؟؟
ماهو مصير علاقتهما؟؟
هل هي باتت تستكثر نفسها عليه.. وأنها أفضل منه لكونها تمشي؟؟
أم لأنه يحتاجها وهي لا تحتاجه ترى هذا دافعا لأن تقسو عليه هكذا؟؟
يا الله .. كل شيء يجرحه التفكير به!!
كل شيء!!
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك