بارت من

رواية بين الامس واليوم -171

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -171

تمنيت ألبس شورت وفنيلة علاق بس وأتمشى في الشوارع..
كاسرة لكمت صدره برقة وهي تهمس بتأثر عذب: هذا اللي ناقص!!
ثم أردفت بوجع وهي تحتضن خصره: بس أشلون عصفور حر..
وأنت مرتبط مع شغلك بشغل ثاني..
قبل وأنت مسافر ماكنت أحاتي سفراتك.. بس الحين عقب ماعرفت كل ماسافرت بيأكلني التفكير..
حينها همس بسكون أقرب للحزن: لا هذي هم حرروني منها.. أساسا يوم خذت الثياب تيك المرة.. رحت عشان أسلمها..
أنا جاني إعفاء عشان إصابة كليتي!!
مادريت أنا أستانس وإلا أحزن!!
كاسرة تنهدت براحة شعرت بها ستشق جنبيها لشدة اتساعها..
الآن عرفت سبب تغيره..
فهو تحرر من كل شيء.. من كل ماكان يفرق بينهما..
أسراره ووسمه وعمله السري..
تتمنى فقط لو علمت كيف وصل لهذا المكان.. فهذه الحكاية تعلم أنها من صنعت تكوينه الصعب..
لو علمت بها فقط سترتاح كليا وتصبح صورة كساب صافية تماما..
الآن بدت تجد له الأعذار لغموضه وحدة شخصيته وتقلباته..
لكن حين تكتمل الصورة ستصبح أقرب وفهمها له أعمق...
وهذا كل ما تريده!!
كساب شدد احتضانه لها وهو يهمس بثقة: الحلوة شا اللي شاغل بالها..؟؟
كاسرة همست برفق وهي تمرر أناملها على ساعده:
أبي أعرف شيئين اثنين.. ليش دخلت السجن؟؟
وأشلون وصلت لسالفة المهمات العسكرية!!
تكفى كساب .. أبي أرتاح.. ما أبي أحس إنه فيه حاجز بعد بيننا..
نثر قبلاته على شعرها المبلول وهو يهمس بذات الثقة:
صدقيني المعرفة ماراح تريحش.. ماراح تتحملين اللي بأقوله..
كاسرة برجاء: جربني زين!!
كساب بإصرار: خلاص كاسرة انتهينا..

***************************************

" والله العظيم لو ما رديتي عليه ذا المرة
إني ماعاد أكلمش!!"
جميلة بجزع: لا يمه تكفين.. خلاص بأرد عليه..
كانت جميلة على وشك الرد لولا أن هاتفها سكت عن الرنين.. همست بانتصار:
شفتي يمه.. هذا هو سكر من نفسه.. !!
عفراء ببساطة حازمة : عادي فيه اختراع اسمه إعادة اتصال.. اتصلي له أنت..
جميلة شعرت أنها ستبكي: تكفين يمه.. لا تخليني أذل نفسي له وأتصل أنا له..
وعد وعد لو اتصل المرة الجاية إني أرد عليه!!
عفراء رفعت حاجبا وأنزلت الآخر وهي تهمس بذات البساطة الحازمة:
الحين أنتي بتذلين نفسش لو اتصلتي.. وهو ماذل نفسه وهو كل يوم يتصل كم مرة وأنتي ما تعبرينه!!
جميلة هزت كتفيها: هو اللي غلط في حقي مهوب أنا اللي غلطت عليه..
عفراء بثقة: فيه كلام أبي أقوله لش.. بس اتصلي أول بفهد وعقب تعالي وأقوله لش..
جميلة برجاء: يمه تكفين!!
عفراء بإصرار حازم: أنتي يا بنت ماعاد شيء له حشمة عندش حتى حلوفتي عليش..
قومي كلمي رجالش خلصيني..
جميلة تأففت وهي تقف لتتصل به من غرفة أخرى.. لم تكن تريد والدتها أن تسمع ماستقوله له..


فهد كان هناك يتأفف بدوره لأنها لا ترد على اتصالاته..
أثقله الشوق حتى الثماله.. واستغرقه حتى النخاع.. وهي مطلقا لا ترحمه..
نعم أخطأ.. ولكنه أعتذر.. وطهر نفسه بالألم والندم..
أ لم يكفها كل ذلك؟؟ ماذا تريد أكثر؟؟ أن ينتحر مثلا حتى ترتاح؟؟ أو يقطع لسانه حتى تشعر بالسعادة؟؟
لا يعلم من أين أتت بكل هذه القسوة وهو من كان يظن أن لها قلبا يذوب كذوب الثلج في نهار مشمس!!
لذا حينما تصاعد رنين هاتفه كان سيسكته فهو لا يشعر برغبة للتحدث مع أي أحد.. لولا أنه رأى الاسم ينير على الشاشة..
كما لو كان ينير بين عتمات جنبيه!!
التقطه بلهفة لم تبدو واضحة في حزم صوته: وأخيرا حنيتي وتكرمتي بالاتصال!!
جميلة بغيظ: أصلا لولا إن أمي حلفت علي وإلا والله ما أكلمك!!
يا الله كيف من الممكن أن تهوي من القمة للقاع في ثانية واحدة.. هذا تماما ماحدث له.. يكاد يشعر بوجع عظامه من قوة الارتطام..
رد عليها ببرود يخفي خلفه ألمه المتسع: الله يبارك في عمتي اللي علمتش السنع..
جميلة بذات الغيظ: وأنت متى بتعرف السنع.. ؟؟
قلت لك لا تكلمني.. وأنت تتصل وأنا ما أرد عليك...
متى بتفهم أنت؟؟
أنت ماعندك كرامة؟؟...........
أسكتها صرخة حازمة جمدت الدم في عروقها وصوته يصب كنار غاضبة في أذنها: أص ولا كلمة... سامعتني أنتي ياقليلة الحيا.... أص!!
إذا أنتي تشوفينها سالفة كرامة يأم كرامة.. أنا شايفها سالفة حق.. وماراح أتنازل عنه!!
حقي أتصل.. وأنتي تردين علي وأنتي ما تشوفين الطريق!!
دام أنتي عارفة إني أتصل وأنا ما أبي إلا كل خير.. لا أبي اغثش ولا أبي أضايقش!!
ليش ما تردين؟؟
لأنش وحدة تحبين المغثة...
يعني يوم كنت أنا موريش الويل وما تسمعين معي كلمة زينة...... كنتي صابرة وساكتة..
ويوم شفتيني ماني بقادر على بعدش.. وخاطري أقول لش كلمة حلوة أعوض فيها عن كل اللي قلته قبل...... ماحتى عطيتيني مجال..
خلاص جميلة تبين المغثة..؟؟ تراني حاضر..
وترا الأيام الاولى من زواجنا يوم كنت أغثش.. تراني ماكنت قاصد..
تخيلي إذا كنت قاصد أغثش.. أشلون بتكون المغثة؟؟
فهد أنهى نيران جوفه المسكوبة.. ثم أغلق هو الهاتف في وجهها.. جميلة انتفضت بجزع..
(ياربي ليش استفزيته كذا؟؟
الحين يمكن يطلقني.. وإلا تصير مشاكل بينه وبين عمي منصور بسبتي!!)
جميلة عادت إلى أمها وهي تسير كما لو كانت شبحا.. تسحب خطواتها على الأرض بدون صوت مسموع..
لم تتذكر حتى أن والدتها قالت لها أنها تريد أن تقول لها شيئا من شدة استغراقها في التفكير.. حتى همست والدتها باستغراب:
هيه جميلة.. وش فيش يأمش؟؟
جميلة انتفضت بخفة: مافيه شيء فديتش..
كنتي تبيني في سالفة؟؟ آمريني!!
عفراء تنهدت وهي تضع تضع زايد الصغير في مقعده ثم تقوم لتجلس جوار جميلة..
ثم تهمس بحنان حازم وهي تشد على كف جميلة:
جميلة يأمش.. أنا يوم أجبرش تكلمين فهد ما أبي أكسرش في عينه ولا أهينش..
بس أنتي يامش صايرة تتصرفين بدون منطق.. وأنا يوم أتدخل أبي مصلحتش!!
يوم صارت زعلتنا أنا ومنصور وطولنا واجد.. وأنتي تعاتبيني ليش ما ترجعين لعمي.. وأنا اتعزز وأقول هو غلط في حقي!!
بس لو جينا للحق.. عمش منصور ماقال لي ارجعي.. حتى تلفون مادق لي..
كان يروح يسأل عني زايد وعياله.. ومافكر يتصل لي أنا..
صحيح زعلت وكبرتها وطلعت من البيت.. بس عقبها بكم يوم صفا تفكيري وندمت إني سويتها.. وكنت أنتظر منه كلمة عشان أرجع..
بس هو قعد ست شهور لين تكرم علي وقال لي ارجعي..
فهد ماسوى كذا.. فهد شاريش من قلب.. أدري غلطته كبيرة عليش..
بس خلاص الرجّال اعتذر.. لو كل مرة بيغلط عليها رجالها بتهج وتخليه..
ماكان قعد فيه اثنين مع بعض..
عطيه فرصة.. خليه يثبت لش إنه ندمان صدق.. ليه منتي براضية تعطينه ذا الفرصة..؟؟
ترا فهد على عيوبه فيه ميزات أكثر.. والبشر مافيهم كامل..
جميلة همست بيأس: يمه ماني بمتقبلة فكرة الرجعة له!!
حينها همست عفراء بثقة: تدرين يأمش ليه منتي بمتقبلة الرجعة له؟؟
لأنش تبين تعاقبينه بذنب خليفة.. أو لأنش خايفة يسوي مثل خليفة..
جميلة انتفضت باستغراب: وخليفة وش دخله يمه؟؟
عفراء بحزم: خليفة هو ساس المشكلة.. خليفة كان رجال زين.. بس أنتي ضيعيتيه من يدش..
وفهد بعد رجال زين وتبين تضيعينه من يدش..
المشكلة وين؟؟
إنه خليفة تخلى عنش أول ماقلتي له ما أبيك.. كأنه ماصدق!!
لكن فهد على كثر ماقلتي له ما أبيك... متمسك فيش..
وأنتي مستمرة في قولت (ما أبيك) كانش تبين توصلينه آخره عشان تشوفين هو بيسوي نفس خليفة أو لأ..
الشيء الثاني.. خليفة ما اعتذر عن اللي هو سواه... بس فهد اعتذر..
ما تقدرين تسامحين فهد وأنتي ماسامحتي خليفة..
مع إن خليفة هو صاحب الفضل وتبين تسامحينه عشان تقدرين تكملين حياتش..
جميلة برفض: يمه ذا الكلام كله صدقيني ماله معنى..
عفراء بإصرار واثق: وأنا متاكدة من ذا الكلام..
يأمش شيلي خليفة من رأسش عشان تقدرين تعيشين حياتش..
لا تخلين طيف خليفة يخرب عليش حياتش ويوقف حاجز بيتش وبين رجالش!!


***************************************

" وين الأغراض اللي جابها غانم لمهاوي؟؟ أبي أشوف ذوق أخيش ومرته!!"
نجلا ترفع راسها بينما كانت تبدل لغانم الصغير ملابسه..
و تلتفت لصالح بنبرة عتب مقصودة تخفي خلفه حزنا مرا.. وذبولا متوحشا؟؟ حزن جديد بدأ يتصاعد في الروح حتى خنقها:
زين وأغراض غانم ماتبي تشوفها ؟؟.. تراه ولدك بعد!!
صالح بعفوية: أنا زهقت من شوفت أغراض العيال.. عيوني احولت من شوف الأزرق.. خاطري أشوف الوردي!!
ثم أردف بحماس: الدكتور يقول المها حالتها الحين ممتازة.. وتقدر تطلع قريب..
أول شيء بنسويه لا رجعت المها للبيت.. نلبسها فستان.. وبأوديها للمجلس.. عشان أصورها مع سلطان..
البارحة رجع من السفر.. أول شيء سواه.. راح معي للمستشفى عشان يشوفها.. و .......
قاطع انهماره الحماسي انفجار نجلا المفاجئ بالبكاء ... صالح انتفض بجزع وهو يجلس جوارها ليأخذها في حضنه..
وهو يحاول تهدئتها: نجلا حبيبتي وش فيش؟؟
نجلا تصاعدت شهقاتها وهي تبعده عنها: لا تجي جنبي.. ولا تقرب مني!!
وتدري.. ما أبيك حتى تدخل البيت.. خلك في المجلس..
وإذا جات بنتك.. مرخوص تجي تشوفها.. وتطلع.. أنا وعيالي مانبي منك شيء!!
صالح بصدمة: نجلا ليش تسوين كذا؟؟ معقولة تكونين غيرانة من بنتش؟؟
نجلاء انفجرت بحزنها المكتوم منذ الصباح.. وهي بالكاد تتكلم مع غانم ومزون حينما جاءا هذا الصباح..
وتنتظر صالح بوجع ليشاركها المصيبة.. ولكنه لم يأتي إلا الآن بعد صلاة المغرب!!
بعد أن أثقل على روحها الوجع.. حتى ماعاد بالاحتمال..
انفجرت بهستيرية: أنا غيرانة من بنتي؟؟ إلا أنت اللي ما تستاهل تكون أب...
اطلع برا وما أبي أشوف وجهك!!
برا.. برا...
صالح يحاول تهدئتها: نجلا الله يهداش.. ترا مافيه شيء يستاهل ذا اللي أنتي مسويته كله..؟؟
نجلا انهارت جالسة ماعاد فيها أي طاقة وصوتها يتحول لتمتات باهتة: مافيه شيء يستاهل!!
صالح وش صار على فحوص غانم اللي صار لي أكثر من أسبوع ونص أحن عليك تجيبها؟؟
صالح بحرج: يا بنت الحلال هذا فحص دوري يسوونه لكل المواليد..
لو كان فيه شيء لا قدر الله كانوا اتصلوا..
نجلا بذات النبرة الباهتة الممزقة وجعا: فحص دوري...؟؟
كنت أقول لك... الولد طريقة تنفسه مهيب مريحتني..
تقول لي عادي.. ماتذكرين عزوز وخالد كانوا كذا..
أقول لك تكفى تأكد من فحوصه اللي خذوها في المستشفى يوم طلعنا..
تقول لي إن شاء الله.. كل يوم إن شاء الله..
صالح لا يعلم لِـم بدأ القلق يتسرب لروحه.. فنجلا بالفعل غير طبيعية..
هتف بهذا القلق: نجلا شا اللي صاير؟؟
حينها عاودت الانفجار بشكل أشد وجعا وهستيرية:
شا اللي صاير؟؟؟..
اللي صاير إنك ماخذت الفحوص لأنك ماعندك اهتمام بأحد غير بنتك..
والمستشفى دقوا عليك أكثر من مرة.. ولقوا جوالك مسكر.. لأنك أكيد عند بنتك بعد..
لحد ماطلعوا رقمي أنا من ملفي..
غانم قلبه تعبان واجد.. ولدي بروحي أنا قلبه تعبان.. ولازم أستعجل في الفحوص عشان يسوون له عملية في أقرب وقت!!
والحين أنت اطلع برا.. ماني بطايقة شوفتك قدامي... اطلع.. اطلع..
برا.. برا...........


****************************************

كان ينتهي للتو من وضوءه لصلاة العشاء ويريد التوجه للمسجد قبل الآذان..
حين سمع صوت الطرقات الهادئة على الباب..
هتف بحزم: ادخل..
دخلت بخطواتها الواثقة وهي تسلم وتقبل رأسه..
ثم تهمس باحترام بدون مقدمات: أنا أسفة يبه لو كنت ضايقتك أمس..
وتراني جيت البارحة ذا الحزة بس مالقيتك!!
وكنت أبي أعتذر لك بنفسي مهوب في التلفون!!
زايد هتف بأبوية: لا تعتذرين يا أبيش عن قولت الحق..
أصلا لو أنتي ماعاتبتيني.. ما تكونين بنتي كاسرة اللي ما ترضى بالحال المايل..
ثم أردف بشجن مغلف بحزمه: وأنا اشهد إن حالي مايل!! وأنا اللي ميلته بروحي!!
كاسرة بثقة: أنا كنت موجوعة واجد عشان أمي...
بس لو جينا للحق.. أنا مالي حق أتدخل بينكم.. هذي مشاكلكم الخاصة وأنتو اللي تحلونها..
تنهد زايد بحزم: شكلها يأبيش ماتبي تنحل..
ثم أردف بثقة: أنا متأكد إن أمش ماقالت لش إني كلمتها البارحة وجيتها اليوم..
واعتذرت منها.. وطلبت منها ترجع.. بس هي مارضت!!
كاسرة بصدمة حقيقية: لا.. ماقالت لي شيء..
زايد بذات الثقة: كنت عارف!!
مثل مادست علي خبر حملها... تظن إنها يوم تحتفظ بسر كل شيء إن هذا بيخليها في موقع القوة..
عشان ماحد يقدر يضغط عليها بشيء!!
كاسرة بحرج: أنت دريت بخبر حملها؟؟
زايد بذات الثقة الحازمة: دريت منها.. وهي تحسب إنش قلتي لي..
وماخذه في خاطرها.. تحسبني أبي أرجعها عشان الحمل!!
كنت أقول مزنة تغيرت وعقلت.. بس عنادها مثل ماهو.. ورأسها أيبس من الصوان..
حاولي فيها يا ابيش.. حاولي تقنعينها..
اعتذار واعتذرت.. وأي شيء تبيه زود... أنا حاضر!!

**********************************

" عبدالرحمن.. عالية بترجع تتعشى معنا؟؟"

عبدالرحمن بإبتسامة: لا يمه فديتش... الليلة بتتعشى عند أمها..
أم عبدالرحمن همست بحنان: زين تبيني أكفيك؟؟ أنا بأروح مع السواق وأجيبها..
عبدالرحمن يتناول كف والدته التي تجلس جواره على الأريكة ليقبل ظاهرها باحترام جزيل ومودة غامرة:
لا جعلني فداش.. بأروح أجيبها.. وش عندي؟؟
ثم التفت للجالسة معهما وهي في عالم آخر.. آخر.. شاردة.. مثقلة بالهم..
وهتف بصوت عال: شعاع.. اشعيع..
شعاع انتفضت برقة: لبيه..
عبدالرحمن بمودة: قومي يأخيش استعجلي إبي..
دخل يتوضأ ولا عاد طلع.. الأذان بيأذن الحين..
وأنا بروحي عبالة.. أبي لي عشر دقايق لين أوصل المسجد..
(عبالة = شيء ثقيل بالمعنى المعنوي لا الحسي)
شعاع قفزت وهي تهمس باحترام: إن شاء الله أبشر..
عبدالرحمن كان على وشك أن يطلب من والدته أن تقرب له مقعده البعيد الذي وضعته شعاع في زاوية الصالة..
لولا الصرخة اليائسة التي تفجرت في البيت من حنجرة شعاع بهستيرية:
يمه الحقيني.. إبي نايم على السرير وما يتكلم..
أم عبدالرحمن صرخت بجزع وهي تحاول الوقوف وتتعثر.. وتحاول المشي وتتعثر..
حتى وصلت لداخل الغرفة واختفت فيها..
وصرخات الاثنتين بدت واضحة تماما لعبدالرحمن وهما تحاولان إيقاظ والده..
إحساس غريب.. سبق أن شعر به..
قبل عام تقريبا...
دوامة يطوف بها..
وصوت اصطدام..!!
وحشرجة أنفاس مهاب..
وصراخ الجد..
وصراخ أمه وشعاع.. ووالده لا يرد!!
بدت له الدنيا باهتة.. باهتة.. لا شيء ذو قيمة فيها..
سوى شيء واحد.... والــــــــــده!!
أثمن كل شيء وأغلى..
أثمن حتى من مهاب لو قارنهما معا!!
أثمن من ابنه القادم.. وأثمن من عالية !!
ثمين إلى حد اليأس.. ثمين إلى أقصى مسافات التاريخ..!!
ثمين بقدر حنان أزلي منحه له منذ الدقيقة الأولى في حياته حتى قبل دقائق..
وهو يبتسم له ابتسامة الرضا مغادرا ليتوضأ!!
ثمين بقدر ماربطت بينهما الصداقة وتشعبت الحكايات.. وتبادلا الضحكات..
ثمين بقدر ماتعاتبا.. حين كان يقسو على شقيقتيه.. فيرد عليه : (أخاف عليهم يأبيك..)
ثمين بقدر الساعات والدقائق والثواني التي قضاها فوق رأسه وهو في غيبوبته..
وهو يوقف حياته كاملة من أجله!!
ثمين بقدر الليالي التي قضاها ساهرا يحرك أطرافه ويناجيه دون يأس..
وكأن روحه تعلقت بأنفاسه الباردة التي ينفثها في غرفة مستشفى أشد برودة!!
ثمين بقدر حبه له.. وهو يعلم أنه لا يوجد والد أحب ابنه..
كما أحب فاضل ابنه عبدالرحمن!!

#أنفاس_قطر#
.
.
.
.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاصل إعلآني ^_^ / ..
جميع الحقوق محفوظة لدى : || شبكة ومنتديـآت ***** الثقــآفيـة || ..
تجميع : ♫ معزوفة حنين ♫..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

.بين الأمس واليوم/ الجزء المئة وثلاثة

عبدالرحمن كان على وشك أن يطلب من والدته أن تقرب له مقعده البعيد الذي وضعته شعاع في زاوية الصالة..
لولا الصرخة اليائسة التي تفجرت في البيت من حنجرة شعاع بهستيرية:
يمه الحقيني.. إبي نايم على السرير وما يتكلم..
أم عبدالرحمن صرخت بجزع وهي تحاول الوقوف وتتعثر.. وتحاول المشي وتتعثر..
حتى وصلت لداخل الغرفة واختفت فيها..
وصرخات الاثنتين بدت واضحة تماما لعبدالرحمن وهما تحاولان إيقاظ والده..
إحساس غريب.. سبق أن شعر به..
قبل عام تقريبا...
دوامة يطوف بها..
وصوت اصطدام..!!
وحشرجة أنفاس مهاب..
وصراخ الجد..
وصراخ أمه وشعاع.. ووالده لا يرد!!


بدت له الدنيا باهتة.. باهتة.. لا شيء ذو قيمة فيها..
سوى شيء واحد.... والــــــــــده!!
أثمن كل شيء وأغلى..
أثمن حتى من مهاب لو قارنهما معا!!
أثمن من ابنه القادم.. وأثمن من عالية !!
ثمين إلى حد اليأس.. ثمين إلى أقصى مسافات التاريخ..!!
ثمين بقدر حنان أزلي منحه له منذ الدقيقة الأولى في حياته حتى قبل دقائق..
وهو يبتسم له ابتسامة الرضا مغادرا ليتوضأ!!
ثمين بقدر ماربطت بينهما الصداقة وتشعبت الحكايات.. وتبادلا الضحكات..
ثمين بقدر ماتعاتبا.. حين كان يقسو على شقيقتيه.. فيرد عليه : (أخاف عليهم يأبيك..)
ثمين بقدر الساعات والدقائق والثواني التي قضاها فوق رأسه وهو في غيبوبته..
وهو يوقف حياته كاملة من أجله!!
ثمين بقدر الليالي التي قضاها ساهرا يحرك أطرافه ويناجيه دون يأس..
وكأن روحه تعلقت بأنفاسه الباردة التي ينفثها في غرفة مستشفى أشد برودة!!
ثمين بقدر حبه له.. وهو يعلم أنه لا يوجد والد أحب ابنه..
كما أحب فاضل ابنه عبدالرحمن!!
لا يعلم ما الذي حدث.. ولا كيف حدث..
كل ما يعلمه أنه وجد نفسه ينحني على سرير والده.. وهو يجس نبضه ويتأكد من أنفاسه.. ويصرخ بشعاع: اتصلي في الاسعاف بسرعة..
ثم ينهار جالسا على الأرض..
لم ينتبه أحد كيف تحرك من الصالة لغرفة والده دون كرسيه!!
فبالهم كان مشغولا بشيء آخر..
شعاع كانت تتصل بالاسعاف وهي تشهق بهستيرية..
بينما أم عبدالرحمن مازالت تحاول إيقاظه بكل يأس..
حينها انتبه عبدالرحمن لنفسه.. انتبه أنه هنا..!!
أنه هنا بدون كرسي..!!
لم يهمه كيف حدث ذلك.. كل ما كان يهمه هو والده..
حاول الوقوف مرة أخرى.. شعر أن قدميه تتخاذلان.. وأنهما عاجزتان عن حمله..
لكنه تحامل على نفسه..
"مادمتُ فعلتها من أجله قبل قليل دون وعي مني
سأفعلها الآن بأذن الله ومن أجله أبضا وأنا بكامل وعيي!! "
شعر بصعوبة الأمر.. وان قدميه لا تستجيبان..
لكنه حاول وهو يستند لطرف السرير.. ليقف بصعوبة بالغة..
ثم يجلس بجوار والده.. وهو يتأكد من استمرار تنفسه!!!
" يا الله.. كم تبدو الحياة باهتة بدونك يافاضل!!
هل تريد أن تتركني؟؟
هل تريد أن ترحل قبل أن ترى حفيدك؟؟
هل تريد أن تترك عبدالرحمن الذي لا يعرف بهجة الحياة دون ابتسامة رضاك!! "

*********************************

" علوي حبيبتي..

امشي أوديش لبيتش!!"

عالية بمودة: لا عبدالله فديتك.. عبدالرحمن جايني الحين..
عبدالله بمودة يخفي خلفها قلقه العارم: أنا حلفت على عبدالرحمن أجيبش..
أنا أساسا أبي أروح الحلاق الحين..
بأوصلش وبأروح..
عالية نهضت وهي تهمس بمرح وترتدي عباءتها: الله لا يخليني منك..
زين عشان ما أتعب الدحمي!!
عبدالله بنبرة مقصودة: أم حسن..
جوزا بلباقة رقيقة: لبيه..
عبدالله بذات النبرة المقصودة: أبي جوالش عشان أكلم الحلاق.. جوالي طفا..خلص شحنه..
جوزاء ناولته هاتفها بعفوية.. أخذه منها وهو يهتف بمودة: زين روحي رقدي حسن.. تأخر الوقت..
جوزا شدت حسن وهي تهمس برقة: إن شاء الله..
كان عبدالله يريد أن يحرص أنه لن يفاجئها أحد بالخبر..
فهاتفها معه.. وهي حين ينام حسن يستحيل أن تتركه لوحده..
وفي غرفتها لن يصعد لها أحد!!
حين أصبحا كلاهما في السيارة.. هتف عبدالله بحزم:
اسمعيني زين.. ترا عمش تعبان شوي.. بس إن شاء الله إنه زين!!
تبين أوديش للبيت..؟؟ وإلا تبين تروحين لهم المستشفى..؟؟
عالية انتفضت بجزع: نعم؟؟ عمي تعبان..
لا أكيد أبي أروح المستشفى فدينك!!
عالية طوال الطريق أفكارها تغلي..
تعرف ارتباط عبدالرحمن بوالده.. تتخيل وضع عبدالرحمن الآن..
ليزداد قلبها غليانا!!


*****************************


كان يعبر طرقات المستشفى كالمجنون.. منذ اتصل به عبدالرحمن واخبره أن حالة شعاع صعبة وأنها لم تسكت من البكاء..
وأنه يخشى عليها وعلى جنينها ويرجوه أن يحضر لتهدئتها..
لأنه بالكاد يقدر على تهدئة والدته الآن!!
كانت تقف قريبا من باب غرفة الإنعاش.. ودموعها لم تتوقف عن السيلان حتى غرق نقابها..
كم تبدو مشاكلنا تافهة حين يأتيها ماهو أكبر منها!!
يبدو الآن كل خلافها مع علي لا قيمة له إطلاقا أمام قلقها على والدها.. وخشيتها من فقده..
فهل نحتاج دائما لصدمة لكي تعدل تفكيرنا المائل..؟؟
رغم محبتها الهادرة لعلي التي أشعرتها بالاستغناء عن العالم وكأنها لا تريد من الحياة شيئا سواه!!
لكنها علمت الآن ويقينا أنها تحب والدها أكثر!!
وأنه لا علي ولا سواه سيعوضها عنه لو ذهب!!
حتى لو كان يقسو عليها أو قسا عليها.. يكفيها إحساسه بأنفاسه في الحياة..
تنبئها أن لها ظهرا حنونا لا تخشى الدنيا مادام خلفها..
شعرت بالفعل بإحساس اليتم المر من مجرد خوفها من فقده!!
كانت هذه أفكارها المتصاعدة مع شهقاتها وهي لا تشعر بشيء حتى شعرت باليد الحانية على كتفها..
وهمسه الدافئ الحنون: اذكري الله ياقلبي.. إن شاء الله مافيه إلا العافية!!
حينها استدارت لتسند جبينها لعضده وهي تنتحب بشكل أشد..
كان علي يشعر أنه سيموت ليأخذها في حضنه..
ولكن وقفتهما في الممر لم تسمح له بذلك..
وهو يرى عبدالرحمن يجلس قريبا منهما وبجواره والدته يحاول تهدئتها..
ربما لشدة انشغاله بشعاع لم ينتبه إلى عصا مسندة للحائط خلف عبدالرحمن!!
فكل كيانه مع هذه المنتحبة وهي تسند رأسها لعضده..
وتتمنى لو كانت تستطيع أيضا الارتماء في حضنه لتسكب وجيعتها كما تشعر بها فعلا!!

يتبع ,,,

👇👇👇
تعليقات