بارت من

رواية بين الامس واليوم -169

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -169

يمكن تكون هذي العدالة ..وأنا ماني بمعترضة...
زايد عانى واجد... ويمكن صار دوري الحين...
وماحد يأخذ أكثر من اللي الله كتبه له... وأنا راضية باللي الله كتبه لي..
كاسرة تشعر بالكلمات باهتة على شفتيها: تبون تطلقون يمه؟؟
مزنة هزت رأسا نفيا.. وهمست بإرهاق: طلاق لا... إبي يتضايق واجد.. وهو ماعاده بحمل ذا السوالف..
وأنتي وكساب حياتكم بتتأثر من ذا الموضوع...
ناس كثيرين متزوجين وكل واحد منهم في بيت!! يعني حالتنا مهيب استثناء...
اللي أبيه منش ماحد يدري بشيء...
أنتو كساب بتدرون لأنكم ساكنين معنا في البيت.. بس غيركم ما أبيه يدري!!


***************************************


هاهو يعود أخيرا عند الظهر..
لم يتصل بها حتى.. فهو تعب لكثرة مايتصل ثم يحدث شيئا يعيق لقاءهما..
قرر هذه المرة أن يحضر دون اتصال.. ودعا الله طويلا أن يجدها..
ووجدها بالفعل.. جالسة في انتظاره..
شعر أن دفق الدم سيمزق صدره من فرط اشتياقه لها..
حين دخل.. وقفت.. تراجع خطوة للخلف وهو يرى مسحة حزن تجلل عظمة حسنها..
ثم عاود التقدم ليمسك بكفيها الاثنتين ويهمس بقلق:
كاسرة وش فيش؟؟
همست بسكون: مافيني شيء!!
هتف بذات النبرة القلقة: أنتي زعلانة عشان ماقدرت أشوفش إلا الحين..؟؟
هزت رأسا بذات الحزن: لا أبد..
ثم مالت برفق لتقبل صدره وهي تهمس بذات نبرة الحزن التي أغرقت صوتها:
الحمدلله على سلامتك!!
شعورها بالحزن غامر فعلا.. ان ترى أعظم شخصين في العالم يحدث بينهما هكذا مشكلة وهي من كانت ترى في عظمتهما ترفعا حتى عن الخلافات!!
كساب شدها ليجلسها وهو يحتضن كتفيها ويهمس بنبرة حزم مغلفة بالقلق:
والله العظيم إن قد تقولين لي!!
كاسرة تنهدت بوجع: أمي وإبيك بينهم خلاف كبير.. واتفقوا كل واحد منهم يعيش في مكان!!
كساب انتفض بجزع وهو يقفز واقفا : من جدش؟؟
كاسرة هزت كتفيها: وليش أكذب؟؟
كساب بغضب: لاااااااا... الشيبان شكلهم استخفوا.. وش ذا الخرابيط؟!!
كاسرة بسكون: هذا اللي صاير!!
كساب يستعد للمغادرة وهو يهتف بحزم غاضب: ليه هم ظنهم إني بأخليهم على كيفهم؟؟
كاسرة شدته بلطف : تكفى كساب اقعد... مهوب كل شيء تقدر تتدخل فيه وتمشيه على كيفك..
سويت اللي في رأسك وزوجتهم.. بس ماتقدر تجبرهم يرجعون يعيشون مع بعض..
عطهم وقت.. أنا متفائلة خير.. إنهم يبون وقت بس!!
كساب عاود الجلوس جوارها وهو يزفر بغيظ: والروس الكبيرة العاقلة وش مزعلهم من بعض عقب ماكان الغرام باقي يطلع من عيونهم؟؟
كاسرة بهدوء: شي يخصهم بروحهم..
كساب بذات النبرة الغاضبة: ولا يكونون ناوين يتطلقون بعد؟؟ هذا اللي ناقص!!
كاسرة تنتهدت: طلاق لا... أصلا هم مايبون حد يدري إن بينهم خلاف..
بس أنا وأنت ساكنين معهم في البيت.. لازم بندري!!
بس حتى علي ومزون مهوب لازم يدرون..
ثم أردفت برجاء وهي تحتضن خصره: كساب أبي أروح أقعد عند أمي يومين ثلاثة..؟؟
حينها انتفض كساب بغيظ: زين أنا وش ذنبي تعاقبيني ؟؟
تنهدت كاسرة: كساب وليش أعاقبك؟؟ بس ما أبي أمي تقعد بروحها.. وهي متضايقة..
كساب شد له نفسا عميقا وهو يحتضنها بقوة: أنا كنت اقول الله يستر من شفقتي على شوفتش ذا المرة..
كنت حاس إن الدنيا ماتجي على الكيف!!
روحي كاسرة ما أقدر أردش من أمش..
ثم أردف بحزم: بس أنا بجي أنام عندكم في مجلس الحريم..
مايصير البيت فاضي عليكم وتميم مسافر!!
كاسرة برفض: لا كساب تكفى.. لأنه أمي وقتها بتحلف أرجع معك..
بعدين البيت جنب البيت ومفتوحين على بعض..
والله العظيم لا نحتاج شيء لا أدق عليك..
حينها تنهد بعمق شاسع: تدرين كاسرة.. أول مرة تزعلين علي... وانا مالي ذنب!!
كل مرة يكون الذنب ذنبي... بس ذا المرة ماسويت شيء استحق عشانه تخليني بروحي!!


.
.
.


كاسرة تنزل بعد قليل..
لتتفاجأ بدخول عمها زايد..
مشاعر متضادة اختلجت روحها وهي تراه..
كانت تتمنى ألا تراه.. وتخشى أن تراه.. فهي عاتبة عليه..
وتخشى أن تقول له شيئا يغضبه أو يضايقه!!
كانت تريد أن ترد على تحيته وتخرج فورا..
لولا أنه بادرها بالسؤال الأبوي بعد السلام: يابيش وين بتروحين ذا الحزة؟؟
كساب مهوب فوق؟؟
أجابته بسكون: بلى فوق.. بس أنا استئذنته أروح لأمي!!
حينها شعر زايد بثقل عميق في أنفاسه .. صعوبة الزفير والشهيق!!
(أ حقا فعلتها؟؟
هل تركت البيت؟؟ وأنا أكدت عليها ألا تفعلها
كل ماكنت أريده أن تبقى رائحتها قريبا مني..
ألمحها صاعدة أو نازلة!!
لكن هي قررت أن تقسو.. أن تعاقبني أكثر مما قررت معاقبة نفسي!! "
مازال يمنح نفسه الأمل المبتور وهو يهمس بنبرة تساؤل حاول أن تكون تلقائية قدر الإمكان:
وأمش وينها؟؟
كاسرة باستغراب موجوع: أمي وينها؟؟ إسأل روحك يبه.. أمي وينها..
ثم أردفت بوجع: خلت لك الجمل بما حمل...
أستغرب يبه إنه فيه رجال عاش مع أمي وعرفها..
وعقبه يدور على طيف قديم اختفى!! وليت الطيف يستاهل حتى!!
يعني أنت كنت تبي مزنة البزر المطفوقة وتفضلها على مزنة الثقل والركادة..؟؟
لو كنت يبه خذت أمي وقت مابغيتها..
كان حالكم صار أردى من حالي أنا وكساب..
لأنه وقتها أنتو أصغر بواجد... وكل واحد منكم يبي يكسر رأس الثاني..
بس خلاص حكي في الفايت نقصان في العقل..
استمتع بحياة العزوبية مرة ثانية... الله يهنيك..
زايد موجوع أن مزنة أخبرت كاسرة بهذه التفاصيل بل أنها أخبرتها بوجود خلاف حتى بينهما..
لذا هتف بحزم أقرب للغضب: أعتقد إني أنا وأمش اتفقنا مشاكلنا تظل بيننا..
ما ننشرها قدام عيالنا!!
كاسرة بسخرية شديدة المرارة: وهذا اللي هامك يبه..
يعني تخيل أنا دخلت عليها لقيتها تشيل أغراضها كلها... تبيني أسكت أو أصدق أي شيء هي بتقوله إلا لو اقنعني؟؟؟
وعلى العموم تأكد إنه مافيه شيء بيطلع مني..
كساب بس يدري بينكم خلاف مايعرف وش هو..
زايد شعر بزيادة تثاقل أنفاسه ..
( أحقا حملت كل شيء!!
أ حقا حزمت أمرها على بتر ماكل بيننا حتى أطياف الذكريات؟؟)
كاسرة غادرت.. بينما زايد انهار جالسا على الأريكة..
لا يريد حتى أن يصعد للأعلى.. لا يريد أن يرى أطلالها الفارغة!!
كم يبدو القرار صعبا بعد تنفيذه..
كان يعلم أن التنفيذ سيكون صعبا وموجعا.. ولكن ليس إلى هذه الدرجة!!
ليس إلى هذه الدرجة!!
فالألم الذي يشعر به لا حدود له .. لا حدود له!!
"أليس هذا ما أردته؟؟ أن تعاقب نفسك؟؟
استمتع إذن بالعقاب!!"
يبدو أن مزنة ستبقى دائما هي عقابه الأبدي..
في بعدها.... وقربها..
ثم في بعدها مرة أخرى!!!!


************************************


" وضحى سامحيني على الكلام اللي قالوه خواتي..

وخصوصا كلام نورة...
تدرين مرة كبيرة.. وماحد يشره على الحريم الكبار!!"
تنهدت وضحى وهي تهمس بلباقة: ماحد يزعل من وحدة مثل أمه..
أصلا خواتك كلهم في مقام أمي..
يعني احترامهم على رأسي!!
نايف مد يده ليمسك بكفها وهما يجلسان متجاورين في مقعد الطائرة..
وضحى شدت كفها بوجل عفوي قبل أن يمسك بها..
نايف ابتسم بتأفف: تونا كنا حلوين ونقول كلام شعر!!
ثم أردف بابتسامة: عطيني يدش بس يا البخيلة.. نشفتي ريقي!!
حتى يدش ما أعرف ملمسها!! بأمسكها بس ماني بمأكلها!!
وضحى منحته كفها بتردد خجول..
إحساس عميق يجتاح كلا منهما بهذه اللمسة الرقيقة العذبة التي يتعرف عليها كلاهما للمرة الأولى..
إحساس سماوي بها ناتج عن كونها لمسة حلال لا شبهة فيها تقتحم طهارة أطراف كل منهما..
صمتا كلاهما.. ونايف يحتوي كفها بين أناملها بدفء..
ثم يمد كفه الأخرى ليحتضن كفها بينهما كلاهما!!
همس بدفء: شفتي إني ما أعض!!
وضحى متوترة وتتمنى لو انتزعت يدها بين يديه لشدة تصاعد دقات قلبها
ولكنها خجلت أن تفعل ذلك وحاولت أن تتلهى بشيء آخر.. سألت نايف بهمس رقيق:
نايف كم عمرك يوم ماتوا أمك وإبيك؟؟
نايف يمر أنامله عبر أناملها ويهتف بسكون وهو ينثال بغزارة ليشرك شريكة حياته في مشوار حياته:
ماماتوا مع بعض.. بينهم فرق طويل..
أول حد مات أمي الله يرحمها.. ماتت عمري سنة..
موجعني واجد إني ماعرفتها.. تدرين إنه حتى صورة لها ماعندي..
حتى صورة جواز مافيه... لأنه قبل مثل ماتعرفين.. كانت جوازات سفر الحريم بدون صور!!
جوازها لين الحين عندي... بس بدون صورة.. أحاول أتخيل لها صورة في عقلي..
يقولون لي إن عالية تشبهها واجد.. عشان كذا عالية غالية واجد على قلبي..
يوم ماتت.. كان باقي من خواتي ثنتين ماعرسوا.. فاطمة وقتها كان عمرها 18
وسلطانة عمرها 15 ..
فاطمة وقتها كانت متملكة بس عرسها تأجل عشان مرض أمي..
فاطمة تزوجت عقب سنة .. عقب ماحلف عليها إبي..
ماكانت تبي تعرس.. تبي تقعد عندي انا وإبي!!
وعقبها سلطانة.. وش كثر جاها خطاطيب وكانت تعيي..
كانت متعلقة فيني واجد.. وهي أكثر حد تولى مسؤوليتي وانا صغير!!
إبي حلف عليها يوم صار عمرها 20 إنها تتزوج.. هو بعد كان رجّال كبير
وخايف يصير له شيء وهي مابعد تزوجت..
أتذكر زين الليلة اللي قبل عرسها.. لا نامت ولا خلتني أنام..
طول الليل وهي قاعدة عند رأسي وتبكي.. وانا أسألها وش فيها؟؟
تضمني وتبكي وتقول مافيه شيء..
وهي كل ماتبكي.. أبكي معها..
وعشان أمي ماتت وسلطانة صغيرة.. سلطانة تعلقت واجد بنورة.. لأنها أكبر خواتي..
عشان كذا لزمت تسمي أكبر عيالها نورة!!
وعشان كذا الثنتين طبايعهم نفس شيء!!
وعقب إبي مات وأنا عمري 10 سنين.. ومن يومها وأنا أطوف من بيت وحدة من خواتي لبيت الثانية!!
كثير كنت أحس إنهم يبدوني حتى على عيالهم... كل وحدة منهم حاطتني على رأس أولويوتها..
عشان كذا لا تلوميني لو شفتيني ما أقدر أقول لهم شيء.. مايهون علي أوجعهم وأنا عارف إن غلاهم لي مافيه شك!!
على قد ما حسيت إني متشتت طول عمري وأنا ما أعرف لي بيت ولا أعرف لي أم...
على قد ما انخنقت من اهتمامهم..!!
على قد ما أحبهم..!!
على قد ما كنت أبي أهرب منهم..!!
عشان كذا هجيت أول ماخلصت ثانوي لفرنسا..
وما تتخيلون أشلون سوو مناحة يوم عرفوا إني باروح أدرس برا..!!
نايف صمت.. ووطأة الحديث تستنزف كثيرا من طاقته..
بينما وضحى شعرت أنها اُستنزفت من التأثر تماما... وهي من تشد هذه المرة على أنامله بعفوية رقيقة!!


****************************************


" يوووووه ..وش الشعب المقفل ذا؟؟
مايرضون يردون على كلمة وحدة بالانجليزي!!"
ابتسم تميم: هذولا هل بون كذا..
بس هل ميونخ متعودين على السياح!!
سميرة بتساؤل: وأنت وشدراك.. جيت هنا قبل؟؟
تميم ابتسم: يوم خلصت ثالث ثانوي.. رحت أنا وربعي في المدرسة جولة في أوربا.. خذنا شهرين كاملة في الصيف!!
طفنا أوربا كلها..
عشان تعرفين فايدة لغة الإشارة.. مالقينا مشاكل أبد.. الناس هنا متفهمين..
ويوم يشوفونا نتكلم إشارة يحاولون يساعدون قد مايقدرون..
سميرة باستغراب: وعمتي مزنة أشلون وافقت تروح وأنت صغير كذا..؟؟
تميم ابتسم: أمي طول عمرها تعتبرني رجال.. ولا عمرها حسستني بغير كذا!!
اللي اعترض امهاب الله يرحمه.. وكاسرة...
بس أمي وقفتهم عند حدهم.. وقالت لي سافر.. وانبسط.. وما أوصيك إلا في صلاتك ما تأخرها مهما كان!!
ابتسمت سميرة: فديتها عمتي مزنة..
ثم أردفت باهتمام: زين وش جدولنا بكرة؟؟؟
تميم بمودة: الصبح بنسوي الفحص.. وعقب بنطلع لميونخ على القطار!!


*********************************


عاد أخيرا إلى جناحه.. بعد ان كان يهرب بالعمل طوال النهار..
لا يتخيل أنه سيعود ولن يجدها..
لا يتخيل أنه قد ينام وهو لا يتوسد أمواج الكستناء ويتنفس عطرها الذي يهز أعطافه!!
أي نوم هذا؟؟ بل هو كابوس!!
يتنهد بعمق.. وهو يصعد درجات السلم.. كما لو كان يصعد إلى قبر موحش..
" لازم أتعود..
أنا كنت عارف إنه ذا كله بيصير..
وكنت عارف إنه الموضوع بيوجعني..
بس لازم أطهر روحي بالوجع.. عشان أقدر أتعايش مع ذنبي!! "
حين دخل إلى الجناح..
شعر بألام صدره تتزايد..
كما لو كانت ضلوع صدره تتقارب لتعتصر رئتيه وقلبه!!
كان الجناح مرتبا لأبعد حد..
ترتيبها هي.. يعرفه تماما..
" أكان لديكِ الوقت لترتبي أحزاني قبل أن ترحلي؟؟
أ تركت لي خصلة من شعركِ؟؟
أو بعضا من عطركِ؟؟
هل نسيتِ شيئا من أجلي يصبرني على بعدكِ؟؟
يبدو أنكِ نسيتِ أهم شيء.. نسيتِ أن تضعيني في إحدى حقائبكِ قبل الرحيل!!
لأنه يبدو أن لا شيء سيصبرني!!
لا شيء!!"
كان يهذي بهذه الأفكار وهو يدور في أرجاء الجناح الفارغ من أغراضها..
كان يفتح الخزائن كالمجنون.. يرجو أن تكون تركت أي شيء يخصها..
شيء قد تعود من أجله!!
ولكنها لم تترك شيئا.. ولا أي شيء!!
حتى مفرش السرير الذي قضيا فيه ليلتهما الأخيرة سويا.. غيرته بمفرش جديد قبل أن ترحل!!
لم تترك له أي شيء!!
وماذا يريد بالأشياء من بعدها.. وبماذا ستفيده سوى زيادة حرقة جوفه الملتهب كنار مستعرة..؟؟؟
يشعر بأنفاسه التي تخرج من صدره كما لو كانت ستحرق ما أمامه لشدة سعيرها!!
جلس على السرير وهو يشعر أن الجناح الواسع يضيق ويضيق ليصبح كفتحة الإبرة..
جلس من ناحيتها حيث كانت تنام.. يتحسس المكان الخالي..
ويشعر أن أنامله ستدمي كما روحه تدمي!!
مد يده لسيتند على حاجز الطاولة الصغيرة المجاورة لها.. لتقع يده على سلك شاحن هاتفها..
كف يده كما لو كان لمس جمرة أحرقته..
"وأخيرا تركت شيئا!!"
ينظر لكفه.. للأثر الباهت القديم لحرق كفه حين أمسك بالجمرة ليلة زواجها من سواه..
تلك الليلة أمسك بجمرة فعلية ليتناسى أنها تلك الليلة تنام في حضن سواه!!
ثم حين أصبحت تنام في حضنه أمسك بكل جمرات الكون.. وهو يبعدها عنه!!
لن يحتمل!!
لن يحتمل!!
لن يحتمل!!


************************************


تنظر لكاسرة النائمة وهي تجلس في زاوية الغرفة..

تتنهد بعمق.. لم تكن تريد من كاسرة أن تترك زوجها لتلحق بها..
ستتركها تنام الليلة لأنها حلفت!!
ولكنها في الغد من ستحلف عليها أن تعود لبيتها..
فالبيت خال من وجود امرأة..
فمن سيعتني بالرجال المتواجدين فيه؟؟
من سيعتني بزايد؟؟
من سيعتني بزايد بعد أن أفسدته بالدلال؟؟
فبعد أن كان في الأيام الأولى لزواجهما هو من يستخرج أغراضه كعادته..
أصبح لا يعرف مكان أي شيء إلا أن تخرجه هي له.. بعد أن أعادت ترتيب أغراضه هي...
هي من تستخرج له ملابسه صباحا..
وتستخرج له طقم أزرة وقلم وساعة هي من تنسقها.. بل حتى محفظته هي من تستخرجها من ثوبه القديم لتضعه في ثوبه الجديد..
حتى هاتفه هي من تشحنه له!!
تنهدت بوجع صارخ...
" صدقتي روحش؟؟!!
غصب تقولين إنه تعود عليش؟؟
الرجّال من بداية عرسكم وهو عايفش..
يا الله تحملش ثلاث شهور!!
.
.
.
زين يوم إنه عايفني من البداية
ليش ماقال لي عقب أسبوع أسبوعين..
ليش خلاني لين تعلقت فيه..
لذا الدرجة يبي ينتقم مني يعني؟!! "
وهي مستغرقة في وجع أفكارها المتشعب.. رن هاتفها..
انتفضت بجزع.. (من بيتصل ذا الحزة؟؟)
التقطت الهاتف وضعته على وضعية الصامت بسرعة حتى لا تزعج كاسرة النائمة
وحتى تنظر من المتصل...
كان هو.. هــــو!!
استغربت.. وارتعش قلبها اليائس المكلوم بخليط من الغضب والتأثر..
" وش يبي يتصل؟؟"
تكرر الرنين... تنهدت وهي تقرر الرد.. فكلاهما أكبر من لعبة التجاهل السخيفة..
ربما كان يريد أن يسأل عن شيء من أغراضه!!
وماداما قد اتفقا على وضعية عيش معينة ولكنهما يبقيان زوجان في إطارها..
فالاحترام لابد أن يبقى بينهما!!
ردت مزنة بلباقة رغم أنها تمنت في داخلها أن تغلق الهاتف في وجهه:
هلا أبو كساب ..
زايد صمت لثانية ثم أردف بهدوء عميق: مساش الله بالخير!!
مزنة بذات اللباقة التي اتعبتها مع وجع قلبها: الله يمسيك بالنور..
آمر يا أبو كساب.. إذا فيه شيء من أغراضك ماتعرف مكانه..
تراها كلها مرتبة كل شيء بروحه..
أزرارك وساعاتك في................
قاطعها بوجع عميق: ومافيه شيء غير الساعات والأزرار أبي أسألش عنه يعني؟؟
مزنة بثقة: ما أدري.. آمرني!!
سألها بحزم يخفي خلفه أملا غريبا: ولو أمرتش.. بتطيعين؟؟
مزنة بحذر: إن شاء الله.. لو في مقدرتي ما أقصر يا أبو كساب..
زايد بنبرة قاطعة صارمة ومباشرة: أبيش ترجعين.. واعتبري نفسش ماسمعتي شيء اليوم!!
مزنة شهقت بصدمة كاسحة: نعم... ليه حن كنا نلعب؟؟
ثم أردفت بغضب: أو أنت شايفتني لعبة عندك.. روحي.. تعالي!!
زايد شد له نفسا عميقا: محشومة.. بس أنا حسيت إنه حن استعجلنا في القرار.. خلينا نتناقش في الموضوع أكثر..
أكيد فيه حل غير كذا.. حتى لو أعرض نفسي على طبيب نفسي ماعندي مانع..
صمت لثانية ثم أردف بصدق مثقل بالألم:
أنا ماني بمستحمل المكان عقبش.. باستخف لو قعدت ليلة ثانية كذا!!
مزنة تغلق عينيها وتفتحها.. وجعها يزداد وجرح كرامتها يتسع:
الحين منت بمستحمل المكان عقبي لدرجة إنك مستعد تعرض نفسك على طبيب نفسي؟؟
وليش مافكرت في ذا الشيء اليوم الصبح..؟؟
مسرع قلبت..!!
وإلا عشان كاسرة علمتك.. بتسوي علي ذا اللفة الطويلة والتمثيلية البايخة؟؟
زايد.. أنا ربيت أربعة بدون أب.. يعني باعجز أربي واحد..
وإلا تكون خايف على ولدك من تربيتي؟؟
زايد شعر أن هناك قنبلة تفجرت في منتصف جمجته ونثرت خلايا دماغه أشلاء متناثرة (أي ولد؟؟ وأي تربية؟؟!!)
زايد همس بثقل وأحرفه تتبعثر: أي ولد تتكلمين عنه؟؟
مزنة موجوعة فعلا.. موجوعة.. يطردها من حياته دون رحمة.. لم يقدر مشاعرها.. ولا حبها له..
ثم يريد أن يعيدها من أجل طفل مازال في علم الغيب:
زايد أرجوك لا تزيدها علي..
خلاص اتفاقنا ماتغير فيه شيء.. الطفل ماراح يسوي فرق..
وأنا مستحيل أجبرك تعيش معي وأنت عايفني عشانه!!
زايد لم يستطع أن يرد بكلمة.. ألجمته الصدمة غير المعقولة..
" مزنة حامل!!
ولدي أنا.. ومن مزنة؟؟!!"
مزنة آلمها صمته أكثر من كلامه بكثير!!
( ماصدق أقول له كذا!!
كأنه كان جابر نفسه يقول ذا الكلمتين عشان يريح ضميره...
ويقول : كنت أبي أرجعها بس هي مارضت!! )
لم يقل كلمة واحدة... مازال عاجزا عن الاستيعاب..
فما يسمعه كان أشبه بمعجزة حقيقية ( ابنه هو.. ومن مزنة؟؟!!)
مزنة كانت من تكلمت ختاما وهي تحاول أن تتكلم برزانة تخفي خلفها ألما ماعاد احتماله بالإمكان حتى:
خلاص زايد ماقصرت.. رايتك بيضا.. والوجه من الوجه أبيض!!
تصبح على خير..
ثم أنهت الاتصال..
ليستوعب حينها أن الاتصال انتهى.. انتهى..!!
سارع لمعاودة الاتصال مرة أخرى..
ولكنها أغلقت الهاتف في وجهه هذه المرة..
ثم أغلقت هاتفها بالكامل!!
كان مازال يجلس على سريره.. على مكانها تحديدا..
وإحساس برودة قارص يجتاح خلاياه..
حتى فرحته بالخبر حرمته منها..!!
حرمته حتى أن يقول لها كلمة "مبروك!!"
حرمته أن يخبرها كم هو سعيد بهذا الطفل...
ليست مجرد سعادة بمعناها المجرد البسيط..
بل إحساس سعادة معقد مركب بالمعجزة التي حدثت..
وكأنك ترى أيام صباك تعود أمام ناظريك..!!!
وكأن الحلم الذي سُلب منه يعود إلى حضنه..!!
كم حلم بصبي له ذكاء نظراتها... أو صبية لها لون جدائلها!!
كم حلم بعبق روحها يضمه قريبا من قلبه!!
كم حلم بمخلوق يكون خليطا من روحيهما التي أبت الامتزاج..
ثم حين امتزجت.. كان هو من رفض هذا الامتزاج!!
شد نفسه بإرهاق ليقف... وهو يشعر أنه سينهار فعلا!!
عاجز عن البقاء في المكان بعدها.. كل شيء باهت من غيرأنفاسها..
كل شيء لا نكهة له!!
قرر أن يتوجه للمجلس ويبقى فيه حتى صلاة الفجر...
لا يريد أن يبقى في البيت حتى.. حيث سارت خطواتها وطاف خيالها!!
كان متأكدا أنه لن يجد أحدا في هذا الوقت!!
ليتفاجأ بوجود ابنيه كلاهما.. كساب وعلي!!
بعد تقافزهما للسلام عليه... هتف بحزم: وش مقعدكم ذا الحزة؟؟
ليه منتوا بعند نسوانكم؟؟
علي حاول أن يهمس بطبيعية: شعاع تتوحم ومهيب طايقة البيت!!
ليس من عادته أن يخفي على والده.. لكن إحساسه بهم عظيم يطبق على أنفاس والده جعله يخشى على والده من وطأة الهموم!!
بينما كساب هتف بنبرة مقصودة وهو ينظر لوالده بنظرة حادة مباشرة:
مرتي عند أمها.. ياحرام عمتي عند إبيها عشان تميم مسافر!!
خلتك بروحك مثلنا..

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات