رواية بين الامس واليوم -172
ربما لشدة انشغاله بشعاع لم ينتبه إلى عصا مسندة للحائط خلف عبدالرحمن!!
فكل كيانه مع هذه المنتحبة وهي تسند رأسها لعضده..
وتتمنى لو كانت تستطيع أيضا الارتماء في حضنه لتسكب وجيعتها كما تشعر بها فعلا!!
علي يهمس لها بحنان: حبيبتي اهدي تكفين.. خافي اللي في النفس اللي أنتي شايلتها..
عمي فاضل إن شاء الله إنه طيب..
حينها اتسعت عينا علي بصدمة حقيقية وهو يرى عبدالرحمن يتناول العصا من خلفه.. ثم يستند عليها ليقف..
كان يتحرك ببطء شديد وصعوبة.. ولكنه كان يتحرك!!
كان يقف!!
كان متوجها ليسأل أي أحد ليطمئنهما..
قلق عارم يعصف به..
فوالده سبق أن أُصيب بأزمة قلبية من فترة ليست بالبعيدة.. حين أفاق هو من غيبوبته...
قلقه يتزايد وهو يرى أن لا أحد يخرج لتطمينهم بأي شيء!!
كان على وشك العودة ليجلس جوار والدته!!
في لحظة وقوفه تلك..
كان هناك شخصان آخران قادمان..
رجل وأمراة..
لتتهاوى المرأة مغشيا عليها حالما رأت عبدالرحمن واقفا وهي تشهق شهقة عنيفة!!
عبدالله المصدوم انحنى ليسند شقيقته ثم يحملها قبل أن تصل للأرض والممرضات يسرعن نحوه لينقلها لغرفة إنعاش مجاورة!!
عبدالرحمن حين رأى المشهد أمامه.. قفز بسرعة أكبر متوجها نحوها.. رغم صعوبة المشي عليه..
ليصل إليها فور إنزالها على السرير وهو يهتف بغضب:
عبدالله الله يهداك ليش تجيبها هنا..
عبدالله بغضب مشابه: وأنت ليش ماقلت لي إنك مشيت.. يوم كلمتني!!
أنا قلبي كان بيوقف يوم شوفتك واقف.. أشلون ذا المسكينة؟؟
عبدالرحمن انحنى على وجهها يربت على خدها بلطف: عالية.. عالية..
الممرضات أزحنه جانبا ليقمن بدورهن في إفاقتها.. لم تستغرق دقيقة حتى تصاعدت شهقتها الثانية..
واستوت جالسة وهي تهمس بلهفة موجوعة: وين عبدالرحمن؟؟
حينها رأته واقفا جوارها.. وحينها دفنت وجهها بين كفيها وانتحبت من أقصى روحها..
عبدالله حين اطمأن لإفاقتها قرر أن يخرج لأنه شعر أن وجوده غير مناسب في هذه اللحظة الخاصة جدا!!
عبدالرحمن اقترب منها ليحتضن رأسها ويهمس بوجع: حبيبتي أنا محتاجش قوية الحين.. عشاني!!
عالية احاطت خصره بذراعيه وهي تنتحب وتشهق بعنف: بس عطني دقيقة وحدة أستوعب..
ماني بقادرة أصدق إنك واقف قدامي.. الحمدلله يارب...
ياربي ماني مصدقة.. صدق أنت واقف؟؟
عبدالرحمن بشجن عميق: واقف.. بس ياخوفي يكون ثمن وقفتي أغلى منها بواجد!!
مازال معتصما بمكانه في صالة البيت منذ عاد إلى البيت..
وهي معتصمة بغرفتها التي نزلت فيها للأسفل بعد ولادتها..
كلاهما لديه إحساس عميق بالذنب يتعمق ويتعمق..
هــــــو لأنه اكتشف أن فرحته بالصغيرة جعلته مغيبا تماما.. أهمل أسرته كاملة من أجلها..
قبل دقائق مر به عبدالعزيز.. لم يقل له شيئا وهو متوجه ليدخل عند والدته..
نـــاداه.. شعر برغبة مضنية لاحتضانه..
ست سنوات وهو من كان آخر العنقود.. ست سنوات وهو المدلل..
ثم فجأة وكأنه اختفى ماعاد حتى ينتبه لوجوده.. فكيف سيشعر طفل كهذا؟؟
احتضنه بقوة وهو يغمر وجهه بقبلاته ويشعر أنه سيبكي..
يا الله كم افتقد رائحته!!
تفاجأ في ملامحه العذبة بسن مفقود..
هتف باستغراب: متى طاح سنك؟؟
عبدالعزيز بإبتسامة: من زمااااان.. (من عدة أيام!!)
صالح يتحسس المكان الفارغ بألم... كيف لم ينتبه حتى لسقوط سنه الأول..
هتف بهذا الألم: ومن اللي شاله لك؟؟
عبدالعزيز بذات الابتسامة: عمي هزاع يوم جا يأخذنا يودينا عند جدي..
ماحسيت فيه.. قال لي غمض عيونك.. وبعدين شفته في يدي!!
ووداني الدكان أنا وخويلد وخلاني أشتري أغراض واجد عشاني مابكيت..
صالح بذات الألم: وليش ماقلت لي أنا إن سنك يتحرك عشان أشيله..؟؟
عبدالعزيز بتأفف طفولي: يووه قلت لك كم مرة.. بس أنت ماتسمعني..
مستعجل.. على طول مستعجل!!
وأمي على طول تبكي.. ما أبيها تشيل سني وهي تبكي!!
" يا الله.. وش كل ذا الوجع؟!!"
صالح عاود احتضان عبدالعزيز وهو يرفعه ليجلسه في حضنه.. في لحظتها خرجت نجلا..
تحاشت النظر لهما.. وهي تهتف بحزم:
عزوز يا الله عشان تنام.. اطلع غسل أسنانك والبس بيجامتك.. أنت وخويلد وأنا جايتكم الحين..
نجلا كانت تريد مناداة الخادمة لتجلس عند غانم الصغير حتى تعود لها..
لولا أن صالحا قاطعها بحزم مرهق: أنا بأقعد عندهم لين ينامون..
ارجعي لغانم!!
كان بودها أن ترفض.. لكنها بالفعل مرهقة.. وإحساسها بالذنب كذلك يخنقها..!!
تشعر أن الله عز وجل يعاقبها على تطيرها.. فهي كرهت أن تُسمى ابنتها باسم طفلة ماتت بالقلب.. فيظهر أن ابنها مصاب به!!
تستغفر الله كثيرا من هذه الأفكار.. ولكنها لا تستطيع الابتعاد عن أسرها..
وإحساسها بالذنب يتزايد ويتزايد!!
*********************************
أجبرها أن تجلس.. وهاهو يجلس جوارها..
يحتضن كفها في كفه.. وهي لم تتوقف عن النحيب.. ولم ترد عليه بكلمة منذ رآها..
همس بحنان: شعاع ياقلبي بس.. هذا أنتي سمعتي بنفسش إنه عدا مرحلة الخطر..
بكرة الصبح إن شاء الله بيكون بخير!!
لم ترد عليه بشيء.. وهي مستمرة في البكاء.. تبكي الكثير من الأشياء..
تبكي قلقها على والدها.. تبكي من إحساسها أنها كانت على وشك فقده..
تبكي حتى مسامحتها الجالس جوارها وهي لا تريد أن تسامحه!!
تبكي رغبتها أن تطوق عنقه بذراعيها وهي لا تستطيع!!
قلبه يذوب من أجلها ذوبا.. وهي لا ترحم حاله..
يشعر أنه سينهار من الإرهاق وسينهار قبل أي شيء من أجلها..
ومع ذلك يحاول التجلد من أجلها أيضا!!..
وضع مختلف عن وضع المتجلدين في مكان آخر بعيدا عنهما..
عبدالرحمن وعالية.. عبدالرحمن بدأت روحه تطمئن قليلا حين أخبروه أن والده استقر وضعه وتجاوز مرحلة الخطر.. بعد الأزمة القلبية المفاجئة التي فاجئتهم جميعا !!
مشغول باله بشدة ومثقل بالهم.. هذه هي الأزمة الثانية.. فهل سينجو من ثالثة؟؟
عالية تهمس بمودة وتصبير: عبدالرحمن الله يهداك.. عمي الحين أحسن.. قل الحمدلله..
عبدالرحمن يتنهد: الحمدلله والشكر.. بس أنا خايف عليه.. هذي الازمة الثانية..
مع إن إبي بشكل عام صحته زينة.. وتوه مهوب كبير..
حاس إني أهملته.. كان المفروض إنه أسافر أنا وإياه ونسوي له تشييك كامل..
ثم أردف بحزم: عالية قومي روحي للبيت أنتي وامي.. وجيبيها الصبح.. عبدالله ينتظركم..
ولو تاخر أكثر على جوزا.. بيصير بالها يودي ويجيب..
عالية برفض: وأخليك؟؟
عبدالرحمن بإصرار: اسمعي الكلام.. أمي تعبانة ولازم ترتاح..
وحتى الحين بأخلي علي يأخذ شعاع..
تعالوا كلكم بكرة..
***********************************
منذ عاد لها بعد أن نام الصغيران..
وكلاهما معتصم بصمت مر.. تبدو مرارة الصمت كمرارة العلقم!!
ومرارة الذنب أمر من ذلك وأقسى!!
كلاهما غارق في مرارة ذنبه التي تشربت بها الروح!!
لم يقاطع جمودهما المؤلم سوى تعالي صرخات غانم الصغير..
كلاهما قفز في ذات الوقت..
كان هو من وصله أولا.. وتناوله من فراشه..
كان بودها أن تدفعه عنه.. وتأخذه من يده!!
ولكنها رأت أن في هذا قسوة لا ترضاها لنفسها ولا لوالد أطفالها..
فهي رغم كل شيء في حاجته.. حتى لو كان لن يقدم شيئا تكتفي بوجوده لتستمد منه القوة!!
لذا عادت للجلوس على سريرها وتركت غانما بين يديه!!
صالح أسكت الصغير ثم تساؤل بإرهاق: يبي يرضع؟؟
همست نجلاء بإرهاق أعمق: إيه.. عطني إياه!!
ناولها إياه.. وفي لحظة التماس تلك.. لم يستطع إلا أن يجلس جوارها ويأخذها بين ذراعيه..
لتنهار في بكاء موجوع وهي تسند رأسها لكتفه وتحمل ابنها بين ذراعيها..
همس لها بحنان مغرق في الوجع: سامحيني نجلا.. سامحيني ياقلبي.
أدري إني غلطتي كبيرة.. ومالي عذر..
وكفاية الذنب اللي أنا حاسة عقاب لي!!
فرحتي بالبنت اللي حلمت فيها سنين.. أعمتني عن أشياء واجد..
يمكن كنت أبي لي صدمة تفوقني.. بس الصدمة ذي توجع توجع..
قالها وهو ينحني ليتناول الصغير من بين يديها ويغمر وجهه ويديه بالقبلات
ويهمس بوجع متزايد:
لا تحاتين.. إن شاء الله مافيه إلا العافية..
وربي رحمته أوسع من كل شيء!!!
**************************************
يدخلان لبيتهما سويا .. وأخيرا..
طوال الطريق وهما صامتان تماما.. رغم أنه كان يتحرق ليقول لها أي شيء..
لكنه احترم صمتها وحزنها!!
في أحيان كثيرة قد يكون أفضل ما نقدمه للآخرين هو.. الصمت..
حين يكون الصمت أكثر تعبيرا من الكلام!!
حين وصلا للبيت... حدث ما توقعه تماما..
انفجرت في البكاء.. وهي تجلس على الأريكة وتدفن وجهها بين كفيها!!
جلس جوارها ليأخذها في حضنه.. لم تحاول أن تتمنع..
فالتصنع لا يليق بهما!!
دفنت وجهها في منتصف صدره لتنتحب بكل قوتها..
همس لها بحنان وهو يحتضنها بكل الحنان والقوة: خلاص شعاع حني عليّ بكلمة وحدة الله يرضى عليش..
أنتي وش طاقة البكاء العجيبة اللي عندش ذي.. ما تتعبين!!
حرقتي قلبي!!
انتحبت وشهقاتها تتناثر: كله منك.. كله منك!!
لم يستطع إلا أن يبتسم فهذه العبارة يسمعها للمرة الثانية وفي موقف شبيه بهذا الموقف:
أدري كله مني.. وأنا أستاهل ونص..
وأنا آسف..
شعاع ياقلبي تدرين وش كثر أحبش.. لو تحبيني نص ما أحبش..
ماكان هان عليش تخليني عشان غلط اعتذرت عنه..
شعاع بصوتها المبحوح: والحين حياتنا كلها بتقعد معلقة على ذا الغلط؟؟
علي يبعدها قليلا عنه لينظر إلى وجهها ويمسح دموعها المنهمرة بأنامله:
مافيه شيء غيره.. هو الغلط الوحيد.. وعاقبتيني بمافيه الكفاية..
خلاص ياقلبي.. تدرين إني حتى يوم واحد ما أطيق بعدش...
أحس كأني مثل المسبه اللي فاقد التوزان!!
حينها مدت أناملها لتمسح على عارضه برقة موجوعة: شأخبار فحوصك؟؟
همس بعتب رقيق وهو يتناول كفها من خده ليحتضنها بين كفيه:
زين تذكرتي؟؟
ابتسمت بشفافية مغمورة بالدموع: أدري إنها زينة.. لأني سألت كاسرة بطريقة غير مباشرة..
وقلت لها إني خايفة تكون مخبي علي شيء.. وهي سألت كساب وطمنتني!!
حينها ابتسم بشفافية أكثر: وليه ذا اللفة كلها؟؟
ترا السالفة كلها مسج أو تلفون حتى لو أنتي زعلانة عليّ..
همست بشجن: بس أنا كنت زعلانة واجد.. ولين الحين زعلانة!!
أجابها بولع غامر: أراضيش باللي تبينه.. لو تبين عيوني الثنتين.. بس خلش جنبي..
وحلفتش بالله.. لو صار زعل بيننا .. وإن شاء الله عمره مايصير بيننا زعل..
بس لو صار.. حلفتش بالله ماتطلعين من بيتش.. خلش قدام عيوني..
ترا فيه فرق بين إنش تعاقبيني.. وبين إنش تذبحيني!!
***********************************
" يا الله ياعبدالله..
أما أنت أمس وترتني صدق.. أول شيء تأخرت علي
وحتى تلفون ماعندي أتطمن عليك!! "
عبدالله بمودة: غصبا عني حبيبتي..
جوزاء بتساؤل: إلا أنت وين موديني من صبح كذا؟؟
عبدالله يتنهد بهدوء: عندي لش مفاجئتين وحدة حلوة وتجنن وبتطير عقلش من الوناسة..
والثانية بتزعلش شوي..
جوزاء بتوجس: عبدالله خوفتني..
عبدالله يحاول تهيئتها للموضوع وهو يهتف بهدوء تام: صدقيني مافيه شيء يخوف..
بس أنتي جمدي لي قلبش الله يرضي عليش..
لو علي ماكان ودي أقول لش الخبر الحلو ولا والشين.. بس أنا عارف إنه بتدرين بتدرين!!
كله ولا تفكرين تولدين لي في الثامن.. طالبش ياقلبي!!
جوزاء بدأ توجسها يزداد وهي تضع أسوأ الاحتمالات في رأسها.. وكل الاحتمالات تدور حول أهلها..
بما أن عبدالله معها الآن.. وحسن تركته خلفها عند أم صالح!!
اختنق صوتها: أمي صاير لها شيء.. أو إبي أو أخواني؟؟
عبدالله بنبرة تطمين: ليش ذا الفال الشين؟؟ صدقيني إنهم كلهم طيبين وبخير!!
جوزا تنظر حيث دخلت السيارة ويزداد اختناق صوتها: تقول لي طيبين وأنت موديني المستشفى..
عبدالله يشعر بالتمزق فعلا وهو يهتف بثقة ودودة: والله العظيم إنهم كلهم طيبين..
وبتشوفين بعينش... عشان كذا جبتش.. مابغيتش تروعين!!
جوزاء بدأت تبكي: من اللي تعبان فيهم؟؟ من هو؟؟
عبدالله شد على كفها وهو يقف في الموقف ويهتف بثقة: انزلي بنفسش وتشوفينهم كلهم طيبين..
عمي بس تعب البارحة تعب بسيط وهذا هو طيب وبخير وبتشوفينه بعينش!!
جوزاء نزلت باستعجال وهي تكاد تركض.. عبدالله شدها ليوقفها وهو يهتف بحزم: شوي شوي..
كانت تحاول التجلد وهي تريد أن تطير بينما عبدالله يمسك كفها بقوة..
حتى أوصلها إلى الطابق الخامس..
همس لها بحزم وهما مازالا عند الباب: شفتي هذا هو في غرفة عادية..
لا في العناية ولا الإنعاش..
سمي بسم الله.. وادخلي بالراحة.. لو شعاع مهيب هنا.. ناديني!!
جوزاء هزت رأسها وهي تصر على أسنانها بقوة.. وتشعر بألم متعاظم في أسفل بطنها..
فتحت الباب ودخلت..
حين دخلت .. كانت أسرتها بكاملها متواجدة.. ووالدها نائم..
بدت كما لو كانت ستسقط وهي تبحث عن شيء تستند له..
شعاع وعالية قفزتا كلتاهما لتسنداها.. والغريب أن معهما ثالث رغم أنه وصل متأخرا!!..
حين أوصلوها بجوار والدتها.. ارتمت في حضن والدتها وهي تنتحب..
أم عبدالرحمن مسحت على رأسها بحنان: والله العظيم إنه طيب يأمش.. اذكري ربش!!
حين التفتت لتتأكد من شيء غريب لمحته وظنت نفسها تتخيل..
وجدت نفسها لا تتخيل.. كان عبدالرحمن يقف جوارها مستندا لعصا وهو يهمس بقلق: أشلونش الحين؟؟
حين رأته واقفا.. شهقت بعنف وهي تستدير لتحتضن خصره وتنتحب بهستيرية..
عبدالله وصله صوت نحيبها وهو في الخارج.. لم يستطع أن يصبر وهو يطرق الباب بقوة..
البنات تأكدن وضع أغطيتهن وهن لا يعملن من الطارق بعد.. ليدخل عبدالله كالأعصار: وش فيها؟؟ وش فيها؟؟
عالية تمسح دمعة فرت منها رغما عنها: لا تحاتي أم حسون... بس صرنا عايلة هنود على مستوى..
سيلنا دموع أكثر من أي فيلم هندي مر في التاريخ!!
عبدالله وقف فوق رأسها وهو يهتف بقلق: أم حسن.. حاسة بشيء؟؟ شيء يوجعش؟؟
جوزاء لم ترد عليه وهي مازالت متعلقة بعبدالرحمن الذي كان يحتضنها بحنو ويهمس عبدالله بمودة: مافيها إلا العافية..
متاثرة شوي.. كانت متوقعة إنه أبو دم ثقيل ماعاده بماشي على أرجيله مرة ثانية!!
ثم استدار عبدالرحمن ليوجه حديثه للجميع : ياجماعة الخير.. إبي لا يدري إني وقفت أو مشيت.. خايف عليه من الصدمة..
أنا بروحي بأقول له وبطريقتي!!
********************************
" يا الله وضوحي وش ذا الكسل؟؟
قومي!! "
وضحى تفتح عينيها وهي تهمس بإرهاق: خاطري أقوم قدامك..
مهوب أنت كل مرة تقوم قبلي وتشوف شكلي وأنا صاحية من النوم..
ابتسم نايف وهو يمرر ظهر أنامله على خدها: تدرين أصلا أنا تقصدت أقوم قبلش عشان أشوف شكلش وأنتي نايمة ثم وأنتي تبطلين عيونش على وجهي..
شكله بيصير إدمان!!
وضحى اعتدلت بخجل : سامحني.. بكرة إن شاء الله أنا بأقوم قبلك..
نايف بمرح: ليه حتى الإدمان ذا منعوه.. ترا مادرست إنه ممنوع في القانون..
ثم أردف بذات المرح: وش رأيش في جولتنا البارحة؟؟
وضحى برقة: تجنن.. بس بلاها نطول لين الفجر.. أخاف!!
نايف بنبرة عتب: تخافين وأنتي معي؟؟ وبعدين يعني أنا باوديش الحواري اللي بعد غياب الشمس ماحد يمشي فيها..عشان تخافين..
كلها مناطق مليانة سياح!!
وبعدين مافيه تيك المسافة بين الشانز وسكننا في سانت لازار في منطقة الأوبرا..
تدرين الفنادق أكثر قريب الشانز.. بس الشانز زحمة وعالم وقرف..
وأنا أبيش تشوفين باريس بعيون واحد من أهلها مهوب عيون سايح!!
ثم أردف بمرح ونبرة مقصودة وهو يلمس شفتيها بطرف سبابته: ولو أنه حلو نرجع بدري عشان أشوف وجهش وأنتي تسولفين علي بدون نقاب!!
عشان السوالف من بين ذا الشفايف ماينشبع منها!!
***********************************
" أنا بروح أزور أبو عبدالرحمن وأشوف أخبار عمتش..
تروحين معي؟؟"
كاسرة تنهدت: ما أقدر يمه.. اتصلت في عمتي والبنات..
وعمي فاضل باتصل له تلفون..
بس ما أقدر أروح له في المستشفى.. كساب بيعيي لو قلت له..
مزنة بحزم: خلاص أنا بروح.. لا تقعدين في البيت بروحش..
ولو تبين تقعدين خلش عند جدش وسكري البيان كلها..
حينها همست كاسرة بنبرة مقصودة: يمه استئذنتي عمي تروحين؟؟
مزنة بذات الحزم: تدرين زين إني ما أحب تكلميني بذا النبرة يابنت!!
حينها ابتسمت كاسرة: خلش من النبرة.. المهم الجواب.. استئذنتي عمي؟؟
حينها أجابتها مزنة بصرامة : مهوب شغلش يا بنت بطني.. وعيب عليش تتدخلين بيني وبين عمش!!
حينها همست كاسرة بتحكم: ذا كله يمه عشان خايفة إني أسألش ليه ما قلتي لي عن جية عمي البارحة وإنه اعتذر منش؟؟
مزنة بذات الصرامة: بعد مهوب شغلش... يوم أنتي جيتي عندي زعلانة على كساب.. مارضيتي حتى إني أتدخل بينش وبينه..
عشان تتدخلين بيني وبين إبيه الحين..
حينها همست كاسرة بشجن: يمه لا تقارنين... كساب مافكر يعتذر لي حتى..
ورجعني بدون مايعتذر لي..
لكن أنتي زايد آل كساب بكبره جاء لين عندش واعتذر..
يمه تكفين لا تضيعين عمي من يدش.. والحين بينكم طفل..
ماعليه.. خلي الخبال ويباس الرأس لي.. بس أنتي تكرمين!!
مزنة تنهدت وهي تربت على خد صغيرتها: ماراح تفهمين يأمش..
كاسرة برجاء: فهميني زين!!
مزنة تنهدت للمرة الثانية: يأمش انتهينا..
حينها كان الاتصال الذي ورد لهاتف مزنة هو من قاطع الحاح كاسرة..
مزنة شدت لها نفسا عميقا.. (لماذا يتصل؟؟
لماذا لم يكتفِ برسالة كما فعلت؟؟ )
فمزنة كانت قد أرسلت بالفعل رسالة لزايد تستأذنه في الذهاب لزيارة إبي عبدالرحمن..
وتأخر في الرد عليها!!
ولها أكثر من نصف ساعة وهي ترتدي عباءتها وتنتظر رده!!
تعلم أنه لن يرفض.. لذا استعدت للذهاب.. واستغربت تأخره في الرد..
مزنة تنهدت لترد بثقتها المعتادة: هلا أبو كساب!!
كاسرة رقصت حاجبيها لوالدتها.. بينما مزنة أشاحت بوجهها وهي تستمع صوت زايد الواثق:
أنا أتناش برا.. تعالي!!
مزنة بصدمة وهي تقف لتبتعد بهاتفها: نعم؟؟ زايد أنت من جدك؟؟
زايد بحزم: إيه من جدي... أنتي تبين تروحين تزورين فاضل وأنا بعد..
وأنا ما أرضى تزورينه بروحش..
مزنة ستجن منه وهي تحاول أن تهمس بأكبر قدر من الهدوء: زايد الله يهداك إذا أنت مرخص لي..؟؟ رحت مع السواق والخدامة..
منت بمرخص لي؟؟ قعدت !!.. السالفة ماتحتاج تعقيد..
زايد بصرامة: والله مافيه حد معقدها غيرش.. الحين حن ما احنا متفقين إنه على الأقل قدام الناس شكلنا مايفشل..
الحين أنا على كل حال رايح أزوره.. نتقابل هناك يعني كن حن ربع؟؟
مزنة تنهدت وهي تضع هاتفها في حقيبتها وتستعد للخروج له..
وتهتف بصرامة قبل أن تقول كاسرة أي كلمة: أص ولا كلمة.. ما أبي أسمع تعليق واحد!!
كفاية اللي مسويه فيني عمش الغالي!!
حين ركبت جواره سلمت باختناق حاولت أن لا يبدو واضحا في صرامة صوتها.. ولكنه ظهر..
شعرت أن السيارة ضيقة جدا.. وأن جنبها يكاد يلتصق بجنب زايد رغم المسافة الفاصلة بينهما!!
تشعر أنه يتلاعب بها.. كما لو كانت إحدى عرائس الماريونت التي تُحرك بالخيوط.. يقربها حينا ويبعدها حينا!!
وهي الخاسرة الوحيدة في كل الأحوال..
رد عليها السلام بفخامة أصيلة وهو يردف بدفء عميق متجذر: هلا حبيبتي!!
مزنة رغما عنها شهقت بعنف.. وهي تلتصق بباب السيارة.. بل وتفتحه دون أن تشعر رغم أن زايدا بدأ بتحريك سيارته..
زايد مد ذراعه ليشدها ناحيته بقوة وهو يهتف بغضب: أنتي شتسوين؟؟
مزنة استدارت نحوه بغضب أشد: إلا أنت اللي وش تسوي؟؟
زايد بغضب متزايد: وش سويت؟؟
مزنة صمتت.. لم ترد عليه.. فهي ممزقة تماما.. بل كلمة التمزق لا تتناسب حتى مع حالة التشرذم الشامح الذي تشعر به!!
" أي رجل قاس هو هذا الرجل؟؟
بل أي قلب يحمل؟؟
كلمة انتظرتها مطولا وشح بها عليّ ثم يلقيها عليّ كشيء بلا قيمة
بدون إحساس..
كما لو كانت فضلة يريد إسكاتي بها!!
ليقول لي : أ ليس هذا ما تريدينه؟؟ ارضي به واصمتي!! "
ومازاد إحساسها مرارة وقسوة أن زايد بدأ ينهمر في حديث عفوي..
كما لو أنه لم يحدث بينهما شيء مطلقا!!!
كان يهتف بثقة باسمة: تدرين إنه طلعاتنا مع بعض شوي.. دايم متقابلين في البيت..
يبي لنا مع بعض أكثر.. نطلع نتغدى سوا.. ونجيب أغراض البيت سوا..
اشرايش نروح بكرة بدري (الكبرة) نجيب ميرة البيت..
مزنة تشعر أنها تريد أن تنفجر في البكاء فعلا.. (هل هذا الرجل خال من الإحساس فعلا؟؟!! )
هل اكتشف للتو أن ظهورهما سويا من البيت قليل بل شبه معدوم
وهي لم تشتكي من ذلك مطلقا.. فهي بطبعها لا تخرج إلا لحاجة ضرورية
وكان يكفيها رؤيته أمامها في البيت!!
فأي لعبة سخيفة يلعبها الآن؟؟
زايد يستحثها للكلام: مزنة حبيبتي وش فيش ماتردين علي؟؟
مزنة همست بإرهاق: زايد لو سمحت.. بلاها حبيبتي ذي!!
ابتسم زايد بفخامته المعتادة: زين وش فيها؟؟ أنتي حبيبتي..
مزنة همست بشعور قهر متزايد: ومن متى ذا الكلام؟؟
زايد بدفء محترف: من زمان وأنتي عارفة..
مزنة تنهدت: اللي أنا عارفته شيء ثاني..
فلو سمحت يأبو كساب.. خلنا في اللي احنا فيه...
حن رايحين نزور ابو عبدالرحمن ونرجع وبس..
هتف بحزم يخفي خلفه رجاء عميقا: منتي براجعة معي لبيتش؟؟
مزنة بحزم موجوع: بيتي هو اللي أنت خذتني منه..
فارجوك احترمني يا أبو كساب.. أنا ماني ببزر عشان تغصبني!!
*********************************
دخلت عليه وهو يلاعب زايد الصغير..
بينما والدتها كانت منشغلة في المطبخ...
كانت تريد التراجع.. فهي في الفترة الأخيرة أصبحت تتحاشى مواجهته وحيدين..
تخشى أن يجر الحديث حديثا آخر تتهرب منه..
منصور حين رآها هتف بصوت عال مرح: حيا الله بنتي اللي ماعاد شفناها..
هذا وأنتي عندنا في البيت.. لا جا فهد وش بتسوين!!
جميلة مالت على رأسه لتقبله وهي تهمس بابتسامة: توني شفتك اليوم الصبح..جعلني الأولة!!
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك